ملخص
شددت المؤسسة العسكرية على ضرورة الحفاظ على حرية العمل العسكري لإزالة ما تصفه إسرائيل بالتهديدات، بما في ذلك شمال نهر الليطاني، إضافة إلى إطلاق عملية طويلة الأمد لنزع سلاح "حزب الله" تحت رقابة أميركية.
التطورات المتسارعة التي شهدتها الجبهة الشمالية مع لبنان، بعد عقد الجلسة الأولى من المفاوضات التاريخية المباشرة في واشنطن، بين إسرائيل ولبنان، من شأنها نقل المنطقة برمتها إلى مرحلة جديدة. ذلك على رغم التفاؤل الحذر لدى الإسرائيليين في كيفية استمرار المرحلة ما بعد هذه التطورات، وهم يتحدثون صراحة أن أي اتفاق يقضي بوقف النار في هذه المرحلة والانسحاب من مناطق في لبنان، لن يكون في صالح إسرائيل، باعتبار أن بنك الأهداف تجاه "حزب الله" لم ينفد بعد في مقابل استمرار تعزيز قدرات الحزب، التي من شأنها أن تحول هذه الجبهة إلى حرب استنزاف ما لم يحسم الموضوع بصورة متكاملة، خصوصاً من قبل الدولة اللبنانية في كل ما يتعلق بنزع سلاح الحزب.
الكابينت الإسرائيلي الذي عقد حتى منتصف ليل الأربعاء للمصادقة على مطلب الرئيس الأميركي بوقف موقت للنار في لبنان، كبادرة حسن نية من إسرائيل للحكومة اللبنانية بعد جلسة المفاوضات المباشرة في واشنطن، انتهى بعد نقاش طويل من دون أي قرار. ووفق التوقعات فقد تلقى رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتصالاً من ترمب، أبلغه فيه بجهوده لعقد محادثة مباشرة بينه وبين الرئيس اللبناني، وهو ما استدعى تأجيل المصادقة على وقف النار، ما طرح في هذا الاتصال يرى مقربون من نتنياهو أنه بمثابة "إنجاز كبير يسجل في صالحه"، وربما يستخدمه لاحقاً إلى جانب صورة سفيري لبنان وإسرائيل كصورة النصر لهذه الحرب، التي يبحث عنها منذ أكثر من عامين ونصف العام.
الشروط الإسرائيلية
لقاء الكابينت جاء في وقت كان سكان الشمال الإسرائيلي داخل الملاجئ بعد قصف مسيرات وصواريخ من قبل "حزب الله"، فيما صفارات الإنذار تدوي في المركز بعد إطلاق صاروخ أرض - أرض من لبنان، وفي المقابل كانت المعارك محتدمة بين الجيش الإسرائيلي وعناصر "حزب الله" في الميدان اللبناني، وقد أقر الإسرائيليون بوقوع قوات من جيشه بمكامن مما أدى إلى إصابة 10 من فرقة واحدة وكثير من فرق أخرى، وهو وضع أشعل النقاش الإسرائيلي داخل المؤسستين السياسية والعسكرية من جهة، وبين سكان الشمال من جهة أخرى الذين وجهوا اتهامات خطرة للحكومة ومتخذي القرار بإهمالهم وهدر دمائهم وترك الشمال تحت خطر صواريخ "حزب الله".
وفي محاولة لتهدئة الأجواء وسط سكان الشمال، التقى رئيس أركان الجيش، إيال زامير رؤساء بلدات، وأكد أمامهم أن الجيش مستمر في عملياته، بل إنه "سيشكل حاجزاً أمام البلدات الحدودية، وسيعمل على ضمان أمن طويل الأمد"، وفق زامير الذي أضاف أن جيشه يواصل نشاطاته وبقوة ضد "حزب الله" وأن "مهامه أصبحت اليوم أوضح من أي وقت مضى".
أما رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو فقد خرج قبل انعقاد الكابينت بكلمة يطمئن فيها السكان بأن الجيش الإسرائيلي لن يتركهم بل سيواصل ضرب "حزب الله"، وأكد أن الجيش يقترب من حسم المعركة في بنت جبيل، لا سيما أن إسرائيل ترى في هذه المنطقة التحدي الأكبر على المستوى العسكري.
كذلك شدد أن الجيش، وإن جرى الاتفاق على وقف النار، لن ينسحب من المنطقة العازلة، بل قال إنه أصدر تعليمات بتعزيز المنطقة الأمنية التي سينتشر فيها الجيش الإسرائيلي في العمق اللبناني فترة طويلة، وسيشكل وجوده حاجزاً بين "حزب الله" والحدود وبلدات الشمال.
حرية العمل العسكري
على رغم التوقعات بأن تشكل جلسة المفاوضات في واشنطن بداية طريق لإنهاء الحرب مع لبنان، فإن إسرائيل أبقت شروطها الضامنة لوجودها في لبنان في أي تفاهم أو اتفاق، بما في ذلك إنشاء حزام أمني يمتد حتى نهر الليطاني، ويكون خالياً من أي وجود لعناصر "حزب الله" وبناه التحتية.
أيضاً شددت المؤسسة العسكرية على ضرورة الحفاظ على حرية العمل العسكري لإزالة ما تصفه إسرائيل بالتهديدات، بما في ذلك شمال نهر الليطاني، إضافة إلى إطلاق عملية طويلة الأمد لنزع سلاح "حزب الله" تحت رقابة أميركية.
الشروط الإسرائيلية ثلاثة وهي: إقامة منطقة عازلة جنوب الليطاني خالية من "حزب الله"، وضمان حرية عمل عسكري كاملة، وكما جاء في تقرير إسرائيلي، فإن الشرط الثالث هو تجريد "حزب الله" من سلاحه من خلال الدفع نحو مسار طويل يواصل الجيش خلاله تنفيذ عملياته العسكرية استعداداً لاحتمال تصعيد مفاجئ.
وقف نار موقت غير مضمون
تقارير تداولتها القنوات الإسرائيلية نقلاً عن مسؤول أمني مطلع على سير التطورات والتنسيق بين واشنطن وتل أبيب، تشير إلى أن "الرئيس الأميركي يبذل قصارى جهوده والتنسيق مع الإدارة الأميركية من أجل تهدئة الجبهة اللبنانية للتفرع إلى ملف إيران على أمل التوصل إلى اتفاق"، حديث رأى أمنيون وسياسيون أنه لا ينسجم مع المطالبة الإسرائيلية بعدم ربط ملف لبنان مع إيران، وبحسب هذا المسؤول فإن واشنطن تقترح "وقف إطلاق نار موقت يمتد نحو أسبوع، وأن مثل هذا الإعلان قد يسرع عملية التفاوض مع إيران من جهة ومن شأنه أن يعزز موقع الحكومة اللبنانية أيضاً، في موازاة الدفع نحو ترتيبات أوسع في المنطقة"، بحسب المسؤول الأمني الذي شدد على أن تل أبيب تسعى إلى الحصول على ضمانات بإمكان استئنافها للحرب.
إسرائيل تريد، أولاً، الحفاظ على حرية العمل كما هي حال ما بعد اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أي بحسب ما أوضح الجيش الإسرائيلي "سيهاجم أي عنصر لـ’حزب الله‘ يكون موجوداً في المنطقة حتى الخط حيث ينتشر الجيش الإسرائيلي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الفجوة بين تل أبيب وبيروت
لا شك أن التقدم في المحادثات بين حكومتي إسرائيل ولبنان هي خطوة استثنائية في الشرق الأوسط بل "اختراق تاريخي"، على حد وصف سياسيين إسرائيليين، لكن مقابل هذا، هناك تفاؤل إسرائيلي حذر لعدم ضمان هدوء أمني، ومن جهة أخرى للواقع المعقد إلى حد ما في هذه الجبهة الشمالية.
جلسة مفاوضات الثلاثاء، وبحسب إسرائيل لم تحقق أي نوع من التقدم، بل يتحدثون عن فجوة عميقة تبرز أكثر بين ما تسعى إسرائيل إلى تحقيقه والواقع، وعلى رأسه نزع سلاح "حزب الله"، وبين ما تستطيع أو ترغب لبنان في تقديمه، والقضايا المطروحة بين الطرفين، وفق جهات إسرائيلية مطلعة على تطور المحادثات:
- خط الحدود: فالنزاع هو على أمتار، بحسب تقرير إسرائيلي، وفي هذا الجانب يتفق تقريباً جميع المتخصصين على أنه لا يوجد نزاع إقليمي جوهري بين إسرائيل ولبنان، على طول الحدود توجد نحو 13 نقطة خلاف، لكنها مناطق صغيرة جداً، وهذه مسائل تقنية تتعلق بترسيم الحدود، ويمكن حلها ضمن اتفاق، وفق التقرير الإسرائيلي.
- مزارع شبعا: إسرائيل ترفض التعامل معها كمنطقة لبنانية، وبوصفها لها فهي تشكل نقطة احتكاك رمزية أكثر منها جوهرية، وحسمها يعتمد على موقف سوريا، وإذا لم تحسم سوريا الأمر، فسيخوض طرفا المفاوضات بين لبنان وإسرائيل مناقشتها.
- المنطقة منزوعة السلاح، وفق التقرير الإسرائيلي فإن المقترحات الإسرائيلية تشمل إنشاء نموذج مشابه لما جرى تحديده في الاتفاقات مع مصر وسوريا: منطقة منزوعة السلاح في جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، منطقة بلا قوات عسكرية ولكن مع شرطة من الليطاني حتى نهر الأولي قرب بيروت، ومنطقة من بيروت شمالاً تكون تحت سيطرة الجيش اللبناني، مع قيود على السلاح (من دون أسلحة ثقيلة) ومع رقابة دولية.
أمنيون إسرائيليون يرون أن هذا البند سهل التوافق عليه لكن إمكان تطبيقه يطرح علامة استفهام كبيرة، كذلك ترى إسرائيل أن النقطة الحاسمة في كل ما يتعلق بنجاح المفاوضات والتقدم نحو اتفاق هي مسألة "حزب الله"، في إسرائيل يعتبرونه، وفق التقرير "قوة عسكرية كبيرة تمتلك قدرة مستقلة على المبادرة لمواجهات مع إسرائيل".
وتحت سؤال هل السلام سيناريو قابل للتحقيق؟ يناقش الإسرائيليون ثلاثة سيناريوهات:
- وضع قائم محسن، أي وقف إطلاق نار أكثر استقراراً، مع آليات رقابة.
- اتفاق أمني مرحلي، أي نموذج مناطق منزوعة السلاح وترتيبات عسكرية.
- سلام كامل، وهذا السيناريو يعتمد أساساً على ضعف دراماتيكي لـ"حزب الله" أو تغيير إقليمي واسع، مثل تغيير النظام في إيران.
مسودة اتفاق
الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، الجنرال المتقاعد غيورا إيلاند، دعا متخذي القرار في إسرائيل إلى التعامل بحذر ومطالبة لبنان من البداية بمسودة اتفاق سلام كامل معه، ووفق إيلاند، على إسرائيل أن تطلب اليوم من الرئيس اللبناني "مسودة اتفاق سلام كامل مع لبنان".
"هناك نهجان يميزان الموقف في إسرائيل في ما يخص المفاوضات التي بدأت بين إسرائيل ولبنان"، يقول إيلاند ويضيف "الأول يتعلق بعملية عبثية، انطلاقاً من أن الحكومة اللبنانية قد لا تستطيع تقديم ما تطلبه إسرائيل، وهو نزع سلاح ’حزب الله‘، وعليه فإن أي مفاوضات مع لبنان قد تقيد إسرائيل وتحد من عملياتها العسكرية، كما حدث بالفعل في الأسبوع الأخير حين امتنع الجيش الإسرائيلي عن مهاجمة بيروت".
أما النهج الثاني، بحسب إيلاند، فلا يدعم المفاوضات، "إذاً ليس لدينا ما نخسره، فخلال الأعوام الثلاثة الأخيرة تآكلت المكانة الدولية لإسرائيل بصورة حادة، السبب الرئيس هو الحرب في غزة التي توصف في العالم كعمل عقابي إسرائيلي ضد سكان غير متورطين في غزة، وهو عمل ينطوي على جرائم حرب، بل وعلى الجريمة الأعلى بينها، الإبادة الجماعية".
والاستنتاج السائد في كل من أوروبا والولايات المتحدة هو أن نتنياهو جر الولايات المتحدة إلى حرب غير ضرورية، حرب تلحق ضرراً بالاقتصاد العالمي وتهدد استقراره.
وبرأي إيلاند، فإن تآكل مكانة إسرائيل في العالم واضح اليوم في الولايات المتحدة على جانبي المعسكر، لكنه يكبح جزئياً ما دامت إدارة ترمب تحدد السياسة، أما في أوروبا فلا يوجد أي عامل مهدئ، الكراهية والانتقاد لإسرائيل بلغت مستويات عالية جداً وتشمل اليوم حتى دولاً كانت صديقة في السابق مثل ألمانيا وإيطاليا، ناهيك بفرنسا وبريطانيا.
المجال الوحيد الذي تملك فيه إسرائيل إمكان خلق انطباع معتدل ومحب للسلام هو لبنان، يرى إيلاند انطلاقاً من أن المفاوضات التي بدأت بخطوة صغيرة ورمزية هذا الأسبوع في واشنطن، كان يمكن أن تبدأ بالفعل في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، لكن إسرائيل أغلقت الباب أمام أي جس نبض لبناني، الآن، نتيجة للضغط الأميركي تقوم إسرائيل بالفعل الصحيح.
وبرأيه على إسرائيل أن تبعث أكثر من رسالة بينها:
- ليست لإسرائيل أي طموحات إقليمية في لبنان، عندما يتوقف "حزب الله" عن كونه تهديداً عسكرياً – ستسعد إسرائيل بالانسحاب إلى الخط الأزرق.
- ما دام تهديد "حزب الله" لم يزل، لا خيار أمامنا، ومن أجل حماية سكان الشمال سنواصل الاحتفاظ بشريط أمني ضيق هدفه الأساس منع إطلاق صواريخ مضادة للدروع نحو البلدات الإسرائيلية.
- منذ عام 2005، حين انسحب السوريون من لبنان تحت ضغط دولي، تحول لبنان فعلياً إلى مستعمرة إيرانية، حيث يعد "حزب الله" ذراعها التنفيذية، من يرغب في إعادة لبنان إلى فترة هادئة ومزدهرة فعليه أن يفصل لبنان عن القبضة الإيرانية، لا حاجة إلى البدء بعمليات عسكرية، بل يمكن البدء بخطوات مدنية، وإذا ساعدت فيها الدول الأوروبية، يمكن للحكومة اللبنانية تنفيذها تدريجاً، الحديث يدور عن مكافحة تحويل الأموال غير القانونية من إيران إلى "حزب الله"، وعن سن قوانين تجمد عمل جهات ومؤسسات تساعد "حزب الله"، وعن سحب جوازات السفر اللبنانية من عناصر الحزب، وغير ذلك، مشكلة لبنان ليست إسرائيل، بل إيران.
هذه الرسائل مع المطالبة باتفاق سلام كامل وواضح مع لبنان يمكن أن تسهم في نجاح الخطوات نحو شرق أوسط جديد يجري التخطيط له منذ أعوام طويلة.