ملخص
برزت أفريقيا كخيار استراتيجي للصين يتجاوز كونه بديلاً موقتاً للموانئ الإيرانية، لتغدو ساحة لإعادة بناء المرونة الجيواقتصادية، بما توفره من مسارات أقل عرضة للاختناق وفرص لتطوير سلاسل توريد متكاملة.
منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي، وجدت الصين نفسها في قلب اختبار استراتيجي معقد، إذ تلاقت حسابات الطاقة مع اعتبارات الجغرافيا السياسية. لم يكن تركيز بكين منصباً على مسار الحرب بحد ذاته، بقدر ما كان موجهاً إلى ما يكشفه تصاعد التوترات في مضيق هرمز وبدء الولايات المتحدة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية. هذا الحصار، الذي قدم بصيغة قانونية "محايدة" تستهدف السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية دون المساس بحركة الملاحة إلى الموانئ غير الإيرانية، لم يكن إجراء تقنياً بقدر ما شكل إعادة رسم فعلية لحدود السيادة الاقتصادية لإيران، ورسالة أوسع حول القدرة على التحكم بمفاصل التجارة الحيوية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
في هذا السياق، انتهجت الصين دبلوماسية حذرة خلال الأسابيع الأولى من الحرب، داعية إلى وقف إطلاق النار، ومنخرطة في سلسلة من المشاورات، لكنها في الوقت ذاته أظهرت إدراكاً واضحاً لمصدر الضغط الحقيقي في الأزمة وتداعياته على الاقتصاد العالمي. غير أن هذا الحذر لم يكن انعكاساً للحياد بقدر ما كان تعبيراً عن قلق استراتيجي عميق، واعتماد بنيوي على مسارات إمداد مركزة، يمر نصفها تقريباً عبر مضيق هرمز، الذي تحول فجأة من ممر تجاري إلى نقطة اختناق جيوسياسية.
ومع الإغلاق الفعلي لهذا الشريان الحيوي لم ترتفع الأسعار فحسب، بل انكشفت حدود نموذج الإمداد القائم على الكفاءة القصوى دون احتساب كافٍ للمخاطر. هنا بدأت بكين في إعادة تموضع محسوبة، عبر استراتيجية مزدوجة تجمع بين تنويع مصادر الطاقة وتسريع التحول نحو بدائل أكثر استدامة، في محاولة لتقليص التعرض للصدمات الخارجية دون التفريط بمعدلات النمو.
ضمن هذه المراجعة، برزت أفريقيا كخيار استراتيجي يتجاوز كونه بديلاً موقتاً، لتغدو ساحة لإعادة بناء المرونة الجيواقتصادية بما توفره من مسارات أقل عرضة للاختناق وفرص لتطوير سلاسل توريد متكاملة. وعلى هذا الأساس، فإن ما يبدو كأزمة إقليمية محصورة في مياه الخليج العربي آخذ في التحول إلى لحظة إعادة تشكيل أوسع، تدفع الصين، بهدوء ولكن بثبات، نحو تنشيط وتعميق حضورها في الموانئ الأفريقية.
تحركات بكين
في تصور بكين، فإن الحرب على إيران لم تكن مجرد اضطراب إقليمي، بل اختبار حاد لهشاشة نموذجها الطاقوي المعتمد على ممرات ضيقة، وفي مقدمها مضيق هرمز. ومن ثم جاء الرد الصيني في أفريقيا كجزء من إعادة هندسة أوسع لمجالها الحيوي الاقتصادي.
اكتسبت جولة نائب الرئيس الصيني هان تشنغ خلال أبريل (نيسان) الجاري، والتي شملت جزر سيشل وكينيا وجنوب أفريقيا، دلالة تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، إذ حملت هذه الزيارة إشارات واضحة إلى تحول نوعي في أدوات النفوذ، من نموذج قائم على تمويل البنية التحتية الثقيلة وما رافقه من انتقادات في شأن "فخ الديون"، إلى مقاربة أكثر مرونة تقوم على فتح الأسواق وتخفيف الرسوم الجمركية وإعادة التوازن للعلاقات التجارية. لم يكن ذلك مجرد تعديل تكتيكي، بل استجابة واعية لبيئة دولية تتسم بتزايد الحساسية تجاه الاعتماد المالي غير المتكافئ.
في كينيا، اتخذ هذا التحول بعداً عملياً، إذ واكب المسؤول الصيني تصدير أول شحنة بضائع كينية إلى السوق الصينية، في مشهد رمزي يعكس انتقال العلاقة من تدفق أحادي لرأس المال إلى تبادل تجاري أكثر توازناً. أما في جنوب أفريقيا، فقد بلغ التعاون مستوى متزايداً، مع تجاوز حجم التبادل التجاري 53 مليار دولار خلال عام 2025، مما يعكس عمق الترابط بين أكبر اقتصاد صناعي في القارة والقوة الآسيوية الصاعدة. وفي سيشل، برز البعد الجيوستراتيجي بوضوح، إذ تمثل الجزر نقطة ارتكاز محتملة على خطوط الملاحة في المحيط الهندي، بما يعزز قدرة الصين على تنويع مساراتها البحرية.
ترافقت هذه التحركات مع تكثيف الزيارات الصينية إلى دول أفريقية أخرى، خصوصاً في غرب القارة، إذ أفضت الانقلابات العسكرية وتراجع الحضور الغربي إلى فراغ نسبي في النفوذ. وقرأت بكين هذه اللحظة بوصفها فرصة نادرة، انشغال أميركي مزدوج بين أوكرانيا وإيران، وبيئة أفريقية تبحث عن شركاء أقل اشتراطاً وأكثر براغماتية.
تكشف هذه التحركات عن منطق استراتيجي واضح، تحويل أفريقيا من هامش في معادلة الطاقة إلى ركيزة في أمنها، ومن ساحة استثمار إلى عقدة في شبكة إمداد بديلة، قادرة على امتصاص صدمات مضيق هرمز وإعادة توزيع الأخطار على نطاق أوسع.
تحديات التوجه
لم يكن التقدم الصيني في أفريقيا خالياً من القيود، فالتحديات المرتبطة بانتقادات الديون واحتمالات عودة الانتباه الأميركي، فضلاً عن الأخطار الأمنية في البحر الأحمر، تفرض على بكين توازناً دقيقاً بين التمدد والحذر، غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن في حجم النفوذ بل في طبيعة البيئة التي يراد لهذا النفوذ أن يحل فيها محل منظومات قائمة منذ عقود، وفي مقدمها شبكة الإمداد المرتبطة بالخليج العربي وموانئه.
إن الرهان على استبدال الموانئ الأفريقية بالموانئ الواقعة على الخليج العربي يكشف عن مفارقة استراتيجية، فبينما تبدو أفريقيا مساحة مفتوحة للفرص، فإنها في الواقع تعاني الهشاشة السياسية والتنافس الدولي الحاد. ففي شرق القارة، حيث تمر خطوط الشحن الحيوية عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي تظل التهديدات الأمنية قائمة، من اضطرابات القرن الأفريقي إلى أخطار الجماعات المسلحة وتهديد الملاحة.
إلى جانب ذلك، تواجه الصين تحدياً بنيوياً يتمثل في محدودية البنية التحتية اللوجيستية مقارنة بما يوفره الخليج العربي من كثافة موانئ وخدمات متقدمة، وقرب جغرافي من مراكز الطلب الآسيوية. فالموانئ الأفريقية على رغم تطورها النسبي في بعض الحالات، تعاني اختناقات تشغيلية وضعفاً في الربط الداخلي وارتفاع كلف النقل، مما يجعل الاعتماد الكلي عليها بديلاً مكلفاً وغير مستقر. ويزداد هذا التعقيد مع تنامي التنافس مع قوى دولية وإقليمية، إذ تسعى الولايات المتحدة وأوروبا وفاعلون إقليميون إلى إعادة ترسيخ حضورهم في القارة، سواء عبر أدوات أمنية أو اقتصادية. ولا يزال إرث "دبلوماسية الديون" يلقي بظلاله، إذ تنظر بعض النخب الأفريقية بعين الحذر إلى الانخراط المالي الصيني، مما يدفع بكين إلى تعديل نهجها، ولكن دون أن تضمن بالضرورة استعادة الثقة كاملة.
على مستوى أوسع، يرتبط مستقبل هذا التوجه بنتائج الصراع في إيران نفسه، فإذا أفضت التطورات إلى تقليص نفوذ طهران وإعادة تشكيل النظام الإقليمي بما يعزز الهيمنة الأميركية، فإن البنية متعددة الأقطاب التي سعت بكين إلى ترسيخها عبر توسيع أطر مثل التكتلات الاقتصادية والأمنية قد تتعرض لانتكاسة، مما يضعف قدرتها على تقديم نفسها كشريك استراتيجي بديل. أما إذا استمر الاستنزاف أو تراجعت واشنطن، فقد تجد الصين فسحة أوسع لتعميق حضورها.
مفارقة مزدوجة
اختارت الصين ما يمكن وصفه بـ"الحياد النشط"، فامتصت صدمة خنق أحد شرايينها الحيوية للطاقة عبر احتياطاتها الكبيرة من الطاقة والغذاء، وعبر شبكات توريد بديلة، بينما تركت خصمها ينخرط في كلفة التصعيد. لكن الأهم أنها نقلت ثقل استجابتها إلى مسار موازٍ، أفريقيا، حيث تتقاطع الهشاشة الاقتصادية مع الحاجة الملحة لشركاء قادرين على تخفيف الصدمات.
في هذا السياق، أفرزت الحرب مفارقة أفريقية مزدوجة، فمن جهة استفادت الدول المنتجة للنفط مثل أنغولا ونيجيريا من ارتفاع الأسعار وزيادة عائدات التصدير، غير أن هذه المكاسب بقيت محدودة الأثر، خصوصاً في الحال النيجيرية التي لا تزال رهينة اعتمادها البنيوي على استيراد النفط المكرر، مما يبدد جزءاً كبيراً من الفائض.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جهة أخرى، تكشفت هشاشة أوسع في بنية التجارة والطاقة، إذ أدى إغلاق مضيق هرمز والتوترات في البحر الأحمر إلى إجبار السفن على الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، مما رفع كلف الشحن وأقساط التأمين، وألقى بظلاله على إيرادات قناة السويس مع تراجع المرور عبر باب المندب.
وتتجلى إحدى أهم صور هذا التحول في شرق أفريقيا، حيث برز ميناء لامو الذي أسهمت في بنائه الصين كحال دالة على إعادة تشكيل الجغرافيا اللوجيستية، وانتقل من موقع هامشي إلى نقطة استقبال بديلة للشحنات المحولة، مسجلاً ارتفاعاً حاداً في النشاط، مع استقبال سفن محملة بآلاف المركبات بعد تحويل مساراتها من الخليج العربي.
تزامن ذلك مع موجة مالية عالمية اتسمت بالهرب إلى "الملاذ الآمن"، إذ تعزز الدولار وتراجعت العملات الأفريقية وارتفعت كلفة خدمة الديون المقومة به. ووفق تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، فإن اقتصادات القارة تعد من الأكثر عرضة للصدمات خلال فترات الانكماش، بفعل اعتمادها المرتفع على الأسواق الخارجية وتقلبات السلع الأساس وضعف البنية التحتية. ويبرز هذا الضعف بوضوح في قطاع الزراعة، إذ يُنقل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية عبر مضيق هرمز، بينما تعتمد دول مثل السودان بنسبة 54 في المئة، والصومال 30 في المئة، وكينيا 26 في المئة على هذه الواردات، وهي نسب تعكس هشاشة أمنها الغذائي أمام أي اضطراب بحري.
في هذا المشهد، لم تتحرك الصين كمستفيد مباشر من الأزمة، بل كفاعل يستثمر في تداعياتها. فقد قرأت بكين هذه الاختلالات بوصفها فرصة لإعادة صياغة علاقاتها مع القارة، عبر تقديم تسهيلات تجارية وتوسيع الوصول إلى أسواقها، مستفيدة من الضغوط التي تواجه الحكومات الأفريقية، مع تحذير من أن ارتفاع أسعار الطاقة يضع هذه الحكومات أمام خيارين كلاهما مكلف، إما توسيع الدعم أو تحميل المجتمعات أعباء إضافية، بما قد يفتح الباب أمام توترات داخلية.
سيناريوهات محتملة
في ظل حصار الموانئ الإيرانية، لا ينفتح سؤال النفوذ الصيني على أفريقيا بوصفه مسألة توسع مباشر، بل كسلسلة من المسارات المحتملة. ويمكن تصور سيناريوهات عدة. السيناريو الأول، تستثمر الصين أزمة الموانئ لإعادة توزيع اعتمادها اللوجيستي تدريجاً نحو موانئ أفريقيا، دون القطيعة مع الممرات التقليدية. وتتوسع الشراكات التجارية وتفتح الأسواق وتضخ الاستثمارات في البنية التحتية، بينما تتحول موانئ شرق أفريقيا إلى نقاط امتصاص للصدمات، مستفيدة من حاجة الدول الأفريقية إلى الاستقرار المالي في بيئة دولية مضطربة.
والسيناريو الثاني، على رغم الانفتاح الظاهري، تصطدم الصين بحدود الجغرافيا والبنية التحتية. فالموانئ الأفريقية بما فيها ميناء لامو تظل محدودة القدرة مقارنة بكثافة وكفاءة موانئ الخليج، وتعاني اختناقات لوجيستية وأمنية.
والسيناريو الثالث، يفترض أن الحصار المصمم للضغط على الصين يدفعها إلى امتصاص الصدمة عبر احتياطاتها الضخمة وإدارة أزمة دقيقة، بينما تنخرط واشنطن في كلفة عسكرية ومالية متزايدة. وفي هذا الإطار، لا تحقق بكين تفوقاً مباشراً لكنها تكسب الزمن، وتستثمره في توسيع شبكاتها داخل أفريقيا وأماكن أخرى.
أما السيناريو الرابع، فتتحول فيه أفريقيا إلى عقدة مرنة داخل نظام قيد التشكل، يُعاد فيه توزيع الأخطار بدل تركيزها. لكن هذا التمدد لا ينفصل عن حسابات بكين مع واشنطن، فالصين تعيد تقييم تداعيات دبلوماسيتها على أولوياتها العليا، في ظل زيارة مرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بكين خلال مايو (أيار) المقبل، ومساعٍ متوقعة لإعادة ضبط العلاقة بين القوتين خلال العام. لذلك، تدار أزمة إيران وارتداداتها بحذر شديد، باعتبارها ملفاً لا يجوز أن يتحول إلى مصدر توتر مباشر مع الولايات المتحدة أو عائق أمام مسار التفاهمات. وفي هذا السياق، قد تنخرط بكين في أدوار تهدئة محدودة بوصفها إشارة حسن نية تجاه واشنطن، لكنها تتجنب أي تورط قد يضر بثقة متبادلة هشة. وكما تظهر تقديرات داخلية في دوائر صينية، فإن أية أزمة إقليمية لا ينبغي أن تتحول إلى اختبار سلبي للعلاقة مع الولايات المتحدة.
السيناريو الخامس، إذا أعادت الولايات المتحدة تركيزها على أفريقيا، أو تصاعدت التهديدات الأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فقد تجد الصين نفسها أمام بيئة أكثر تنافسية وعدائية. عندها، يتحول التوسع إلى عبء، وتصبح الموانئ نقاط احتكاك بدلاً من جسور نفوذ.