ملخص
مع دخول حرب السودان عامها الرابع، يروي لاجئون فروا إلى كينيا قصص الهرب والألم، فيما تحذر منظمات الإغاثة من كارثة إنسانية متفاقمة، في ظل تدفق متزايد للاجئين وتراجع حاد في التمويل الدولي، مما يهدد الرعاية الصحية وفرص النجاة.
أخذت سمر* تركض على طول طريق ترابي في مكان ما خارج الخرطوم. لم تكن لديها خطة بل مجرد حاجة ملحة للهرب. تقول لـ"اندبندنت" من ملاذها في مخيم للاجئين في توركانا، الواقعة في شمال كينيا القاحل "كأنك تحترق. تركض دون أي وعي بما تفعل، حتى تصل إلى مكان لم تكن تخطط أبداً للوصول إليه. لم يكن في السودان سوى الموت".
وصلت السيدة إلى كينيا مصابة بالكوليرا، يرافقها أطفال ليسوا كلهم من صلبها، أبناء وبنات أخوتها وأخواتها الذين تجمعوا على طول الطريق بينما انفصلت عائلاتهم تحت وطأة النيران. في مثل هذا الأسبوع قبل ثلاث سنوات، اندلعت الاشتباكات بين فصيلين متنافسين من الجيش السوداني في العاصمة الخرطوم. وتلا ذلك ما تحول إلى أسوأ كارثة إنسانية في العالم، أدت إلى تشريد نحو ثلث السودانيين من ديارهم. وقد فر الملايين، مثل سمر، عبر الحدود إلى البلدان المجاورة التي تعاني أصلاً ضغوطاً هائلة.
وتتحمل كينيا، إحدى أكثر دول القرن الأفريقي استقراراً، قدراً هائلاً من هذا العبء. وتضم مقاطعة توركانا وحدها - وهي منطقة نائية تعاني الجفاف في الشمال الغربي - 311491 لاجئاً مسجلاً. يقول دانيال، المشرف على الأنشطة الصحية للصليب الأحمر الكيني في المنطقة إن 200 شخص إضافي يصلون كل أسبوع، بينما يسجل المخيم 400 ولادة شهرياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف دانيال، الذي شهد عدة أزمات للاجئين على مدى ما يقارب عقدين "تتفاقم الحاجات بينما تتناقص الموارد". لكنه يقول إن الوضع يبدو مختلفاً هذه المرة. ليس بسبب حجم النزوح، بل بسبب غياب التمويل الذي كان يليه في السابق. خلال أزمة إنسانية شهدتها المنطقة خلال عامي 2010 و2011، ارتفع الدعم الدولي بصورة كبيرة. ويتذكر قائلاً "لم نواجه صعوبات كبيرة. كانت المساعدات الإنسانية تتناسب مع تدفق اللاجئين". أما الآن، فقد انعكست المعادلة "يبدو أن الموازنة انخفضت إلى النصف تقريباً، لكننا نخدم عدداً أكبر من السكان".
وانخفض التمويل المخصص لعمليات الصليب الأحمر الكيني بنسبة 54 في المئة، مما تسبب في خسائر في الموارد والموظفين على حد سواء. ويقول دانيال لـ"اندبندنت" إن الأطباء يعالجون الآن ما بين 110 و200 مريض يومياً، في حين تنصح منظمة الصحة العالمية بأن يكون العدد 50 مريضاً. ويتابع شارحاً "من المفترض أن نغلق العيادة نحو الساعة الرابعة، لكننا نضطر إلى تمديد العمل حتى ننهي طابور الانتظار. يعاني الأطباء الإرهاق الشديد لأنهم يستقبلون عدداً كبيراً جداً من المرضى... أكثر من ضعف العدد، بل أكثر من ثلاثة أضعافه".
وقد نفدت مكملات الحديد المخصصة للنساء الحوامل، مما قد يؤدي إلى عواقب قاتلة عند الولادة. ويقول دانيال "عندما تعاني النساء من فقر الدم، ترتفع احتمالات فقدان الأم أو الطفل. حتى النزف الطفيف يصبح أكثر خطورة". وعندما تنفد الإمدادات، تقترض المنظمات من بعضها بعضاً على أمل وصول الشحنة التالية في الوقت المناسب.
ليست توركانا المحطة الأولى لكثرٍ، بل كيتالي، وهي مركز عبور قرب الحدود الغربية لكينيا مع أوغندا. تعمل روث هناك منذ عام 2019. وتقول "يمكننا التعامل مع بعض الحالات، لكن بعضها الآخر معقد للغاية - مثل الإصابات بالسرطان، أو الحالات التي تحتاج إلى جراحة عاجلة - وهي تتطلب إحالة المرضى لمسافات طويلة جداً". ويقع أقرب مرفق رئيس في كاكوما، على بعد نحو 400 كيلومتر (249 ميلاً).
ليست المشكلات الجسدية وحدها التي تثقل كاهل روث "عندما يصلون، يعانون دائماً كثيراً من الألم والقلق. أحياناً نستقبل أطفالاً لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم"، وتضيف: "[بعضهم] لا يقوون على الكلام، و[بعضهم] لا ينامون لأيام وأسابيع. فقد مروا بتجارب صادمة".
تتراكم القصص بصورة تكاد لا تطاق. سلب لصوص على الطريق أموال إدريس، الذي فر من الخرطوم، وهاتفه وملابسه. وهو يعمل الآن كعامل زراعي، ويقول "من الصعب العثور على عمل هنا يوفر دخلاً لائقاً وراحة بال". ثم يضيف بهدوء "لكن لولا الحكومة الكينية والمنظمات غير الحكومية، لكانت حالتنا أسوأ بكثير".
أما مالك القادم من الفاشر في شمال دارفور، فقد تعرض للاعتقال والتعذيب لمدة أسبوعين، وشاهد رجالاً مسلحين يقتلون عمه وابن عمه، ثم هرب بعد تعرض زوجته للاغتصاب. ولا تزال الالتهابات التي أصيبت بها جراء الاعتداء دون علاج. ويقول لـ"اندبندنت"، "أريد أن أدرس وأعلم أطفالي، وأحاول أن أمنحهم مستقبلاً أفضل في الأقل".
لا تقتصر الأزمة عند حدود كينيا على السودان وحده، بحسب ما يقول دانيال "نستقبل وافدين جدداً من السودان وجنوب السودان وأيضاً من منطقة البحيرات الكبرى، ولا سيما من رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبوروندي".
حديثاً، وصلت امرأة إلى كيتالي قادمة من بوروندي برفقة أربعة أطفال دون أي شيء آخر. قتل زوجها أمام عينيها وتعرضت للاعتداء الجنسي على الطريق. اكتشفت المرأة أنها مصابة بفيروس نقص المناعة البشرية عندما وصلت إلى المركز. تقول روث إن هذه الحال هي التي صدمتها أكثر من غيرها خلال الأسابيع الأخيرة. تقول "كانت وحيدة تماماً وواجهت صعوبات كثيرة، لكنها تمكنت من الوصول إلى المركز، وبمجرد أن استطعنا تقديم المساعدة لها، لاحظنا تغيراً حتى في مظهرها. أخيراً شعرت بأمل كبير".
هذا الأمل هو سبب عودة روث إلى هنا مراراً وتكراراً. على مدار ست سنوات، شاهدت أشخاصاً يعيدون بناء حياتهم، وأطفالاً يجدون مستقبلاً لم يكن ليتوقعه أحد. فأحد الفتيان حصل على مساعدة دراسية وهو الآن يتابع دراسته الجامعية، وآخر اكتشفت موهبته في المخيم وهو الآن يلعب كرة القدم بصورة احترافية في آسيا. وتقول روث "لكل لاجئ قصة، وقد يحدث هذا لأي شخص. قد يحدث لي أنا أيضاً".
لكن هذا النوع من النتائج أصبح من الصعب تحقيقه. مع دخول السودان عامه الرابع من الحرب، تتراكم الحاجات، بينما تباطأت الاستجابة العالمية وتناثرت وتقلصت. خلص تقييم أجرته منظمة الصليب الأحمر إلى أنه "من دون مزيد من الدعم، ستكون الأوضاع كارثية".
*غُيرت الأسماء لحماية هويات الأشخاص
أُعدت هذه المقالة ضمن مشروع "إعادة النظر في المساعدات العالمية" الذي تنفذه صحيفة "اندبندنت".
© The Independent