Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نازحو السودان يدقون أوتاد خيامهم في أرض "الانقسام المجتمعي"

رحلة البحث عن مأوى أصبحت أكثر تعقيداً واستياء سكان المناطق التي تستقبل الفارين من الحرب يهدد التعايش السلمي

النازحون الذين اضطروا إلى مغادرة ديارهم تحت وطأة الحرب والانتهاكات الممنهجة لم يختاروا النزوح بإرادتهم (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ملخص

على رغم نفي السلطات في محلية دلقو تضجر السكان من استضافة النازحين ومعالجة الأزمة، لا تزال الأصداء حول قضية التعايش وقبول الآخر متداولة بصورة كبيرة في منتديات السودانيين بمواقع التواصل الاجتماعي، إذ استنكر الآلاف خطوة الاحتجاج على استقبال نازحين في وطنهم، في وقت فتحت فيه دول الجوار الأفريقي أبوابها أمام ملايين اللاجئين السودانيين، ودعوا إلى عدم التساهل مع أي دعوات لبث خطاب الكراهية.

في ظل تصاعد موجات النزوح من إقليم دارفور نتيجة الأخطار الأمنية وتزايد معدلات الانتهاكات الجسيمة تبرز أزمات إنسانية لا تقل قسوة عن الحرب والأوضاع المأسوية، إذ باتت رحلة البحث عن مأوى أكثر تعقيداً وصعوبة، وفي وقت تتواصل فيه تدفقات النازحين الفارين من دارفور نحو مناطق شمال السودان أملاً في الحصول على ملاذ آمن يحفظ كرامتهم، يواجه الآلاف منهم واقعاً صادماً يتمثل في تضجر واحتجاج المجتمعات المحلية.

إزاء ما جرى تداوله ونفيه في الحين نفسه حول تضجر المجتمعات المحلية المستضيفة في منطقة دلقو بمدينة حلفا شمال السودان من التمدد الكبير جراء التدفقات المستمرة للنازحين من إقليم دارفور وتنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر الحكومة المحلية رفضاً لاستقبالهم في مناطقهم، بدأ يتكشف وجه آخر للأزمة، وهو قضايا التعايش وقبول الآخر وتفشي النعرات، وكذلك سيادة خطاب الكراهية والعنصرية وشحن المجتمعات سلبياً.

مخاوف وتحذيرات

على رغم نفي السلطات في محلية دلقو تضجر السكان من استضافة النازحين ومعالجة الأزمة، لاتزال الأصداء حول قضية التعايش وقبول الآخر متداولة بصورة كبيرة في منتديات السودانيين بمواقع التواصل الاجتماعي، إذ استنكر الآلاف خطوة الاحتجاج على استقبال نازحين في وطنهم، في وقت فتحت فيه دول الجوار الأفريقي أبوابها أمام ملايين اللاجئين السودانيين، ودعوا إلى عدم التساهل مع أي دعوات لبث خطاب الكراهية.

 في المقابل تتركز مخاوف المجتمعات المحلية في تحول مراكز الإيواء الموقتة إلى استيطان دائم يعيد تشكيل التركيبة السكانية والجغرافية والاجتماعية في شمال السودان.

في حين أنعشت أزمة تضجر المجتمعات المحلية المستضيفة من توافد النازحين خطاب الكراهية، وبلغ حد الملاسنات السياسية بين قوى سياسية وحركات مسلحة وتصريحات على مستوى القيادات.

في السياق قال القيادي في الكتلة الديمقراطية مبارك أردول إن "الذي حدث في قرية دلقو لهو العار الوطني بعينه، إذ سجلت الأرقام الرسمية أن أكثر من 12 مليون سوداني نزح من منطقته داخل السودان وخارجه وبخاصة في دول الجوار التي فتحت الأبواب أمام جموع المواطنين السودانيين، وشاركناهم المأكل والمشرب والمعاش والخدمات".

وأضاف القيادي في الكتلة الديمقراطية "يعيش السودانيون في أحياء كاملة باسمهم، ومناطق سكنية بمجملها ترى فيها ملامحهم، لم نسمع تضجراً من وجودنا رسمياً أو شعبياً، ولكن أن يخرج هذا الجهل علانية في ظل صمت رسمي إنه فضيحة بكل المقاييس".

وأوضح أردول أنه "يجب محاكمة من نظموا هذه الوقفة بجريمة بث خطاب الكراهية، وعلى الأجهزة الأمنية احتواء ومحاصرة مثل هذه الظواهر قبل استفحالها".

مخطط خطر

من جهتها أشارت حكومة إقليم دارفور برئاسة مني أركو مناوي في بيان لها إلى أن "ما يتعرض له النازحون من مضايقات أو محاولات إقصاء في بعض المناطق يعد امتداداً لمخطط خبيث يستهدف تفكيك النسيج الاجتماعي السوداني.

وتطرق البيان إلى أن "هذا النهج يشبه ما دأبت عليه ميليشيات "الدعم السريع" في تأجيج الصراعات القبلية، وبث خطاب الكراهية والانقسام لخدمة أجندتها الرامية إلى إضعاف وتقسيم البلاد.

 

 

وذكرت حكومة دارفور أن "النازحين الذين اضطروا إلى مغادرة ديارهم تحت وطأة الحرب والانتهاكات الممنهجة لم يختاروا النزوح بإرادتهم بل فرضه عليهم واقع قاسٍ جراء القتل والترويع وحرق القرى وانتهاك الحرمات.

وشدد البيان على الرفض القاطع لحكومة إقليم دارفور لأي محاولات أو دعوات تستهدف طرد النازحين من أي شبر من أرض السودان، وتعتبر ذلك سلوكاً خطراً يخالف القيم الوطنية والأخلاقية التي تأسس عليها وجدان الشعب السوداني".

تدخلات حكومية

على صعيد متصل، أعلنت وزارة الثقافة والإعلام والسياحة السودانية في بيان إيقاف قناة "سودانية 24" عن العمل، وذلك على خلفية ما وصفته بوجود مخالفات مهنية وقانونية رصدتها الجهات المتخصصة، مؤكدة أن القرار يأتي في إطار تنظيم العمل الإعلامي وحماية المصلحة العامة.

وتأتي الخطوة بعد تغطية القناة لأحداث الوقفة الاحتجاجية في محلية دلقو بالولاية الشمالية رفضاً لتوافد النازحين.

وأضاف البيان أن "مهنة الصحافة والإعلام في السودان تستند إلى قواعد مهنية راسخة ومواثيق أخلاقية تهدف إلى نقل الحقائق بموضوعية ونزاهة.

وشدد البيان على التزام الوزارة بدعم حرية الصحافة مع التأكيد على أهمية ممارسة العمل الإعلامي بمسؤولية، ووفقاً للقوانين الوطنية والمعايير الدولية، بما لا يهدد الأمن الوطني أو الاستقرار الاجتماعي.

ودعت الوزارة جميع وسائل الإعلام المحلية والدولية إلى الالتزام بدورها المهني والوطني عبر تقديم محتوى مسؤول يعزز الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي وبخاصة في ظل تداعيات الحروب التي شهدها السودان خلال العقود الماضية.

وأشار البيان إلى أن "الوزارة ستنسق مع وزارة الاتصالات والتحول الرقمي لاتخاذ ما يلزم من تدابير لحجب المحتوى المخالف الذي تم بثه عبر الإنترنت حماية لحقوق المواطنين.

وأكدت الوزارة على أن هذه الإجراءات تستهدف حماية الأمن والاستقرار الاجتماعي، ومنع انتشار خطاب يهدد الوحدة الوطنية أو يغذي الانقسامات.

تعايش وتسامح

على الصعيد نفسه، شرعت السلطات بمحلية دلقو شمال السودان في اتخاذ إجراءات قانونية صارمة ضد مروجي خطاب الكراهية والعنصرية لتقديمهم للعدالة، مؤكدة حرصها على رتق النسيج الاجتماعي وتفويت الفرصة على المتربصين بأمن واستقرار المنطقة.

وأوضح البيان المشترك الصادر عن اجتماع لجنة الأمن وممثلي تنسيقية حكومة إقليم دارفور بالولاية وأعيان المنطقة أن "خطاب التفرقة الذي أثير أخيراً لا يمثل إنسان المنطقة، مشدداً على أزلية العلاقات الاجتماعية والتجارية بين مكونات السودان كافة، مع التأكيد على أن وعي المجتمع يظل الحائط المنيع أمام الأهواء الشخصية التي تسعى إلى تفكيك النسيج الاجتماعي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذكر البيان أن "علاقة المجتمع المحلي مع غيره من المكونات منذ القدم في معاني التسامح والتعايش السلمي، وأن ما أثير من خطاب قطعاً لا يمثل إنسان المنطقة، والشواهد التاريخية على العلاقات الاجتماعية والتجارية شاهدة على هذا النسيج بين أبناء الوطن الواحد.

بدوره قال ممثل تنسيقية حكومة إقليم دارفور بالولاية الشمالية كمال الحاج داؤود إن "ازلية العلاقات المجتمعية بين مكونات المحلية وسكان دارفور قديمة، وتتحلى بالتماسك والتشارك وتحمل موروثات أهل السودان، وأن ما راج من خطاب نثق تماماً أنه لا يمثل الكل، وهو سلوك يستحق المحاسبة القانونية حتى لا يسهم في تفكك هذا المجتمع المترابط على مر التاريخ.

سياسات وتوعية

على نحو متصل يرى الباحث الاجتماعي عباس الطاهر "أن الحراك السكاني في السودان بسبب الحرب لا ينبغي النظر إليه كمجرد حركة موقتة للسكان، لكن كأحد العوامل التي ستقود إلى إعادة تشكيل التركيبة السكانية والجغرافية والاجتماعية والاقتصادية لعدد من المناطق والمدن بالكامل، ومن ثم فإن الخيار الوحيد هو التعايش بسلام وقبول الآخر من أجل تماسك النسيج الاجتماعي".

ولاحظ الطاهر "أن الحرب أحدثت نعرات عنصرية قبلية انعكست سلباً على البناء الاجتماعي، مما أدى إلى سيادة خطاب الكراهية والعنصرية والنظرة الدونية، ومن ثم ينبغي أن تبدأ التوعية للقضاء على هذه الظاهرة والدعوة إلى السلام الاجتماعي والتعايش المستدام".

وطالب الباحث الاجتماعي منظمات المجتمع المدني بتبني سياسات وتصالح مجتمعي، مما سيسهم في تقوية العلاقات بين النازحين والمجتمعات المحلية المستضيفة، وتصفية الخلافات على أساس المصالحة الآمنة المستدامة، وتطييب النفوس، ومحاربة خطاب الكراهية عبر الوسائط المتعددة إلكترونياً وغيرها".

تحولات اجتماعية

في المنحى ذاته قال المتخصص في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا عماد خليفة إن "تفاقم أزمة النزوح والحراك السكاني الواسع المستمر حتى اليوم يحتاج إلى فهم أعمق لأسبابه وإفرازاته المستقبلية بعيدة المدى، فهناك تحولات اجتماعية واقتصادية ستصاحب هذا الحراك القسري للسكان، منها مخاوف المجتمعات المستضيفة من الاستيطان الدائم وليس البقاء الموقت، فضلاً عن تشكيل ضغط كبير على الموارد المحلية الشحيحة التي تتآكل مع كل موجة نزوح جديدة".

وأوضح أن "استقرار النازحين في المدن الآمنة كثيراً ما يواجه بدعوات عنصرية شحنت وراءها بعض المثقفين العنصريين والناشطين في الوسائط الإعلامية المتعددة، وأدى هذا الشحن إلى حدوث مضايقات وأزمات مستمرة".

وشدد خليفة على "ضرورة الدعوة إلى السلام الاجتماعي وتعزيز ثقافة التعايش كضرورة إنسانية قبل أن تكون قيمة أخلاقية، إذ تسهم هذه الخطوات في تخفيف التوتر وبناء جسور الثقة بين النازحين والمجتمعات المستضيفة".

مبادرات ومعالجات

من جانبها، أشارت أستاذة علم الاجتماع لينا محجوب إلى أن "الحرب في السودان كشفت عن عنف كامن غير مسبوق فعلاً، ومن ثم عمقت أكثر الشروخ والتصدعات وهدمت أساس السلام الاجتماعي الذي كان السودانيون يكافحون جاهدين للعمل على ترسيخه".

 

 

وترى محجوب أن "ما يتعرض له النازحون في بعض المدن الآمنة يحتاج إلى تنشيط عاجل لمبادرات المجتمع المدني في مواجهة هذه الظاهرة المستفحلة عبر المنظمات الشبابية المحلية ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، وتنظيم ورش توعوية تحض على بناء السلام والتعايش وتعمل على نشر ثقافة الحوار بدلاً من العنف والتحريض".

وتابعت "الشروخ الاجتماعية التي تقف وراءها حملات التعبئة والتجييش القبلي والجهوي والتصدعات السياسية باتت بالغة الخطورة على وحدة البلاد، وأصبحت معها قضية إعادة ترميم الشروخ العميقة التي ضربت شبكة النسيج الاجتماعي، أولوية أكثر إلحاحاً من المصالحة السياسية".

الصوفية على الخط

إزاء التصاعد المقلق لخطاب الكراهية، أصدر شيخ مسيد وخلاوي كدباس محمد حاج حمد الجعلي بياناً دَعوَا فيه إلى وقف الخطابات التي تثير التوترات الاجتماعية في السودان، محذراً من محاولات استغلال حوادث فردية لإحداث انقسام داخل المجتمع.

وقال الجعلي، إن "السجادة القادرية تابعت ما نُشر في منصات رقمية خلال الأيام الماضية، معتبراً أن بعض المحتوى يسعى إلى تأجيج الخلافات القبلية الجهوية"، وأكد رفضه لأي خطاب يقوم على الكراهية أو التمييز، مشدداً على أن هذه الممارسات لا تعكس القيم الاجتماعية الراسخة في البلاد".

ودعا الجعلي إلى تقديم الدعم للنازحين الذين غادروا مناطقهم بسبب الحرب، مشيراً إلى أن مساعدتهم واجب إنساني وأخلاقي"، وأضاف أن "التعامل مع النازحين يجب أن يعكس تقاليد التكافل التي عُرف بها السودانيون".

وحث البيان السكان على تجنب نشر الإشاعات أو المساهمة في تصعيد التوتر، داعياً إلى ضبط النفس وتقديم مصلحة البلاد على أي اعتبارات أخرى، وأكد أن منع انتشار الفتنة مسؤولية جماعية تتطلب تعاوناً واسعاً. داخل المجتمع.

وأشار الجعلي إلى أن "الطرق الصوفية في السودان درجت على تعزيز قيم السلم الاجتماعي، والدعوة إلى الاحترام المتبادل بين مختلف المكونات".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير