ملخص
تتولى الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري تدبير نزاعات حدود الأراضي القروية عبر إجراءات التحفيظ الجماعي أو الفردي، إذ يتدخل المهندس الطوبوغرافي لتحديد الحدود ميدانياً، ويقوم المحافظ بتسوية النزاعات أو إحالتها على القضاء المختص.
أعاد الحادث المأساوي الذي شهدته أخيراً قرية حمو مفتاح بضواحي مدينة تازة في المغرب، عندما أفضى نزاع حول حدود قطعة أرض إلى جريمة قتل دموية بواسطة بندقية صيد، ذهب ضحيتها ثلاثة أشخاص من أسرة واحدة، إلى الواجهة نزاعات ترسيم حدود الأراضي بين القبائل والعائلات في المناطق القروية بالبلاد.
واهتزت البلدة الصغيرة قبل أيام قليلة على وقع حادث دموي يأتي بعد حوادث مماثلة كثيرة تتعلق بمعضلة ترسيم حدود الأراضي الفلاحية، والأراضي السلالية أو أراضي الجموع، وهي أراضٍ تعود ملكيتها إلى مجموعات من السكان ينحدرون من سلالة واحدة.
"كسر الحد"
وشهد العام الحالي، وقبله أيضاً، حوادث مؤسفة لنزاعات بين قبائل وعائلات حول حدود الأراضي الزراعية والسلالية، توزعت بين المشاحنات والخصومات والدعاوى القضائية، بينما تطورت أخرى إلى جنح الضرب والعنف المسلح، وأحياناً إلى ارتكاب جرائم قتل أو محاولات قتل.
ويعتبر "كسر الحد"، كما هو شائع عند المغاربة، السبب الرئيس لإشعال فتيل المواجهات والنزاعات في القرى المغربية. ومن معاني "كسر الحد" فرض قبيلة أو جماعة من السكان أو عائلة ترسيم حدود جديدة للقطعة الأرضية محل النزاع والخصومة، ما تنجم عنه اعتراضات وخصومات ونزاعات وصراعات تمتد أحياناً لمدد زمنية طويلة، تصل بعضها إلى المحاكم من دون جدوى.
وعلى رغم سن الحكومة المغربية منذ أعوام خلت التحفيظ الجماعي لهذه الأراضي، بواسطة مؤسسة رسمية تسمى الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطي، إلا أن نزاعات ترسيم الحدود بين القبائل والأسر في القرى لا تزال مستمرة، على رغم تناقص وتيرتها خلال الأعوام الأخيرة.
وتتولى الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري تدبير نزاعات حدود الأراضي القروية عبر إجراءات التحفيظ الجماعي أو الفردي، إذ يتدخل المهندس الطوبوغرافي لتحديد الحدود ميدانياً، ويقوم المحافظ بتسوية النزاعات أو إحالتها على القضاء المختص.
يقول محمد الحمري، من أعيان قبيلة الرماني بضواحي الرباط، إن النزاعات الحاصلة حول ترسيم حدود الأراضي مؤسفة جداً، لأنها تمزق وحدة وتآلف السكان، وهي تنجم بالأساس عن الأعراف التي يحتكم إليها العديد من القرويين بدل القانون، وهو ما يجعل تلك الحدود معرضة للخرق والتعدي من هذا الطرف أو ذاك، سواء بتغيير الحجارة التي ترسم الحدود أو إزالة علامات الحدود.
وأورد المتحدث أمثلة عاينها وشاهدها لدى قبائل زعير الشهيرة نواحي العاصمة الرباط، مثل "أحد البراشوة" و"النخيلة" و"أغبال"، التي عرفت حوادث خطيرة من هذا النوع، تعارك فيها أبناء القبيلتين حول ترسيم حدود قطع أرض، الشيء الذي كان يستدعي تدخل السلطات الأمنية ممثلة في مصالح الدرك الملكي.
ظاهرة اجتماعية معقدة
في هذا الصدد، أكد الحقوقي والباحث عبد الإله الخضري أن نزاعات حدود الأراضي في البوادي المغربية تمثل ظاهرة اجتماعية معقدة، تتداخل فيها عوامل تاريخية وسياسية وقانونية واجتماعية واقتصادية، مبرزاً أن هذا التداخل يفسر تكرارها واحتدامها أحياناً إلى مستويات تصل إلى الخصومات الحادة أو حتى الجرائم.
وأوضح الخضري أن ما يُعرف بالأراضي السلالية تعد من أكثر القضايا تعقيداً وإشكالية في ملف العقار بالمغرب، معتبراً إياهاً امتداداً لمرحلة الاستعمار، إذ جرى حصر ملكيتها باسم الجماعات السلالية تحت وصاية وزارة الداخلية، مع الاكتفاء بمنح حق التصرف لفائدة المستغلين، وهو ما أفرز، بحسب تعبيره، نزاعات مزمنة بين أفراد القبائل في ما بينهم، وكذلك بينهم وبين السلطات الوصية.
وأورد الخضري أن ضعف أو غياب التحفيظ العقاري في عدد كبير من المناطق القروية يفاقم الإشكال، وأن مساحات واسعة من الأراضي لا تزال غير محددة بصورة قانونية دقيقة، وتعتمد في تعيين حدودها على علامات تقليدية قابلة للتغير أو الزوال، مثل الأحجار والأشجار ومجاري المياه، وهو ما يفتح المجال أمام تضارب التأويلات واندلاع النزاعات حول الحدود الحقيقية.
ولم يفت الباحث أيضاً الإشارة إلى أن "الاعتماد على الأعراف المحلية والذاكرة الجماعية يسهم بدوره في تعقيد الوضع، إذ غالباً ما يجري تحديد الملكيات استناداً إلى شهادات أو معطيات غير موثقة، لتبرز الخلافات مع مرور الزمن واختفاء الشهود أو تضارب الروايات".
واستطرد الباحث موضحاً أن "عامل النمو السكاني وتفتيت الملكيات نتيجة الإرث يزيدان من حدة هذه النزاعات، إذ تتجزأ الأراضي إلى مساحات صغيرة ومتداخلة، مما يجعل حدودها أكثر غموضاً وقابلية للنزاع". وذكر أن التحولات الاقتصادية التي عرفتها القرى المغربية، بخاصة مع ارتفاع قيمة الأراضي بسبب التوسع الحضري أو لأغراض استثمارية، أسهمت في تشدد الأفراد بالتمسك بأراضيهم، بل دفع بعضهم إلى محاولة توسيع حدودها على حساب الآخرين.
الوعي القانوني
ويشكل ضعف الوعي القانوني لدى فئات من السكان عاملاً هاماً آخر في تأجيج النزاعات والصراعات الدموية أحياناً حول ترسيم حدود الأراضي الزراعية والسلالية، وهو ما يعزوه الخضري إلى عدم لجوء الكثير من الأفراد والقبائل إلى التحفيظ أو التوثيق بسبب كلفة الإجراءات أو تعقيد المساطر، مما يبقي الوضعيات العقارية هشة ومعرضة للنزاع في أي وقت.
وذهب الباحث إلى أن "النزاعات لا تبقى دائماً في إطارها الفردي، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى صراعات جماعية بين عائلات أو قبائل، تغذيها اعتبارات مرتبطة بالهيبة والانتماء، وهو ما يجعل التوصل إلى تسويات أمراً صعباً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واسترسل الباحث نفسه بأن "تراجع أدوار الوساطة التقليدية، التي كانت تضطلع بها الجماعات المحلية أو شيوخ القبائل، عامل إضافي يسهم في غياب آليات فعالة للحل الودي، مما يؤدي إلى مزيد من التصعيد حول حدود الأراضي".
وخلص الخضري إلى أن هذه النزاعات ليست نتيجة سبب واحد، بل هي محصلة تفاعل عوامل بنيوية متعددة تجعل مسألة الأرض في البادية المغربية شديدة الحساسية، داعياً إلى اعتماد مقاربات شاملة تقوم على سياسات عمومية ديمقراطية وشفافة، وإصلاح قانوني يحقق العدالة الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تعزيز التوثيق العقاري، وإحياء آليات الوساطة، ونشر الوعي القانوني لدى السكان.
الانعكاسات الاجتماعية
والتقط خيط الحديث الباحثُ الاجتماعي المهتم بقضايا الأراضي السلالية والقروية، عبد السلام أسكاف، الذي يرى أن نزاعات "كسر الحدود" التي تنتهي أحياناً بالجرائم والجنح المختلفة، تخلف تداعيات اجتماعية وأسرية وأمنية خطيرة تهدد تماسك القبائل والأسر القروية.
وأفاد أسكاف بأن ما يقع من حوادث وجرائم ومنازعات ومشاحنات وقضايا في سراديب المحاكم تؤشر سلباً على نسيج العلاقات الاجتماعية داخل القرية الواحدة، بل داخل الأسرة الواحدة في معظم الأحيان عندما تتنازع أسر تربط بينها أواصر القرابة والدم على حدود قطعة أرض.
ويردف المتحدث شارحاً: "تنشب صراعات ونزاعات شديدة في الكثير من الحالات بين الإخوة أو أبناء العموم حول حدود قطعة أرض، وهو ما ينجم عنها احتقان وعلاقات متوترة بين أفراد الأسرة الواحدة، وقطيعة رحم، وقد تنتقل الشحناء إلى الأجيال اللاحقة".
ومن التداعيات الاجتماعية الأخرى لهذه النزاعات حول ترسيم حدود الأراضي، تحول القرية من فضاء ساكن تعمه روح التآزر في مجتمع صغير محدود إلى فضاء جغرافي واجتماعي مشوب بالشكوك والغضب وتبادل الاتهامات وحشد المؤيدين والمعارضين لكل طرف أمام الطرف الثاني.
وتابع الباحث ذاته أن هذه الأجواء المشحونة التي تخلقها حوادث ونزاعات وجرائم "كسر الحد"، تفضي أيضاً إلى تآكل منسوب الثقة بين السكان، وخصوصاً بين الأطراف المتناحرة، وقد تخفق محاولات الزواج والمصاهرة بسبب هذه الصراعات، التي تكرس تراجعاً لافتاً في مؤسسات الوساطة التقليدية التي كانت تضطلع بها "الجماعة"، والمشكلة أساساً من كبار ومسني وحكماء القرية.
والحري بالذكر أن "كسر الحد" أو تغيير حدود الأراضي يعد جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي وفق الفصل 570، الذي يعاقب الفاعل بالسجن من شهر إلى 6 أشهر، كذلك يخضع "كسر الحدود" لتدابير قانونية حازمة، بخاصة قانون التجزئات العقارية رقم 25.90 وقوانين الأراضي السلالية رقم 62.17.