Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تضخم الأحكام يخلق اكتظاظاً في السجون البريطانية

تشديد العقوبات في بريطانيا أفضى إلى ملء السجون من غير أن يجعل البلاد أكثر أماناً. كبير قضاة إنجلترا وويلز سابقاً يؤكد أن جذور أزمة الاكتظاظ الحالية لا تعود إلى تصاعد مستويات الجريمة بل إلى تراكم نتائج خيارات سياسية امتدت عقوداً

واصل معدل السجن في إنجلترا وويلز ارتفاعه ليبلغ 138 سجيناً لكل 100 ألف نسمة، وهو مستوى مرتفع مقارنة بأوروبا (أنسبلاش)

ملخص

يعزو الكاتب أزمة الاكتظاظ في السجون البريطانية إلى تضخم الأحكام وتشديد السياسات العقابية، لا إلى ارتفاع الجريمة. ويخلص إلى أن إطالة مدد السجن مكلفة وغير فعالة، وتضعف إعادة التأهيل، داعياً إلى إصلاحات قائمة على الأدلة للحد من العودة للجريمة.

باتت السجون في إنجلترا وويلز ممتلئة، فيما تجد الحكومات المتعاقبة صعوبة في توسيع طاقتها الاستيعابية لمجاراة الارتفاع المتواصل في أعداد النزلاء. ويتحدد حجم هذا العدد بعوامل عدة، من بينها نوع الأحكام ومدتها وآليات الإفراج المعتمدة، إلى جانب إعادة السجناء إلى الحبس عند خرق قواعد الإفراج المشروط. وجميع هذه العوامل تستوجب المراجعة، في ظل استحالة توسيع الطاقة الاستيعابية بما يواكب الطلب المتزايد.

ومنذ عام 1993، شهد اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية ارتفاعاً لافتاً. ففي ذلك العام، شكلت أحكام السجن الفوري 16 في المئة من مجموع الأحكام، قبل أن ترتفع النسبة إلى 32 في المئة عام 2024. وتزامن ذلك مع تراجع استخدام العقوبات المجتمعية والأحكام المعلقة (أي مع وقف التنفيذ). وإلى جانب التوسع في فرض السجن الفوري، شهدت مدد الأحكام نفسها ازدياداً ملحوظاً.

فمتوسط مدة الحكم في القضايا التي تنظر فيها محكمة التاج [تنظر بالجرائم الخطرة] ارتفع من 16 شهراً عام 1993 إلى 22 شهراً في سبتمبر (أيلول) عام 2025. وتضاعفت الأحكام التي تتجاوز 10 أعوام أكثر من ثلاث مرات بين عامي 2010 و2024، في حين تراجعت أحكام الحبس القصيرة (12 شهراً أو أقل) بنسبة 64 في المئة، وزاد عدد المحكومين بالسجن المؤبد من أكثر بقليل من 3 آلاف إلى ما يزيد على 7500، مع ارتفاع الحد الأدنى للفترات التي يتعين عليهم قضاؤها خلف القضبان.

تقف وراء هذه الزيادات سلسلة من التدخلات التشريعية التي تبنتها الحكومات المتعاقبة، فرفعت مدد العقوبات وفرضت حدوداً دنيا إلزامية ومددت بصورة ملحوظة الفترات التي يتعين على المحكومين بالمؤبد قضاؤها قبل النظر في الإفراج عنهم، مما أدى إلى رفع مستوى الأحكام عموماً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وخلال الأعوام الـ25 الماضية، واصل معدل السجن في إنجلترا وويلز ارتفاعه ليبلغ 138 سجيناً لكل 100 ألف نسمة، وهو مستوى مرتفع مقارنة بأوروبا، إذ يبلغ المعدل في فرنسا 126، وفي السويد 92، وفي ألمانيا 71، وينخفض أكثر في بقية الدول الإسكندنافية.

في الوقت نفسه ازدادت المدة التي يقضيها عدد كبير من السجناء خلف القضبان. فمع أن الغالبية لا يستكملون كامل مدة الحكم المعلنة ويتم الإفراج عنهم تلقائياً في مرحلة ما، لا يتم إطلاق سراح آخرين إلا إذا رأت هيئة الإفراج المشروط أن ذلك آمن. وتظل قواعد الإفراج معقدة ومتبدلة باستمرار، وقد أوصت المراجعة المستقلة للعقوبات بنموذج أبسط يقضي بالإفراج عن المحكومين بعقوبات محددة بعد انقضاء ثلث المدة، شريطة حسن السلوك، وهو ما أدرجه البرلمان ضمن قانون العقوبات لعام 2026.

ليست العقوبة الجنائية مجرد وسيلة للردع، بل تحمل في جوهرها أهدافاً أوسع يحددها القانون، تشمل خفض معدلات الجريمة وإصلاح الجناة وتأهيلهم وحماية المجتمع وتعويض المتضررين. ولا توجد أولوية مطلقة بين هذه الأهداف، كذلك فإن السجن ليس الأداة الوحيدة المتاحة أمام القضاء. ومع ذلك، إذا تقرر اللجوء إلى الحبس، فلا ينبغي أن يتم فرضه إلا حين تنتفي البدائل الأخرى، وأن يكون لأقصر مدة تتناسب وخطورة الجريمة.

وعلى رغم إقرار جميع السياسيين بوجود أزمة في السجون، فإن الاعتراف العلني ظل محدوداً بحقيقة أن تضخم الأحكام كان عاملاً رئيساً في تضخم أعداد السجناء، فضلاً عن غياب نقاش جاد حول مدى إسهامه في إعادة التأهيل أو الحد من الجريمة.

يبلغ عدد السجناء حالياً نحو 85 ألفاً، قرابة 20 في المئة منهم موقوفون احتياطاً بانتظار المحاكمة أو الحكم، فيما أعيد نحو 14 في المئة إلى السجن بسبب خرق شروط الإفراج. وللمقارنة، كان عدد النزلاء عام 1993 نحو 44 ألفاً، بينما لم يتجاوز عدد من أعيدوا إلى السجن آنذاك 100 شخص.

كشفت مراجعة العقوبات أن الزيادة في الأحكام بين عامي 2010 و2024 كانت ناجمة أساساً عن ارتفاع معدل اللجوء إلى السجن وطول مدة أحكام السجن، وليس عن تغير في طبيعة الجرائم نفسها. وتعكس هذه الاتجاهات تغييرات من ناحية التشريع والسياسات مبنية على تقديرات سياسية لمزاج الرأي العام البريطاني.

لكن هذا المزاج العام لا يستند إلى أدلة، فهناك اعتقاد واسع بأن الجرائم الخطرة في ازدياد وأن الأحكام تتراجع، وهو تصور خاطئ في الحالتين. وأشار المكتب الوطني للإحصاء في المملكة المتحدة إلى تراجع طويل الأمد في أنواع الجرائم الشائعة منذ التسعينيات، مع تسجيل جرائم القتل أدنى مستوياتها على الإطلاق، وتراجع الجرائم العنيفة الخطرة. ومع ذلك، يرى الرأي العام أن الجريمة في تصاعد. وفي عام 2023، وجدت لجنة العدالة أن غالبية المستطلعة آراؤهم يعتقدون أن الأحكام أقصر مما كانت عليه قبل 25 عاماً، في حين يقدم الواقع حقيقة معاكسة تماماً.

شهدت الأنظمة الديمقراطية المتقدمة انخفاضاً في الجرائم الخطرة، ولا تشير الأبحاث الأكاديمية إلى أن تشديد الأحكام كان سبباً في ذلك. فقد أظهرت دراسة أجريت لمصلحة مجلس العقوبات عام 2022 أن هناك أدلة محدودة على وجود أثر رادع لإطالة مدة الأحكام، مشيرة إلى أن كثيراً من الجرائم يرتبط بعدم القدرة على التفكير العقلاني والانفعالات العاطفية وتأثير الكحول أو المخدرات.

ويبدو أن الحكومات كانت تسن القوانين استناداً إلى تصورات خاطئة أكثر من اعتمادها على الواقع. فقد أسهم تضخم الأحكام في اكتظاظ السجون، مما أدى إلى تردٍّ في ظروف الاحتجاز لكل من النزلاء وموظفي السجون. وحال ذلك دون تنفيذ الأعمال الضرورية المرتبطة بإعادة التأهيل والتدريب والتعليم. ومع ذلك، فإن مثل هذه البرامج تحديداً هي التي تسهم في خفض معدلات العودة إلى الجريمة وتشجع السجناء على الاندماج كأفراد منتجين في المجتمع.

وتنطوي الأنشطة الإجرامية على كلفة اقتصادية واضحة، في حين يترتب إنفاق باهظ على إبقاء الأفراد في السجن.

تبلغ الكلفة السنوية لكل سجين أقل بقليل من 55 ألف جنيه استرليني (نحو 75 ألف دولار)، بينما أعلنت الحكومة عن تخصيص 4.7 مليار جنيه لبناء سجون جديدة بين عامي 2026 و2030، فضلاً عن تراكم نفقات صيانة بقيمة 1.8 مليار جنيه، من دون احتساب التحديثات الضرورية. ويقدر إجمال رأس المال المنفق على السجون خلال 10 أعوام بين 9.4 و10.1 مليار جنيه وفق وزارة العدل. أما تكلفة العودة للجريمة فتقدرها لجنة العدالة والشؤون الداخلية في مجلس اللوردات لعام 2025 بنحو 18 مليار جنيه سنوياً.

وعلى رغم ارتفاع تكلفة السجن، فإن الإنفاق على برامج إعادة التأهيل الفعالة يعتبر استثماراً مجدياً، إذ بلغ متوسط تكلفة معالجة كل شخص إضافي لدى خدمة المراقبة في الفترة ما بين 2023-2024 نحو 3150 جنيهاً فقط (4260 دولاراً).

وقد أدى الاكتظاظ إلى انعكاسات سلبية واضحة مباشرة على كثير من النزلاء، إذ اعترفت إدارة السجون بأن 25 في المئة من نزلاء السجون خلال فترة عام حتى مارس (آذار) 2025 كانوا محتجزين في أماكن مكتظة لم توفر ظروف معيشة لائقة.

أظهرت لجنة العدالة عام 2025 أن نصف السجناء لا يشاركون في برامج التعليم أو العمل داخل السجون، فيما لا يواصل ثلثا المدانين أي نشاط تعليمي أو مهني خلال الأشهر الستة بعد الإفراج عنهم. ونحو 80 في المئة من مرتكبي الجرائم في إنجلترا وويلز يعودون لارتكاب جرائم جديدة. وقد أدى الاكتظاظ إلى نقل السجناء بشكل تعسفي وتعطيل تقدم تنفيذ الأحكام وتقليص الوصول إلى الأنشطة الهادفة والتعليم والاتصال بالعائلة.

لا يسهم فشل السجون في إعادة تأهيل النزلاء في خفض معدلات العودة للجريمة، بل إن سوء ظروف الاحتجاز، بما في ذلك الاكتظاظ الناتج من تضخم الأحكام، قد يؤدي إلى العكس. فعقوبة السجن هي عقوبة جدية، وكلما طال الحكم زادت شدته.

ويظل المجتمع محمياً أثناء وجود السجين خلف القضبان، ويحصل المتضررون على فرصة للراحة، كذلك فإن العقوبات الطويلة للمدانين الخطرين ضرورية لتوفير حماية إضافية. إلا أن هذا لا ينطبق على غالبية السجناء، ومن المعروف أن طول مدة السجن لا يملك أثراً رادعاً كبيراً. فالتحقق من تطبيق العقوبة أهم من طولها، وتؤدي التدخلات التأهيلية أثناء العقوبة والدعم بعد الإفراج دوراً أكبر في خفض العودة للجريمة، بل تشير الأدلة إلى أن الأحكام الطويلة قد تزيد احتمالية العودة للجريمة لدى بعض المسجونين.

استعرضت "مراجعة أحكام العقوبات" برامج طبقت في ولايات مثل تكساس وفي هولندا وإسبانيا، وقد نجحت جميعها في تقليص الاعتماد على السجن، وتعزيز البرامج الموجهة لإعادة التأهيل، مما أسهم في خفض أعداد السجناء ومعدلات العودة إلى الجريمة.

أما في إنجلترا وويلز، فيبدو أننا حققنا أسوأ النتائج مجتمعة، فقد ازدادت الأحكام وزاد معها الجزء الأكبر من العقوبة الذي يقضيه كثير من الجناة في السجن، كما أصبحت إعادة السجناء إلى الحبس أكثر شيوعاً. وعلى رغم أن هذه السياسات تشدد العقوبة، فإنها تأتي بكلفة باهظة. فهناك أعباء مالية متزايدة لتمويل أعداد السجناء، إلى جانب كلفة إنسانية يتحملها السجناء وأسرهم وموظفو مصلحة السجون. كما تمتد الكلفة إلى نطاق أوسع، نتيجة التأثيرات السلبية في جهود إعادة التأهيل وارتفاع معدلات العودة إلى الجريمة. وباختصار، فإن إطالة مدة الحكم أو فترة البقاء في السجن غالباً ما تكون نتائجها عكسية.

ويشكل قانون العقوبات لعام 2026 أول محاولة لعكس هذا الاتجاه التشريعي الطويل، إذ ينص على الإفراج عن كثير من الجناة بعد قضاء ثلث مدة الحكم، ويقيد استخدام الأحكام القصيرة، ويوسع نطاق العقوبات المعلقة، ويسعى إلى الحد من الإفراط في إعادة السجناء إلى السجن.

ولعل من الحتمي أن تعرض الإصلاحات التشريعية الأخيرة بوصفها استجابة ضرورية لاكتظاظ السجون، بدلاً من تقديمها باعتبارها الخيار الصحيح في حد ذاته.

كان من بين توصيات "مراجعة الأحكام" إنشاء هيئة استشارية خارجية تعنى بسياسات العقوبات، تستند في عملها إلى الأدلة المتعلقة بما ينجح فعلياً في خفض معدلات الجريمة ومنع العودة إليها. ومن شأن هذه الهيئة تحليل الآثار المتوقعة للتغييرات في السياسات، وتقديم تقييمات بعيدة المدى لانعكاساتها. وقد قدمت لجنة العدل توصية مماثلة في هذا السياق.

غير أن سياسات الأحكام والإصلاحات التشريعية خلال العقود الأخيرة لم تبن على أسس مستندة إلى الأدلة في شأن تأثيرها في الجريمة أو معدلات العود. صحيح أنه لا يمكن إقصاء السياسة تماماً عن هذا المجال، لكن من شأن تحول الأحزاب السياسية الكبرى من نهج رد الفعل إلى مقاربة أكثر مبدئية وقائمة على الأدلة أن يشكل تطوراً مرحباً به. وربما عندها تخف الضغوط التي أدت إلى تضخم الأحكام، ونصل إلى نظام عقوبات لا يضر، في بعض جوانبه، بالمصلحة العامة.

 

اللورد بيرنت من مالدون، شغل منصب كبير قضاة إنجلترا وويلز بين عامي 2017 و2023، وكان عضواً في اللجنة المستقلة لمراجعة الأحكام. النص أعلاه هو خلاصة لأجزاء من محاضرة "سير باتريك نيل" القانونية التي ألقاها في الـ20 من فبراير (شباط) 2026 في كلية أول سولز بجامعة أكسفورد.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل