Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مظاهر انتشار القوات بالوكالة في المدن الإيرانية وتداعياته الأمنية

السكان يقولون إنهم يشعرون وكأنهم هدف لاعتداء من جهة أجنبية

في يناير الماضي، أفادت تقارير بدور "الحشد الشعبي" و"زينبيون" و"فاطميون" في قمع المتظاهرين (اندبندنت فارسية)

ملخص

إن استخدام القوات الوكيلة في قمع الاحتجاجات الداخلية في إيران بدأ منذ مطلع الألفية الجديدة، ثم توسع تدريجاً. ومع ذلك، لم تعلن السلطات الإيرانية رسمياً هذا النهج، وظلت تؤكد أن ما يعرف بـ"محور المقاومة" ينشط في إطار مواجهة إسرائيل والاستكبار العالمي.

يتفشى الفقر والبطالة بصورة واسعة، وتتعثر الأعمال التجارية وتفقد زخمها، فيما لم يحصل ملايين الإيرانيين خلال الشهرين الماضيين حتى على ريال واحد من الدخل. وأصبحت الأدوية الحيوية شحيحة وباهظة الثمن بصورة حادة، في وقت تعرضت فيه الصحة النفسية والعقلية للسكان لضرر كبير عقب الأحداث الدموية التي شهدها يناير (كانون الثاني) الماضي، والحرب التي خاضها النظام الإيراني مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي ظل هذه الأوضاع، زاد انتشار قوات الوكلاء في مدن مختلفة من إيران من حدة التوتر، وجعل الفضاءات العامة أكثر صعوبة على المواطنين.

ونقلاً عن أحد سكان طهران، فإن الناس غاضبون، ويشعرون وكأنهم محاصرون في جهنم، ويختنقون من شدة الضيق. وأضاف أن هذا الشعب يغلي غضباً عندما يجبر على مواجهة عناصر مسلحة أجنبية تعترض طريقه وتصدر له الأوامر، كذلك فإن الحكومة تدفع رواتب هؤلاء المرتزقة من جيوب المواطنين أنفسهم، الذين يرزحون أصلاً تحت أعباء ومعاناة معيشية خانقة.

إن استخدام القوات الوكيلة في قمع الاحتجاجات الداخلية في إيران بدأ منذ مطلع الألفية الجديدة، ثم توسع تدريجاً، ومع ذلك، لم تعلن السلطات الإيرانية رسمياً هذا النهج، وظلت تؤكد أن ما يعرف بـ"محور المقاومة" ينشط في إطار مواجهة إسرائيل والاستكبار العالمي، غير أن ما جرى في الأشهر الأخيرة يختلف بصورة واضحة عن المراحل السابقة، إذ لم يعد النظام الإيراني يسعى إلى إخفاء استخدامه هذه القوات في الداخل، بل بات يظهر وجودها وحركتها في الشوارع، بما يعكس عملياً توجهاً يقوم على تعميم سياسة الترهيب في الفضاء العام.

في يناير الماضي الذي وصف بـ"الدموي"، نشرت تقارير ميدانية عدة أفادت بدور قوات "الحشد الشعبي" و"زينبيون" و"فاطميون" في القمع المميت للمتظاهرين، وبعد بدء المواجهة العسكرية بين النظام الإيراني وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، توالت مقاطع الفيديو والصور التي تظهر دخول هذه القوات إلى إيران وانتشارها في مدن مختلفة وهي ترفع أعلامها.

وقد بلغ عدد هذه القوات في مدن مثل طهران مستوى دفع بعض المراقبين إلى استخدام تعبير "احتلال المدينة"، معتبرين أنها باتت تسيطر بشكل علني على الفضاءات المدنية وتشكل تهديداً جدياً لأمن السكان وطمأنينتهم.

واللافت أن وسائل الإعلام الرسمية، لا سيما وكالتي "فارس" و"تسنيم" التابعتين لـ"الحرس الثوري"، لا تخفي وجود هذه القوات في الشوارع العامة للمدن الإيرانية فحسب، بل تروج له أيضاً على نطاق واسع، فقد نشرت وكالة "فارس"، في الرابع من أبريل (نيسان) الجاري، تقريراً عن جولات الدراجات النارية والسيارات لقوات "فاطميون" وهي ترفع أعلامها في شوارع طهران، ووصفت ذلك بأسلوب تعبوي اعتبرته "ملحمة"، واصفة إياه بأنه "ربط بين شعبين (الإيراني والأفغاني) في مسار المقاومة والصمود".

وقبل ذلك، كانت وكالة "تسنيم" قد نشرت تقريراً مشابهاً وصفت فيه العرض بالدراجات النارية والسيارات لقوات "فاطميون" في مدينتي قم ومشهد بأنه "تضامن ودعم لجبهة الحق".

مع ذلك، تشير الأدلة الميدانية إلى وجود قوات بالوكالة عند نقاط التفتيش ومشاركتها في قمع المواطنين وإيذائهم، وهو ما يدل على أن ما تصفه وسائل الإعلام الرسمية بـ"التضامن" هو في الواقع مشاركة في حرب تشنها السلطة ضد شعب أعزل.

وبحسب السكان، فإن هذه العناصر المسلحة تنتشر إلى جانب قوات "الباسيج" في الحواجز الأمنية، حيث تعرقل حركة المرور، وتتعرض للمواطنين بالشتائم والاعتداء، وتفتش ممتلكاتهم الشخصية، وتمس بكرامتهم الإنسانية. ووفق تقارير صادرة عن سكان داخل إيران، تتمركز حالياً ثلاث مجموعات من القوات الوكيلة، هي "فاطميون" و"زينبيون" و"الحشد الشعبي"، في مناطق مختلفة من البلاد، ففي شرق إيران تنتشر قوات "زينبيون" و"فاطميون"، وفي المحافظات الغربية يوجد "الحشد الشعبي"، بينما تلاحظ تشكيلات من هذه المجموعات مجتمعة في المدن الكبرى مثل طهران ومشهد.

وتعد "زينبيون" جماعة مسلحة تتألف من شيعة باكستانيين، فيما تشكل "فاطميون" قوة من المهاجرين الأفغان الشيعة، وقد تم تنظيم كلتا المجموعتين من قبل "فيلق القدس"، الذراع الخارجية لـ"الحرس الثوري" الإيراني. أما "الحشد الشعبي" فهو مجموعة من الفصائل المسلحة العراقية المدعومة من إيران، والتي أُسست في البداية لمواجهة تنظيم "داعش" في العراق، قبل أن تتوسع أدوارها السياسية والعسكرية لاحقاً.

وقد جرى تنظيم هذه المجموعات وتعزيزها خلال فترة قيادة قاسم سليماني لـ"فيلق القدس"، وعلى وجه الخصوص، كانت "زينبيون" و"فاطميون" من بين القوات التي أرسلت إلى سوريا لدعم رئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد والمشاركة في قمع الداخل هناك، مقابل حصولها على رواتب مرتفعة من الموارد الإيرانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع سقوط حكومة الأسد في سوريا لم تعد هذه القوات قادرة على التحرك هناك، ويرجح أن النظام الإيراني يسعى إلى الاستفادة من سجل هذه المجموعات في أعمال القمع العنيف داخل إيران، بخاصة أنه لو كان الهدف مشاركتها في الحرب ضد إسرائيل والولايات المتحدة لتمركزت على الحدود، لا في الشوارع العامة للمدن الإيرانية، بينما يؤكد السكان وجودها في نقاط تفتيش تمتد من ميدان "منيرية" في طهران إلى أوتوستراد "وكيل ‌آباد" في مدينة مشهد.

وتشير تقارير وسائل إعلام محلية في محافظة سيستان وبلوشستان والمحافظات الغربية إلى أن هذه القوات لا تتمركز في المخافر الحدودية، بل في الفضاءات العامة داخل المدن، مما يعزز الانطباع بأن انتشارها في الشوارع يستخدم كاستراتيجية لبث الخوف والترهيب بهدف خنق أي احتجاج في مهده.

وتظهر مقاطع الفيديو، التي نشرت عن وجود هذه القوات الأجنبية في الشوارع العامة لمدن مختلفة، ولا سيما طهران، عناصرها وهم يتجولون رافعين أعلامهم، ويخطبون وينشدون باللغة العربية، ويرددون شعارات داعمة لمسؤولي النظام الإيراني، ويطلقون تهديدات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ويعمدون إلى نشر أجواء أمنية مشددة ومخيفة عبر استعراض الدبابات والمركبات المدرعة وحمل أسلحة مثل الكلاشينكوف.

وبحسب هذه التقارير، يسكن جزء من هذه القوات شبه العسكرية في المساجد والقاعات الرياضية، بينما يقيم جزء آخر في فنادق فاخرة، وهو ما يعكس حجم وتعقيد هذا الوجود واتساع نطاقه.

أصبح حضور القوات الوكيلة في مختلف مناطق إيران لافتاً إلى درجة أن السكان باتوا يستخدمون تعبير "احتلال المدينة"، ويقولون إنهم يشعرون وكأنهم هدف لاعتداء من جهة أجنبية، وقد نشر نجل أحد قتلى الحرب الإيرانية - العراقية، الذي يعيش حالياً مرحلة منتصف العمر، صورة لوجود قوات عراقية في طهران على صفحته الشخصية، وكتب قائلاً "اليوم الذي ذهب فيه والدي طوعاً إلى الجبهة قال لوالدتي إنه يذهب من أجل أمنكم، لم يعد والدي أبداً، وفقد أثره، وظلت عينا أمي وجدتي معلقتين بالباب الأسود بانتظار أي خبر عنه. اضطررت إلى ترك الدراسة والمدرسة لأصبح معيل الأسرة، أي إعالة هذه؟! لم يكن هناك عمل خلال هذه الأعوام، والآن يعاني أطفالي الفقر والعوز، ومدينتنا أيضاً قد احتلها مرتزقة أجانب".

وكان معهد دراسات الحرب American Enterprise Institute قد ذكر في تقرير سابق أن استخدام قوات غير إيرانية في القمع الداخلي يمنح النظام الإيراني ميزة أمنية واضحة، لأن هذه القوات، بسبب افتقارها إلى الروابط الاجتماعية والعائلية والعاطفية مع المجتمعات المحلية في إيران، تكون أكثر ميلاً إلى العنف ضد المتظاهرين مقارنة بالقوات الأمنية المحلية، التي قد تتردد في إطلاق النار على مواطنيها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية كبرى في ظل تقارير تتحدث عن تراجع حاد في صفوف "الباسيج" و"الحرس الثوري"، مما يشير إلى أن النظام الإيراني قد يعتمد بصورة متزايدة على قوات شبه عسكرية أجنبية للسيطرة على الاحتجاجات وقمعها داخلياً.

من جهة أخرى فقد قام "فيلق القدس" بتنظيم هذه القوات في مرحلة كان فيها ما يعرف بـ"محور المقاومة" تحت قيادة قاسم سليماني في ذروة صعوده، إلا أن أوضاع هذه المجموعات اليوم باتت متدهورة، إذ يتعرض "الحشد الشعبي" لضغوط شديدة في العراق بفعل الضغوط الأميركية، بينما باتت "فاطميون" و"زينبيون" عملياً بلا مكان واضح، وسط مخاوف من أن إعادة دمجها في بلدانها الأصلية قد لا تكون ممكنة، مما قد يحولها إلى تهديد أمني محتمل داخل إيران نفسها.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير