ملخص
جدل أثارته مبادرة جديدة في مصر للتيسير على المقبلين على الزواج، وعلى رغم أن بنودها أثارت الجدل ومن بينها قيمة شبكة العروس المقترحة، لكن أيضاً ربط مقدار هذه الشبكة بمستوى المؤهل الدراسي للفتاة أثار الغضب والسخرية في آن، على رغم أن ذلك أمر شائع في المجتمعات الريفية ومتوافق عليه منذ أعوام طويلة
مبادرة كان عنوانها العريض تيسير الزواج، بخفض المتطلبات والمهور والهدايا لتصبح في متناول العائلات متوسطة الدخل، جاءت تفاصيلها بالنسبة إلى بعضهم صادمة، وأبعد ما تكون من فكرة الخفض والتيسير، فالأرقام التي يجري الاحتفاء بالتوصل إليها على اعتبار أنها أقل بمقدار النصف مما كان معتاداً هي بالنسبة إلى غالبية الناس أحلاماً خيالية، ومن هنا كان من الطبيعي أن تقابل بالاستنكار، وكذلك بموجات من الفكاهة والتندر عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
كلمة السر هنا أن المبادرة التي أُعلنت بنودها خلال مؤتمر حاشد كانت ببساطة في مركز العدوة بمحافظة المنيا بجنوب مصر، ولهذا فإن مقدار 150 غراماً من الذهب كهدية للعروس بالنسبة إلى العائلات هناك سيخفف كثيراً من الضغوط والأعباء، إذ جرى العرف ألا تقل شبكة العروس هناك عن 300 غرام، وتصل إلى 450 غراماً من الذهب عيار 21 وأكثر أيضاً إذا كان العريس مقتدراً.
لكن الشق الثاني من بند المهور أثار أيضاً الاستغراب والاستياء، إذ جرى ربط القيمة المادية لهدايا العروس بصورة عامة بمستوى تعليمها، فذات التعليم الجامعي تحصل على "شبكة" أغلى من نظيرتها ذات التعليم المتوسط، فالفئوية والتمييز وفقاً للمعترضين يجري تقنينه ووضع إطار عام لممارسته، ووفقاً للقائمين على المبادرة فهناك التزام من أبناء القرية بتلك المطالبات، إذ شهد المؤتمر توافقاً وترحيباً من كبار العائلات.
توجد تبريرات كثيرة قيلت هنا بينها إن ارتفاع مهر ذات التعليم العالي هدفه تقدير العلم والحث عليه، ولا سيما أن المركز يتميز بالفعل بمستوى تعليم عالٍ لجميع أبنائه، والثابت أن تقييمات كلف الزيجة عادة تتحدد وفقاً لعوامل كثيرة من بينها مؤهل الفتاة، وهو أمر شائع في المناطق ذات الطابع الريفي، وعلى رغم التحفظات الكثيرة على القواعد التي تحكم عملية الزواج في القرى المصرية بصورة عامة، فإن التغييرات التي يمكن أن تحدث تسير وفق وتيرة شديدة البطء، وعادة تأتي تحت ضغط الظروف الاقتصادية.
تقنين للمغالاة أم تشجيع على التعليم؟
يبدو المؤهل الدراسي هنا كورقة مفاوضات قوية التأثير، وهو أمر يراه من يسكنون في المناطق البعيدة من الأرياف أمر غريب ويشبه الصفقة، إذ تتحدد قيمة الشبكة والمهر والمؤخر وفقاً للمستويات الاقتصادية بصورة عامة، فيمكن أن تحظى أستاذة جامعية بهدية زواج بسيطة سواء لظروف العائلين المادية أو لتفضيلاتها وقراراتها الشخصية، ويمكن أن تحصل فتاة لم يسعدها الحظ بالتعليم على هدية زواج مليونية لأسباب متعلقة بعادات العائلة وبمدى الثراء وبظروف كثيرة، وعلى رغم أن فكرة التمييز والطبقية شائعة بصورة عامة في الزيجات، فإن التعليم عموماً ليس مقياساً للتفاوض حول الشبكة، فالأمر كله مرهون بالمستوى الاقتصادي الذي يفرض نفسه على كل بنود الزيجة المادية، ولهذا جاءت بنود المبادرة غريبة بالنسبة إلى من يحتكون بحياة أهل الصعيد، أو المجتمعات الريفية عموماً.
المصدومون من تلك الأرقام ومن القرارات المالية التي تتخذ وفقاً لتقييم الشهادات الدراسية للفتاة، وفقاً لربة منزل ستينية تسكن في محافظة المنيا التي خرجت منها تلك المبادرة، لا يعلمون شيئاً بالفعل عن عادات الصعيد، فالأم زوجت ثلاث فتيات وشابين بالقواعد نفسها، وتلفت إلى أن تلك العادات متفق عليها وغير مكتوبة لكن الالتزام بها إجباري وكأنه قانون، مضيفة أن "لكل مجتمع طبيعته، ولا يمكن تجاهل العرف السائد، كي تتعرض الأسر للقيل والقال، فلا يمكن التهاون أبداً في تقدير الفتاة، بالتالي لا يجري قبول عدد غرامات ذهب أقل من 300 غرام، فهذا ما حدث مع بناتي على سبيل المثال، وبالمثل وربما أكثر في ما يتعلق بزيجات لشباب إذ قدرنا زوجاتهم حق تقدير، فهذا من قيمة العائلة، ومن الطبيعي أن نعطي للمهندسة أو الطبيبة حقها، فجانب الخلق والأسرة الراقية للمستويات التعليمية قيمتها أيضاً، وهذا لا يعني أننا نبخس من لم تنَل حظاً من التعليم، لكن جرت العادة أن تدلل من تعبت لتحصل على شهادة كبيرة، والحقيقة أن الأمر أيضاً متروك للذوق وحرية الأسرة فبعض العائلات المقتدرة تبالغ في تقدير الفتاة مهما كان مستواها التعليمي، لكنني أتحدث عن القواعد العامة".
تبدو الأم المخضرمة التي تتابع هذه الأيام ما يجري متمسكة كثيراً بالعادات، ولا تقبل التنازل عن مقدار الذهب الضخم الذي اعتادت عليه، إذ إن لديها ابنة شابة في سن الزواج وتقول "لن تكون أقل من شقيقاتها، هذا ما تربينا عليه، وعلى كل شخص أن يسير حياته وفقاً لظروفه، فنحن أيضاً سنأتي بتجهيزات المنزل على أكمل وجه".
هذه المدافعة الحماسية عن عادات تبدو صعبة التطبيق مع التغييرات الاقتصادية الحادة، تبررها الجدة لـ14 حفيداً بأن على الأهل أن يعززوا ابنتهم، كي يدرك زوجها كم تعب وأنفق ليفوز بها، إضافة إلى أنه في حال حدوث أي مكروه يكون لدى الزوجة ما يعينها على الحياة، وتشدد أيضاً على أن لا استغناء عن القائمة أيضاً، وهي وثيقة يوقعها الزوج تتضمن محتويات منزل الزوجية ومن حق الزوجة أن تحصل عليها في حال وقوع الطلاق.
الهدية تتحول إلى صفقة
اللافت أن دعوات إلغاء قائمة منقولات الزوجية، كان مطلباً متكرراً من قبل المعترضين على المبالغة في بنودها، إذ إنها وثيقة تتضمن جميع محتويات شقة العروس التي تسهم هي في شرائها، إضافة إلى ما يأتي به العريس، كانت أعلى صوتاً خلال الفترة الماضية، وعلى رغم وجود بعض الحالات التي استغنت عنها فعلاً باعتبارها مكبلة ومجحفة، لكن لا تزال الغالبية العظمى تعدّها ضمانة للزوجة في حال انتهاء العلاقة، إذ يحق لها المطالبة بها، في ظل ظروف مجتمعية صعبة ومسارات تقاضي طويلة، في المقابل تأتي المبادرة الأخيرة لتؤكد وجود القائمة، بل تضع حلاً ميسراً، وهو أنه في حال عدم استطاعة العائلة شراء مقدار الذهب المتفق عليه الذي قد يصل ثمن حده الأدنى المتفق عليه إلى ما يعادل 15 ألف دولار، فالبديل هو كتابة مقداره في القائمة والاكتفاء بشراء نصفه أو ثلثه فقط.
في المقابل ترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة هالة يسري التي عملت وقتاً طويلاً مقررة مناوبة في لجنة المرأة الريفية بالمجلس القومي للمرأة، أن فكرة "التثمين" مرفوضة بصورة عامة سواء كانت مطلقة أو يجري ربطها بشروط ومواصفات معينة مثل التعليم أو أية سمات أخرى، مشيرة إلى أنه لا يمكن التعامل مع تلك المسألة على أنها قواعد أو معايير، فاقتران المرأة بالرجل لا يجب أن يكون مرهوناً بالدفع وكأنها سلعة، وتقول "من المعروف أن المجتمع الريفي يهتم بصورة كبيرة بفكرة الشبكة، واعتادوا أن تكون قيمتها المادية مرتبطة بالمستوى الاجتماعي والاقتصادي لطرفي العلاقة، وهذا أمر طبيعي، لكن هناك تمسكاً كبيراً جداً بقائمة المنقولات، إذ تعدّها الأسر بمثابة بند مهم للغاية لا يمكن الاستغناء عنه".
وتوضح يسري أنه من واقع خبرتها، فقد حدثت تغييرات إيجابية كثيرة في طريقة التعامل مع الزيجات في معظم المجتمعات الريفية، لكن ليس كلها بطبيعة الحال، مشددة على أنه لا ينبغي التعميم أبداً في العلوم الاجتماعية على وجه الدقة فلكل بيئة خصوصيتها، لكن إجمالاً حصل تطور في رأيها مقارنة بعقود مضت.
وتتفق استشارية العلاقات الأسرية وأستاذة علم النفس والصحة النفسية الدكتورة صافيناز المغازي مع النقطة المتعلقة برفض فكرة تسليع النساء بصورة عامة أياً كانت المبررات أو الشروط حتى لو كان من بينها التعليم، وتبدي دهشتها من هذا الزخم الذي حظيت به تلك المبادرة، في حين أن هناك مبادرات أكثر منطقية ومن بينها إقامة الأفراح الجماعية توفيراً للنفقات، وكذلك استبدال الشبكة الذهبية بالفضية في ظل ارتفاع الأسعار الجنوني هذه الأيام، لافتة إلى أن ربط الزواج بالماديات ووضع الفتاة في مزاد لأسباب متعلقة بمستواها التعليمي أو مستوى أسرتها يُعد خللاً في فهم طبيعة هذه العلاقة التي تُبنى عليها الأسر، ومن ثم المجتمعات والأوطان، وترى أن المهر أو الشبكة هدية من العريس لعروسه، وذكرى جميلة تُستدعى في إطار من المحبة، وينبغي ألا تخرج عن هذا الإطار، فهي ليست مفصلية في العلاقة الزوجية لدرجة أن تُقام مؤتمرات حولها.
البحث عن الأمان المادي
ودعت المغازي إلى استبدال تلك المعركة بأخرى أكثر نفعاً، كأن يجري الضغط لاستحداث وسائل تشعر النساء بالأمان، بخاصة داخل مجتمع لا يزال حتى الآن لا يضع في أسس التربية منذ الطفولة أولويات استقلالية النساء وتعليمهن الاعتماد على أنفسهن، كي لا يشعرن بأنهن مضطرات إلى استكمال علاقة زوجية غير متقبلة لمجرد أنهن لا يستطعن الإنفاق على أنفسهن، مضيفة أنه يمكن وضع إطار قانوني يلزم وضع مبلغ مالي تشرف عليه جهات رقابية، يمكن للزوجة أن تلجأ إليه ليعينها على الحياة إذا ما انتهت الزيجة في أية مرحلة من المراحل.
وتضيف أن "المغالاة في المهور والشبكة سببها الأساس الرغبة في الشعور بالاطمئنان، والأمان من ناحية المرأة التي تخرج من العلاقة بلا أية إعانات مالية، نظراً إلى أن الغالبية بعد الزواج يبتعدن من عملهن ويتفرغن للأسرة، ولا يكون لهن مصدر دخل ولا كيان وظيفي ينفعهن مستقبلاً"، مشيرة إلى أن وضع بند التعليم كنقطة تفاوض أمر يشي بأن الهدف هو البحث عن وسائل لزيادة المهور بصورة مبالغ فيها ليس إلا، وتقول "تأتيني حالات كثيرة أرى فيها الزوجين مجبرين على أن يستكملا حياتهما معاً، حتى بعد أن ينتهي التوافق، لأن العلاقة بنيت على أساسيات مادية بحتة وحسابات بالورقة والقلم، ولهذا يترددان كثيراً خوفاً من الخسائر".
وبالعودة لنقطة التعليم التي يراها عدد كبير من الأشخاص الأكثر غرابة في هذه المبادرة، إضافة إلى أن قيمة المهر والذهب تُعد غير منطقية أيضاً، لكن خصوصية مجتمع الريف يجب أن توضع في الاعتبار، ولا سيما أنه أمر شائع في الريف بصورة عامة لا في الصعيد فقط، حيث تشرح سلمى مهران التي تعيش في إحدى قرى الدلتا، أنها أصبحت مطلقة وهي في الـ30 من عمرها بعد زيجة استمرت ثمانية أعوام فقط، أنها لولا قيمة "شبكتها" لم تكُن تعرف كيف تستكمل حياتها بعد الانفصال.
وتحكي ما حدث اختصاراً بالقول "تزوجت أحد أقاربي من بعيد فور أن تخرجت في الجامعة، ولم تكُن أسرة العريس بحاجة لأن يذكرهم أحد بأن خريجة الجامعة تكون هدية زواجها أكثر قيمة مالية من متواضعة التعليم، وهذه ليست تفرقة ولا تمييز، فهذا أمر متفق عليه ومعروف منذ أعوام طويلة، كذلك فإن خريجة الطب من حقها أن تكون هدايا زواجها أكبر بكثير من خريجة الكليات التي لا تُعد كليات قمة، في النهاية ارتضت الأسرتان بالشروط، وبما أنني لم أجرب أية وظيفة لأنني تزوجت حتى قبل أن تظهر نتيجة السنة النهائية في الجامعة، فقد استثمرت جزءاً من الذهب بعد الطلاق، وافتتحت مشروعاً ناجحاً، واستأنفت حياتي ونجاحي من جديد".
تقاليد صارمة
ترى سلمى أيضاً، وفقاً لتجربتها، أن من المهم للغاية التمسك بتلك العادات والحرص على أن يشعر زوج المستقبل بأنه لم يحصل على عروسه بالسهل، كي لا يضايقها في ما بعد، ومع أن تجربتها لم تستمر على رغم هذا التمسك، لكنها تؤكد أنها كان يمكن أن تكون ذات تفاصيل أسوأ بكثير.
فالوجاهة والتباهي والتركيز مع تعليقات الجيران والمعارف الذين يضعون الفتيات في مقارنات، هي سمات تنتشر بشدة في المجتمعات الضيقة والصغيرة عدداً، ولهذا تعيش الأسر تحت وطأة تقاليد إجبارية مرهقة للغاية، وتعتقد أستاذة علم الاجتماع هالة يسري بأن مقومات الزيجات في الريف بصورة عامة تحمل مغالاة مقارنة بالمناطق الحضرية، ولا سيما في ما يتعلق بتأثيث المنزل، أي يأتون بأكثر من ثلاجة وأكثر من "ميكرويف" و"بوتاغاز"، إضافة إلى أعداد مهولة من قطع الملابس والأواني وغيرها،
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي المقابل ثمّنت يسري الوعي لدى بعض الأسر بالتيسير على الشباب وخفض المطالبات والمساهمة معه، سعياً إلى إنجاح الزيجة، منوهة بأن الشبكة الثمينة ليست ضمانة أبداً، ولا تعني الاستقرار الذي يتحقق بعوامل أخرى تتعلق بالتفاهم والتوافق والاحترام المتبادل والصدق، فالأمان المادي لا يضمن الأمان العاطفي.
وفي حين أن هناك كثيراً من المبادرات المماثلة التي سبق أن أطلقتها قرى عدة في محافظات بعيدة من العاصمة، فإن هذه هي الأكثر إثارة للجدل، ربما لأنها تتحدث عن مبالغ بالنسبة إلى كثر من المقبلين على الزواج طائلة على أنها في المتناول، معتبرين الوصول إليها انتصاراً كبيراً سيخصم كثيراً من الكلف، إذ شملت التعديلات خفض موازنة الملابس التي قد تتجاوز ما قيمته الألفي دولار، وكذلك الاكتفاء بعدد أقل من الأجهزة، إذ كان سائداً أن تشتري العروس شاشتي تلفزيون أو ثلاث، وهكذا بالنسبة إلى أجهزة كهربائية أخرى مثل أفران الكهرباء والغسالات، إضافة إلى موكب نقل أثاث العروس إلى منزل الزوجية، فجرى خفض عدد السيارات لتقليل النفقات، وغيرها الكثير، ووضع ضمانات لتنفيذ تلك التعديلات يُعد بالنسبة إلى أهل تلك المناطق بصورة عامة بمثابة تطور كبير، لأن لديهم طبيعة خاصة جداً في متطلبات الزواج تعتبر مقيدة بالنسبة إلى من يبدأون حياتهم.