ملخص
حداثة بوتشيني الأوبرالية لم تكن مؤكدة حين قدمت "توراندوت" في ميلانو، إذ بدت شديدة الميلودرامية، بل مضحكة في ميلودراميتها في بعض الأحيان، وكأنها من حكايات ألف ليلة وليلة، مع لفتة خاصة إلى كونها من اقتباس شيلر الذي قدمها أول الأمر كمسرحية من إخراج غوته أواخر القرن الـ18 في فايمار.
من شيلر إلى غوته ومن بوتشيني إلى كارلو غوتزي وصولاً إلى ما يبدو مستقى من ألف ليلة وليلة: تلكم هي الأسماء الكبيرة التي ترتبط بشكل أو بآخر بتلك الأوبرا التي إن لم تكن آخر ما لحنه بوتشيني خلال الأعوام الأولى من القرن الـ20، والتي أسلم الروح من دون أن يستكمل ألحانها وربما كما قد يرى البعض تحت وطأة تأثير قسوة تلك الألحان عليه، فإنه رحل عن عالمنا وفي قلبه حسرة أنه لم يتمكن من إكمالها مما جعلها تستكمل لتقدم في ميلانو للمرة الأولى خلال عام 1924 بعد حين من موته وقد قاد الأوركسترا لها أرتورو توسكانيني.
يومها حين عرضت في ميلانو كتبت الصحافة أنه كان من الأجدر أن تفتح في فيينا فأوبرا "توراندوت" تحمل الروح الفتاكة التي كانت تميز تلك المدينة في الزمن الذي لحن فيه بوتشيني هذه الأوبرا.. وهو أمر سوف يتحقق ولكن بعد زمن طويل، وليس فقط من خلال تقديم "توراندوت" في العاصمة النمساوية، فهي قدمت هناك مراراً وتكراراً بصورتها التقليدية، بل من حيث تقديمها قبل عامين من يومنا هذا، في حلة تليق بالمدينة وكأنها توأم لمغناة "سويني تود" اللندنية، بالدماء التي تسيل خلالها والجرائم "الرسمية" التي تتزاحم فيها. وفي نهاية الأمر وبالتقديم الأخير هذا، حاز بوتشيني بعد قرن من رحيله سعفة ذهبية في الحداثة الأوبرالية.
تقديم أول في ميلانو
بيد أن هذه الحداثة لم تكن مؤكدة حين قدمت "توراندوت" ذلك التقديم الأول في ميلانو، بدت شديدة الميلودرامية، بل مضحكة في ميلودراميتها في بعض الأحيان، وكأنها من حكايات ألف ليلة وليلة، مع لفتة خاصة إلى كونها من اقتباس شيلر الذي قدمها أول الأمر كمسرحية من إخراج غوته أواخر القرن الـ18 في فايمار، وقد راقه العثور عليها بين كتابات الإيطالي كارلو غوتزي، وراقه فيها انتماؤها غير المعلن إلى الليالي العربية التي كثيراً ما لفتت انتباهه وتطلع إلى محاكاتها في مزج لها مع جذورها الفارسية الغارقة في دماء لا تنضب.
ولنشر منذ الآن إلى أن "توراندوت" ومنذ ذلك الاقتباس الشيلري، لم تكف عن إثارة الإعجاب حتى ولو أدهشنا اليوم كل ذلك الشغف العام بها وبحبكتها وبمناخاتها. والحال أننا إن بحثنا اليوم عن مبرر لذلك، ربما يصح أن نقول إنه يكمن أول ما يكمن، في المناخ. المناخ الغريب الذي تدور فيه حكاية لا عمق فيها ولا حتى بعد درامي عنيف. كل ما فيها أحداث تتتابع ولحظات تحبس الأنفاس بل حتى صراع معرفي هو الذي يحيلنا إلى ألف ليلة، لا سيما إلى حكاية "الجارية تودد" على سبيل المثال.
تبديل جذري
مهما يكن من أمر، قد لا نكون في حاجة هنا إلى الإشارة إلى أن هذه الأوبرا لم تضف شيئاً إلى رصيد بوتشيني ومجده، لا خلال حياته ولا بعد موته، حتى وإن كانت لا تزال تعد حتى الآن من أوبراته التي تقدم أكثر من غيرها إن استثنينا "البوهيمية".
والحقيقة أن هناك على أية حال اختلافات لا بأس في حجمها بين النص الذي اشتغل عليه بوتشيني والمسرحية الأصلية. ولعل أهم هذه الاختلافات يكمن في الفصل الثالث ومن حول شخصية الحسناء ليو التي كان اسمها لدى غوتزي وشيلي ادلما. وليو هذه ليست بطلة الأوبرا لكنها محور أساسي فيها. ومن هنا، إذا كان بوتشيني قد بدل شخصيتها كي يجعلها تنتحر إذ أفشت سر اسم حبيبها أمام الأميرة الظالمة توراندوت، فإن هذا التبديل قد أدى إلى إضفاء طابع رومانسي/ تراجيدي على العمل.
وهذا ما يقودنا بالطبع إلى التعرف على هذه الأوبرا وما يحدث فيها. وما يحدث هنا إنما يدور من حول الأميرة توراندوت ابنة الإمبراطور الصيني المدللة المحملة بأفكار تنضح من كراهيتها للبشر. ومن هنا إذ يطلب منها يوماً أن تختار عريساً لها من بين المتقدمين المتزاحمين طمعاً بالعرش الذي يمكن أن ترثه من أبيها الضعيف أمام حبه لها، تشترط في من ستقبل به عريساً أن يتمكن أولاً من حل ثلاثة ألغاز تطرحها عليه، فإن نجح في ذلك تزوجته، أما إن أخفق فإن رأسه سوف تقطع. وحين تبدأ أحداث الأوبرا سوف نعلم أن ثمة رؤوساً كثيرة قد قطعت قبل فتح الستار.
أمير تتاري على الخط
أما الآن فها نحن في بكين ولدينا الأمير الشاب خلاف الذي يرافق إلى العاصمة الصينية أباه ملك التتار المخلوع تيمور وعبدته الحسناء ليو التي تحبه، ولكن في سرها، وتخلص له. وها هي الآن كتعبير عن ذلك ترافقه بعد أن خلعت السلطات الانقلابية في بلده، الأب عن عرشه. وفي العاصمة الصينية يجد الثلاثة أنفسهم وسط جموع مهمومة بآخر ضحايا الأميرة ونزواتها. لكن الأمير التتري ما إن يقيض له أن يشاهد الأميرة الصينية حتى يغرم بها بل حتى بجمالها البارد القاسي، وبخاصة فكرة أنها صعبة المنال، فيقرر بالطبع أن يجرب حظه فيما يحاول أبوه وليو أن يمنعاه من ذلك، كما تحاول منعه ثلاث نساء ينتمين إلى البلاط الإمبراطوري هن بنغ وبانغ وبونغ اللواتي يقمن معاً بدور كورس يتدخل في الأحداث بين الحين والآخر. لكن الأمير خلاف لا يرتدع، وتحديداً أن الأمور لن تصلح إلا إذا عاشت توراندوت حباً حقيقياً. فيقرر الأمير الشاب أن يكون هو هذا الحب.
ومن هنا سوف يتقدم في الفصل الثاني كمرشح محتمل. أنه متأكد مسبقاً من أنه في يوم الامتحان سيجيب على الأسئلة. وهو في اليوم التالي يصل إلى حيث سيخضع لامتحان الأميرة المعرفي، من دون أن يعرف أحد هويته أو مكانته. حين يصل يجد أهل البلاط مجتمعين يتوسطهم الإمبراطور وابنته. على الفور تطرح عليه توراندوت أسئلتها وكلها رغبة في أن يفشل فتقطع رأسه، لكنه أمام دهشة الجميع وغيظ الأميرة يجيب بسرعة وثقة على أسئلة هذه الأميرة الثلاثة.
سؤال مقابل سؤال
على الفور تعم الفرحة إلى جانب الدهشة ذلك الجمع، غير أن توراندوت تشعر بالغيظ يقتلها فتتوسل إلى أبيها أن يحلها من وعدها وأن يخلعها من هذا المجهول الذي نغص عليها عيشها، لا سيما أن الإمبراطور أبدى رضاه عنه كزوج لابنته. فيصم الإمبراطور أذنيه عن توسلات ابنته. ويسود هرج ومرج ثم صمت عميق يقطعه الأمير الفائز إذ يقف ليقول للأميرة إنه هو نفسه سيحلها من وعدها إن هي أجابت على سؤال يتعلق به هو نفسه: من هو ومن أين جاء، شرط أن تدلي بجوابها قبل انبلاج الفجر.
الحب والمعرفة
لقد كان واضحاً من خلال تلك المناورة أن الأمير خلاف قد أراد أن يكسب حب الأميرة من طريق سيطرته المعرفية عليها. أما هي فلقد بدا أن انتصار الأمير عليها سوف يؤدي إلى إبدال شخصيتها وهذا ما كانت تخشاه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن هنا قررت أن تهزمه وانشغلت طوال الليل بالبحث عن أصوله وأسرار حياته واصلة إلى أن تعرض ثروة كبيرة ومناصب رفيعة، على من يساعدها في ذلك. وتلجأ إلى حيلة أخرى: تأمر بأن يؤتى إليها بمرافقي خلاف، أي أبيه وعبدته مقيدين.
وإذ تهدد الأميرة بقتل الأب تيمور تضحي المسكينة ليو بحبها لخلاف. وتدرك الأميرة أنها الوحيدة التي تعرف سره فتحاصرها وتعذبها حتى ينتهي بها الأمر إلى الانتحار محتفظة بالسر لنفسها. وهنا، أمام قسوة ما حدث لا يسع توراندوت إلا أن تذعن في وقت تكتشف فيه أنها في نهاية الأمر قد وقعت في غرام الشاب وإذ تصرح له بذلك يؤنبها على برودة عواطفها وقسوتها في وقت يطبع على شفتيها قبلة ترد لها إنسانيتها وعواطفها للمرة الأولى في حياتها. ومن ثم يفشي لها بسره. وعند الفجر إذ يجتمع أهل البلاط لمعرفة ما ستؤول إليه الحكاية، تقف توراندوت وسط الجمع لتعلن أنها عرفت الاسم الحقيقي للشاب: إنه الحب.
يعد جاكومو بوتشيني (1858 - 1924)، عادة آخر الكبار في الأوبرا الإيطالية الأصيلة. وهو ولد في توسكانيا ومات في بروكسل وتميز فنه الموسيقي بنزعة طبيعية، حتى وإن كانت موسيقاه تخلفت بصورة عامة عن الحداثة الموسيقية التي سادت في زمنه. وحتى هنا، غلب على أعماله طابع كلاسيكي لا يخلو من رومانسية هو الذي اشتهر من بين أعماله الكبرى "البوهيمية" ومدام باترفلاي" و"توسكا".