ملخص
التوتر المتصاعد بين الحلفاء، دفع الأوروبيين إلى اتخاذ إجراءات تحوطية حيال ما يمكن أن يقدم عليه الرئيس الأميركي من إجراءات عقابية، بخاصة أنه لوح مراراً بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو).
قبل أسبوع، أدلى مفوض الدفاع لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو) أندريوس كوبيليوس بتصريح لافت ألمح فيه إلـى ترتيبات أوروبية لما يمكن أن نطلق عليه مرحلة ما بعد الشراكة العابرة للأطلسي، قائلاً إن رد الاتحاد الأوروبي على الأزمة في العلاقات مع الولايات المتحدة يجب أن يكون بناء قدراته العسكرية الخاصة.
منذ عودته للبيت الأبيض في ولاية ثانية بدأت شتاء عام 2025، لم يتوانَ الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن هجومه على التحالف العسكري الذي تأسس قبل أكثر من ثلاثة أرباع قرن بين الحلفاء عبر الأطلسي، غير أنه خلال الأسابيع الأخيرة ومنذ بدء الحرب مع إيران، أطلق العنان للتصريحات الحادة التي تنتقد حلفاءه بعد إحجامهم عن تلبية مطالبه بالدعم العسكري له في الحرب.
وخلال لقائه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته في البيت الأبيض الأسبوع الماضي، أعرب ترمب عن غضب كبير حيال حلفائه. وعقب اللقاء، كتب على حسابه بمنصة "تروث سوشال"، منتقداً الحلف "’الناتو‘ لم يكُن معنا عندما احتجنا إليه، ولن يكون معنا إذا احتجنا إليه مجدداً". وضمن تصريحات سابقة وصف التحالف العسكري بأنه "نمر من ورق"، وتفيد تقارير بأنه يدرس خطة لعقاب بعض أعضاء "الناتو" ممن يرى الرئيس أنهم لم يكونوا داعمين أو متعاونين مع الولايات المتحدة خلال الحرب، ويشمل ذلك نقل القوات الأميركية الموجودة لدى بعض الدول الأعضاء في "الناتو" وإعادة نشرهم في دول أخرى كانت أكثر دعماً.
"ناتو أوروبي"
هذا التوتر المتصاعد بين الحلفاء، دفع الأوروبيين إلى اتخاذ إجراءات تحوطية حيال ما يمكن أن يقدم عليه الرئيس الأميركي من إجراءات عقابية، بخاصة أنه لوح مراراً بالانسحاب من الحلف، وإن كانت الخطوة مقيدة بموافقة الكونغرس.
وثمة ما يدعو إلى السؤال حول اتجاه الأوروبيين نحو فك الارتباط مع الأميركيين، إذ أفادت صحيفة "وول سريت جورنال" الأميركية، نقلاً عن مصادر أوروبية أنه جاري الإعداد لـ"خطة بديلة" لضمان قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها باستخدام الهياكل العسكرية الحالية لـ"الناتو" في حال انسحاب الولايات المتحدة، بعد حصولها على موافقة ألمانيا، المعارضة منذ زمن طويل لنهج الانفراد بعيداً من المظلة الأمنية الأميركية.
ويسعى المسؤولون العاملون على هذه الخطط التي يُطلق عليها بعضهم اسم "الناتو الأوروبي"، إلى إشراك مزيد من الأوروبيين في أدوار القيادة والسيطرة للحلف، ودعم القدرات العسكرية الأميركية بقدراتهم.
والخطط التي تتقدم بصورة غير رسمية من خلال محادثات جانبية واجتماعات عشاء داخل وحول منظمة حلف شمال الأطلسي، لا تهدف إلى منافسة الحلف الحالي، لكن إلى تأمين بديل للحفاظ على الردع ضد روسيا واستمرارية العمليات، والصدقية النووية حتى في حال سحب واشنطن قواتها من أوروبا أو رفضها الدفاع عنها، كما هدد ترمب.
وتبرز هذه الخطط التي وُضعت فكرتها الأولى العام الماضي، عمق القلق الأوروبي من موثوقية الولايات المتحدة، إذ تسارعت التحركات الأوروبية بعد تهديد ترمب بضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، العضو في "الناتو"، وتكتسب الآن زخماً متزايداً في ظل المواجهة القائمة بسبب رفض أوروبا دعم الحرب الأميركية على إيران.
تحول موقف ألمانيا
والأهم من ذلك أن تحولاً سياسياً في برلين يزيد هذا الزخم، فعلى مدى عقود قاومت ألمانيا الدعوات الفرنسية إلى تعزيز السيادة الأوروبية في مجال الدفاع، مفضلة الإبقاء على أميركا كضامن نهائي للأمن الأوروبي. لكن هذا الوضع يتغير الآن خلال عهد المستشار الحالي فريدريش ميرتس، بسبب مخاوف حول مدى موثوقية الولايات المتحدة كحليف خلال فترة رئاسة ترمب وما بعدها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والتحول الألماني لم يأتِ كرد فعل مجرد على ترمب الذي اعتاد التصريحات الصاخبة، بل كإعادة صياغة لنهجها في التعامل مع تغير الموقف الأميركي. فمطلع العام الحالي أثارت استراتيجية الأمن القومي الأميركي عاصفة عبر الأطلسي، إذ وضعت إدارة ترمب حلفاءها التقليديين في مرتبة أدنى في سلم أولوياتها، مطالبة الأوروبيين بتحمل مسؤولية مواجهة التهديدات "الأقل خطورة بالنسبة إلى الولايات المتحدة" وأكثر حدة بالنسبة إليهم، كذلك أفسحت مساحة لا بأس بها من التشكيك في استمرار التحالف بين الطرفين لنحو عقدين في ظل ما وصفته بـ"الطمس الحضاري" لأوروبا بسبب الهجرة الجماعية التي تغير ديموغرافيا القارة، قائلة إنه "خلال بضعة عقود على أقصى تقدير سيصبح بعض أعضاء ’الناتو‘ ذوي غالبية غير أوروبية".
ووصف المستشار الألماني أجزاء من الوثيقة بأنها "غير مقبولة"، في حين حذر رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أن على الأوروبيين الآن "أن يحموا أنفسهم حتى من الحلفاء الذين يتحدونهم"، أما رئيس أكبر كتلة في البرلمان الأوروبي مانفريد فيبر، فرأى أن "الولايات المتحدة تتخلى عن دورها كقائدة للعالم الحر"، بينما أعربت زعيمة ثاني أكبر كتلة إيراتكسي غارسيا عن أسفها لأن الاستراتيجية توحي بأن "أوروبا لم تعُد حليفاً، بل أصبحت خصماً"، وحتى البابا لاوون الرابع عشر دعا إدارة ترمب إلى "عدم تفكيك العلاقة عبر الأطلسي".
لذا، فربما كان العامل السياسي الحاسم الذي سرع التحرك الأوروبي هو التغيير التاريخي في برلين التي تستضيف أسلحة نووية أميركية، وكانت لفترة طويلة تتجنب التشكيك في دور الولايات المتحدة كضامن لأمن أوروبا. وكان الألمان وغيرهم من الأوروبيين يخشون أن يؤدي تعزيز القيادة الأوروبية داخل "الناتو" إلى إعطاء الولايات المتحدة ذريعة لتقليص دورها، مما كان يخشاه كثر.
الاستقلال الدفاعي الأوروبي
وفي محاولة للإبحار في هذا المناخ الجيوسياسي المضطرب، تسعى أوروبا إلى الاستقلال الدفاعي وبناء قوتها العسكرية الخاصة، وطُرح هذا المفهوم بصورة بارزة من خلال الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي، إذ حدد الاتحاد طموحه في أن يصبح فاعلاً أكثر صدقية في مجالي الأمن والدفاع. وخلال مؤتمر لمناسبة الذكرى الـ21 لوكالة الدفاع الأوروبية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قال مفوض الدفاع الأوروبي "نعيش الآن في عالم تكون فيه القوة هي الحق"، وأضاف أن "ردنا على هذا العالم الخطر... الاستقلال الأوروبي والحكم الذاتي الأوروبي ومزيد من المسؤولية الأوروبية عن دفاعنا الخاص"، داعياً إلى بناء ركيزة أوروبية داخل ’الناتو‘".
ومع ذلك، يواجه الأوروبيون تحدياً هائلاً، فبنية "الناتو" تقوم بأكملها على القيادة الأميركية في جميع المستويات تقريباً، من الخدمات اللوجستية والاستخباراتية إلى القيادة العسكرية العليا للحلف. لذا يسعى الأوروبيون الآن إلى تحمل مزيد من هذه المسؤوليات، مما طالب به ترمب منذ فترة طويلة.
وصرح الأمين العام للحلف أخيراً بأن الحلف سيكون "بقيادة أوروبية أكبر"، على رغم قوله سابقاً إنه إذا كان هناك من يعتقد بأن الاتحاد الأوروبي أو القارة الأوروبية بأكملها يمكنها أن تتولى الدفاع عن نفسها من دون واشنطن، فإن هذا مجرد "حلم" لا يمكن تحقيقه، محذراً أنه في حال قرر الأوروبيون إنشاء تحالف دفاعي جديد بعيداً من الولايات المتحدة، فسيؤدي ذلك إلى خسارة ما وصفه بـ"الضمانة القصوى لحريتنا"، أي المظلة النووية الأميركية.
وقال رئيس فنلندا ألكسندر ستوب، وهو أحد القادة المشاركين في هذه الخطط وفق "وول ستريت جورنال" إن "نقل العبء من الولايات المتحدة إلى أوروبا جارٍ، وسيستمر… كجزء من استراتيجية الدفاع والأمن القومي الأميركية"، مضيفاً أن "الأمر الأكثر أهمية هو فهم أن هذا يحدث، وأن يتم بطريقة منظمة وقابلة للسيطرة، بدلاً من أن تقوم (الولايات المتحدة) بالانسحاب بسرعة".
تحالف الراغبين
وأدى التحول الألماني إلى فتح الباب أمام اتفاق أوسع بين دول أخرى، بما في ذلك المملكة المتحدة وفرنسا وبولندا ودول الشمال وكندا التي باتت تصف الخطة الطارئة بأنها "تحالف الراغبين" داخل "الناتو"، وهو التحالف الذي عملت فرنسا وبريطانيا على تأسيسه من الدول التي تعهدت بدعم أمن أوكرانيا بعدما هدد ترمب مراراً بعدم دعمها.
وتتقدم أربع دول أوروبية كبرى، فرنسا وألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة، لتكون في صلب إعادة تشكيل مسار الدفاع الأوروبي، ففرنسا تدفع باتجاه الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، مستندة إلى قوتها النووية ومكانتها الدولية، وتقود مبادرات لتعزيز القدرة على الانتشار العسكري المشترك، في المقابل شرعت ألمانيا في تحول استراتيجي لافت بعد عقود من الحذر عبر زيادة غير مسبوقة في الإنفاق الدفاعي والاستثمار في تحديث قدراتها العسكرية، أما بولندا، الواقعة على الجناح الشرقي لـ"الناتو"، فبرزت كقوة عسكرية صاعدة بسرعة، معززة دورها كركيزة أساسية للردع الأوروبي، فيما تواصل المملكة المتحدة القيام بدور قيادي عسكري عبر "الناتو" وشبكات تعاون متعددة، على رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي.
تحدي القيادة
وتحولت خطط الطوارئ إلى معالجة مسائل عسكرية عملية مثل من سيتولى إدارة دفاعات "الناتو" الجوية والصاروخية، وممرات التعزيز إلى بولندا ودول البلطيق، وشبكات اللوجستيات والتدريبات الإقليمية الكبرى إذا تنحى الضباط الأميركيون، ولا تزال هذه أكبر التحديات.
ويرغب المسؤولون في تسريع إنتاج أوروبا من المعدات الحيوية ضمن مجالات تتأخر فيها عن الولايات المتحدة مثل مكافحة الغواصات والقدرات الفضائية والاستطلاعية والتزود بالوقود جواً والتنقل الجوي. ويشيرون إلى إعلان ألمانيا والمملكة المتحدة الشهر الماضي عن مشروع مشترك لتطوير صواريخ "كروز" شبحية وأسلحة فرط صوتية كمثال على المبادرة الجديدة.
وعلى رغم أن الجهد الأوروبي يمثل تحولاً جذرياً في التفكير، فإن تحقيق هذا الطموح سيكون صعباً، فالقائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا يكون دائماً أميركياً، وأكد المسؤولون الأميركيون أنهم لا ينوون التخلي عن هذا المنصب. ولا يمتلك أي عضو أوروبي مكانة كافية داخل "الناتو" ليحل محل الولايات المتحدة كقائد عسكري، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الولايات المتحدة وحدها توفر المظلة النووية على مستوى القارة والتي تشكل أساس مبدأ الردع المتبادل الذي يقوم عليه الحلف.