ملخص
يعتقد مراقبون أن بكين تراهن على انتهاء الحرب قريباً وعودة تدفق النفط، لكن إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة فإن الأخطار ستتزايد، فبينما تستطيع الصين تأمين حاجاتها المحلية لفترة طويلة بفضل مخزوناتها الكبيرة، فإن أي نقص في الدول الآسيوية المجاورة وتباطؤ اقتصاداتها قد ينعكس سلباً على الصناعات الصينية المعتمدة على التصدير.
أخيراً خرجت الصين عن صمتها أو بالأحرى عن التصريحات المنضبطة في شأن حرب إيران، محذرة من العودة لقانون الغاب، عندما بدء الحصار الأميركي لمضيق هرمز الذي جرى بموجبه منع أي سفن شحن قادمة من الموانئ الإيرانية من المرور عبر المضيق.
وجاءت هذه العبارة ضمن تصريحات أدلى بها الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال لقائه نظيره الإماراتي محمد بن زايد، من دون أن يذكر صراحة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنه قال إن القانون الدولي لا يمكن تطبيقه انتقائياً أو يجري تجاهله عندما لا يكون مناسباً، وذلك إشارة واضحة إلى ترمب الذي قال خلال مقابلة صحافية في يناير (كانون الأول) الماضي "أنا لست بحاجة إلى القانون الدولي"، مضيفاً أنه سيكون الحَكم في تحديد متى تنطبق القيود القانونية الدولية على أفعاله، مستذكراً "أنا لا أسعى إلى إيذاء الناس".
حديث الصين بلغة أكثر صراحة وانتقاداً للمشهد يعكس تضررها من عملية حصار المضيق الذي كانت تغلقه إيران بالفعل منذ أسابيع للضغط على الولايات المتحدة لوقف الحرب، لكنها كانت تسمح بمرور انتقائي لسفن شحن النفط ومن خلال تفاهمات ثنائية مع الدول المستفيدة، ومن بينها الصين التي تستحوذ على أكثر من 80 في المئة من النفط الإيراني.
ووفق بيانات شركة التحليلات "كيبلر" لعام 2025 فإن الصين اشترت ما معدله 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني العام الماضي، وهو ما يمثل 13.4 في المئة من إجمال وارداتها البحرية البالغة 10.27 مليون برميل يومياً.
ويأتي نحو نصف واردات الصين من النفط وحوالي سدس واردتها من الغاز الطبيعي من دول الخليج عبر المضيق، وأفادت شبكة "بلومبيرغ" الأسبوع الماضي أن الصين سمحت بالفعل للمصافي باستخدام احتياطاتها الإستراتيجية بسبب استمرار الصراع.
وعانى النفط الإيراني محدودية المشترين بسبب العقوبات الأميركية التي تهدف إلى قطع التمويل عن البرنامج النووي الإيراني، وتُعد مصافي التكرير الصينية المستقلة المعروفة باسم "مصافي الشاي"، والتي تتركز بصورة رئيسة في مقاطعة شاندونغ، المشترية الرئيسة للنفط الخام الإيراني، نظراً إلى انخفاض سعره مقارنة بالبراميل غير الخاضعة للعقوبات.
الصين تواجه أخطاراً
بينما المستهدف الأساس من حصار هرمز هو النظام الإيراني الذي أقدم أولاً على غلق المضيق وأصرّ على فرض رسوم على السفن المارة، فإنه يُنظر إلى الحصار كمحاولة للضغط على الصين لاستخدام نفوذها لدى طهران، ومن ناحية أخرى يضغط الحصار على الاقتصاد الصيني مع تأكيد السيطرة الأميركية على الممرات المائية التي تشكل الحلقة الأساس في سلاسل الإمداد العالمية، وقد بدأت آثار الحرب تظهر بصورة متزايدة في الصين، مع ارتفاع أسعار الوقود وزيادة شركات الطيران أسعار التذاكر بسبب ارتفاع كُلف وقود الطائرات، وارتفاع أسعار النقل 10 في المئة.
وقالت مديرة "برنامج الصين في مركز ستيمسون" بواشنطن يو صن لشبكة "سي إن إن"، إنه مع تزايد المصالح الصينية المعرضة للخطر فقد تتمكن الولايات المتحدة من دفع الصين نحو ممارسة دور أكبر في الضغط على إيران للوصول إلى حلّ تفاوضي، وستلجأ بكين إلى الضغط الدبلوماسي سواء الثنائي أو متعدد الأطراف للدفع نحو رفع الحصار بسرعة".
وعندما بدأت الحرب في الـ 28 من فبراير (شباط) الماضي توقع مراقبون بعض المكاسب قصيرة الأجل للصين، ورأى آخرون أن بكين ستستفيد من غرق الولايات المتحدة في حرب جديدة في الشرق الأوسط، فقد أضرت أسعار النفط المرتفعة بالولايات المتحدة أكثر من الصين، وأضعفت الحرب صدقية ترمب على الساحة العالمية، واستنزفت موارد عسكرية أميركية مهمة، وشتتت الانتباه السياسي في واشنطن بعيداً من بكين والتهديدات الأمنية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وكذلك فإن مخزونات الصين من الوقود الأحفوري وتنوع مصادر الطاقة لديها حمياها من أسوأ آثار صدمة النفط.
لكن يبدو أن تلك التوقعات كانت مفرطة في تقدير مكاسب الصين، فوفق صحيفة "غارديان" البريطانية فإن هناك خطران رئيسان يواجهان بكين بسبب الأزمة الحالية، أولهما أنه على رغم مخزوناتها من الطاقة فإن نقص الواردات القادمة من الشرق الأوسط يهدد خطط بكين طويلة الأمد، ويقول الباحث في العلاقات الدولية شين دينغلي إن "الحرب تقوض بصورة عميقة أمن الطاقة الصيني، وأن ذلك يجب أخذه في الاعتبار في ما يتعلق بخططها المحتملة لغزو تايوان في المستقبل"، مضيفاً "على الصين أن تفكر ما هي عواقب حدوث أزمة في تايوان بسبب انقطاع الطاقة؟".
أما الخطر الثاني فهو أن تؤدي الحرب في الشرق الأوسط إلى ركود عالمي، وبما أن الاقتصاد الصيني يعتمد بصورة كبيرة على الصادرات التي تشكل نحو خُمس الناتج المحلي الإجمالي، فإن ذلك سيشكل ضربة للنمو الاقتصادي في البلاد، وقال المحاضر في السياسة الدولية بجامعة إكستر أندريا غيسيلي "في البداية كان لدى الصين ما تكسبه، لكن الآن أعتقد أنهم يريدون حقاً أن ينتهي هذا الأمر، والصينيون لا يريدون أياً من هذا".
الصين تعزز مخزوناتها من النفط
ومع ذلك أفادت وكالة "رويترز" اليوم الخميس أن الصين واصلت بناء أكبر مخزون من النفط الخام في العالم خلال مارس (آذار) الماضي، حتى في وقت بدأ باقي العالم السحب من المخزونات لتعويض فقدان ملايين البراميل نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وبحسب حسابات مستندة إلى بيانات رسمية فقد بلغ فائض النفط لدى الصين، أكبر مستورد للخام في العالم، حوالى 1.74 مليون برميل يومياً خلال مارس الماضي، وبلغت وارداتها من النفط الخام 11.77 مليون برميل يومياً في الشهر ذاته، وبلغ الإنتاج المحلي 4.49 مليون برميل يومياً، وبلغت طاقة التكرير 14.52 مليون برميل يومياً، مما يترك فائضاً مقداره 1.74 مليون برميل يومياً متاحاً للتخزين.
وجاء استمرار بناء المخزونات في مارس الماضي على رغم أن الواردات لم تتأثر كثيرا بصراع الشرق الأوسط، إذ إن النفط الذي وصل إلى الصين في مارس الماضي غادر مضيق هرمز قبل بدء الصراع، ومع ذلك فمن المتوقع أن تتأثر واردات أبريل (نيسان) الجاري وما بعده، ويعتقد المراقبون أن بكين تراهن على انتهاء الحرب قريباً وعودة تدفق النفط، لكن إذا استمر إغلاق مضيق هرمز فترة طويلة فإن الأخطار ستتزايد، فبينما تستطيع الصين تأمين حاجاتها المحلية لفترة طويلة بفضل مخزوناتها الكبيرة فإن أي نقص في الدول الآسيوية المجاورة وتباطؤ اقتصاداتها قد ينعكس سلباً على الصناعات الصينية المعتمدة على التصدير.
ومع ذلك يجادل مراقبون أن بكين يمكنها أن تجني بعض الفوائد الدبلوماسية من خلال الظهور كشريك عالمي أكثر استقراراً من الولايات المتحدة، وقد لقي مقترح الرئيس الصيني المكون من أربع نقاط للشرق الأوسط، والذي يدعو بصورة عامة إلى السلام واحترام سيادة القانون، ترحيباً من قبل بعض قادة الدول، وقد نُسب إلى بكين الأسبوع الماضي دور في دفع إيران نحو وقف إطلاق النار الذي جرى الاتفاق عليه مع الولايات المتحدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
زيارة ترمب لبكين
وبينما كانت زيارة ترمب المرتقبة إلى بكين بعد أسابيع تهدف إلى إعادة ضبط العلاقات الاقتصادية بين أكبر اقتصادين عالميين، مع التركيز على اتفاقات تجارية وتعاون أوسع، يرى مراقبون في واشنطن أن حصار هرمز سيجعل الزيارة أكثر تعقيداً، إذ يهدد الحصار الأميركي للمضيق العلاقة الهشة بين البلدين، وربما يخلق ديناميكيات محرجة إذا حدثت مواجهة بين البحرية الأميركية والسفن التجارية الصينية، على رغم أن الطرفين يبدوان حريصين على تجنب ذلك.
وحضر سفير ترمب لدى الصين ديفيد بيردو في المكتب البيضاوي مساء أول من أمس الثلاثاء لمناقشة الزيارة المرتقبة، وقال مسؤولون في الأمن القومي إنه قبل اندلاع الصراع مع إيران كان وزير الخزانة سكوت بيسنت قد تفاوض على الخطوط العريضة لمبادرات اقتصادية من المقرر أن يعلنها البلدان، لكن التقدم كان أقل بكثير في القضايا الأمنية الكبرى، بما في ذلك كيفية مناقشة مستقبل تايوان، أو الترسانة النووية الصينية المتنامية بسرعة، أو تعزيزها العسكري في بحر الصين الجنوبي والمواجهات التي أثارتها مع الفيليبين، وقال النائب السابق لوزير الخارجية في عهد الرئيس جو بايدن ورئيس مجموعة آسيا، كيرت كامبل، "لقد تسبب الرئيس ترمب في وضع أصبحت فيه اثنتان من أكبر أهدافه في تعارض مباشر"، مضيفاً أن "أحدهما هو مراقبة والسيطرة على كل الشحنات التي تمر عبر المضيق، بما في ذلك شحنات الصين، والآخر هو رغبته في زيارة إيجابية واضحة إلى بكين".