ملخص
أوضح المفكر السياسي الباكستاني اشتياق أحمد أن نقل الأصول العسكرية الباكستانية إلى سواحل السعودية الشرقية، بعث رسالة إلى المتشددين في إيران بأنه "إذا فشلت المحادثات واستؤنف التصعيد عبر الخليج، فلن يظل دور باكستان محصوراً في الوساطة. وهذا قلص هامش طهران في التصعيد المحسوب ضد أهداف الطاقة السعودية".
في لحظة فارقة من تاريخ الشرق الأوسط، وبينما كانت طبول الحرب تُقرع فوق مياه الخليج، برزت إسلام آباد كلاعب محوري استطاع لجم التصعيد أثناء "ساعة الصفر". في هذا الحوار الموسع، يفكك المفكر والباحث السياسي الباكستاني البروفيسور اشتياق أحمد شيفرات التحرك الباكستاني الأخير، كاشفاً عن كواليس "دبلوماسية الساعات الخمس" التي منعت كارثة إقليمية، وتفاصيل تفعيل اتفاق الدفاع الاستراتيجي مع السعودية، الذي نقل العلاقة من "الوعود" إلى "الميدان". يؤكد أحمد وهو أيضاً أستاذ سابق في كل من "جامعة كاليفورنيا" و"أكسفورد" أن باكستان لا تمارس "الحياد السلبي"، بل تتبنى استراتيجية "فصل المهام" التي تزاوج بين الدفاع الصلب عن الرياض والوساطة المفتوحة مع طهران، مشدداً على أن "الرسالة النووية" الباكستانية تظل حاضرة في الأفق كضمانة استقرار ضمنية لا تقبل التأويل.
سألنا اشتياق عن كواليس "دبلوماسية الساعات الخمس"، وكيف نجحت إسلام آباد في تأمين "هدنة الأسبوعين" من كل من الرئيس ترمب وطهران قبل "ساعة الصفر" بوقت محدود؟ فأكد أن "باكستان نجحت في ذلك، لأن الهدنة لم ترتجل خلال خمس ساعات، بل كانت الساعات الخمس الأخيرة مجرد النقطة التي فُعلت عندها قناة معدة مسبقاً تحت أقصى ضغط. بحلول ذلك الوقت، كانت واشنطن أعدت خيارات التصعيد، وكانت طهران أدركت كلفة مزيد من التحدي، وكانت الرياض غاضبة من الهجمات على البنية التحتية للطاقة السعودية، كما أن الصدمة الاقتصادية الإقليمية الناتجة من اضطراب هرمز كانت تتسع بالفعل".
وزاد "أدخلت باكستان صيغة لوقف إطلاق النار مرتبطة بنافذة دبلوماسية وتهدئة بحرية في اللحظة التي كان لا يزال لدى الطرفين مخرج، لكن مع وقت محدود جداً. لهذا جاء القبول سريعاً، فقد عكس تواصلاً سابقاً، لا تحولاً مفاجئاً".
الردع والوساطة
أما السبب الثاني فهو أن بلاده النووية وفق قوله "كانت تتواصل مع جميع الأطراف المعنية في آن. فقد امتلكت قنوات اتصال مع واشنطن وطهران والرياض وأنقرة والقاهرة وبكين، مع الحفاظ على تنسيق القنوات المدنية والعسكرية داخلياً. وهذا منحها ما لم يتوافر لغيرها من وصول فعال في ظروف الحرب".
وكيف فعلت ذلك؟ يضيف "استطاعت تحذير طهران، وطمأنة واشنطن، ومنع مخاوف السعودية من إفشال المسار الدبلوماسي. باختصار، لم "تحل" إسلام آباد الأزمة خلال خمس ساعات، بل منعت انتقالها إلى مرحلة تصبح فيها الدبلوماسية غير ممكنة".
يرى المفكر السياسي الباكستاني أن أبرز ما انتهت إليه محادثات إسلام آباد هو انتقالها من مرحلة التفاوض إلى مرحلة اتخاذ القرار، من دون أن تنهار. ويوضح أن الأطراف توصلت إلى اتفاق إطاري واسع يغطي معظم الملفات، إلا أن العقدة الأساس بقيت في الملف النووي الإيراني، وتحديداً مصير نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المئة. ويقول "إيران تريد الاحتفاظ بهذه الكمية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع إمكانية استعادتها لاحقاً، بينما تصر الولايات المتحدة على نقلها أو وضعها تحت رقابة أشد".
ويضيف أن نقطة الخلاف الثانية تتعلق بمدة القيود المفروضة على التخصيب، إذ تقبل إيران بسقف زمني قصير لا يتجاوز خمس سنوات، في حين تدفع واشنطن نحو ترتيبات تمتد إلى نحو 20 عاماً. ويشير إلى أن "هذه ليست مسائل فنية يمكن تجاوزها بسهولة، بل قضايا سياسية وسيادية تمس جوهر الاتفاق"، معتبراً أن ذلك يفسر سبب توقف المحادثات عند هذه النقطة، من دون أن يؤدي إلى انهيارها أو خروج أي طرف منها.
تنسيق "الرباعية" قبل الجولة الثانية
ويؤكد أحمد أن الهيكل العام للدبلوماسية لا يزال قائماً، وأن مضيق هرمز بات ورقة ضغط مرتبطة بالتوقيت أكثر من كونه مسألة قابلة للحسم الفوري. ويقول إن إيران لا تزال تحتفظ بقدرتها على التلويح بتهديد الملاحة والصادرات الخليجية، فيما تحاول الولايات المتحدة، عبر التصعيد والحديث عن الحصار، سحب هذه الورقة من يد طهران. ومع ذلك، يرى أن جميع الأطراف ما زالت في حاجة إلى منصة إسلام آباد، مضيفاً "لا يوجد حالياً إطار بديل يملك مستوى الوصول والصدقية ذاته، ولذلك أعتقد أن جولة ثانية ستعقد خلال الأيام المقبلة".
تواصل آلية تنسيق وزراء الخارجية - التي تعمل الآن كتحالف رباعي يضم السعودية وباكستان وتركيا ومصر، بقيادة باكستان، توفير الإطار الدبلوماسي اللازم لاستدامة الحوار، في نظر المفكر الباكستاني المقرب من مصادر القرار في بلاده ومراكز الفكر في كل من واشنطن ولندن.
وبعكس المحبطين من انتهاء الجولة الأولى من دون اتفاق، يرى المفكر والباحث السياسي الباكستاني أن التحدي المباشر "يتمثل في الحفاظ على وقف إطلاق النار تحت الضغط، لا سيما حول مضيق هرمز ولبنان، مع تهيئة الظروف للجولة المقبلة. ما تغير هو أن كلا الجانبين يتفاوض الآن من مواقف محددة بدلاً من مطالب مفتوحة، مما يجعل المرحلة التالية أكثر صعوبة، ولكنها أيضاً أكثر تركيزاً"، مؤكداً أن دور باكستان لم يعد مقتصراً على جمع الطرفين على طاولة المفاوضات، وإنما الآن "الإمساك بزمام العملية عند نقطة الخلاف حول آلية وتوقيت الالتزامات النووية. القرارات المتخذة خلال هذه المرحلة ستحدد ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو التسوية أم ستعود إلى التصعيد".
في هذا السياق، أوضح أن رئيس الوزراء الباكستاني سيقوم بزيارة إلى الصين للتحضير للجولة الثانية من المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد خلال الأسبوع المقبل، وذلك بالتنسيق الوثيق مع القيادة السعودية، حيث يحرص الجانبان السياسي والعسكري في باكستان على التشاور المستمر مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ووزير الدفاع. وتشمل التحركات التنسيق مع قطر وتركيا ومصر، في ظل توافق إقليمي واسع تقوده السعودية لحماية أمن المنطقة ومنشآت الطاقة التي تعرضت لاستهداف مباشر.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، قال إن تركيا ستستضيف السبت المقبل اجتماع "اللجنة الرباعية" لوزراء خارجية السعودية وباكستان وتركيا ومصر المنبثقة عن اجتماع الرياض، لتوحيد المواقف الإقليمية قبل انطلاق المحادثات. وتهدف هذه الجهود متعددة المستويات، المدعومة من الصين، إلى بناء زخم إقليمي قوي يضمن نجاح المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران وتقليص فرص التصعيد الميداني، وفق رؤيته.
وجاءت الهدنة في لحظة شديدة التعقيد دولياً، إلى درجة أن النقاشات ذهبت إلى التساؤل عما إن كان تهديد ترمب بـ"تدمير حضارة بأكملها"، كان يعني به محو أجزاء من البلاد بالقنبلة النووية، أم شيئاً آخر أقل تدميراً لكنه مرعب. وهو ما قال يوسف نجل الرئيس الإيراني بزشكيان عبر إحدى تدويناته عن يوميات الحرب، إنه موضع حديث مع والده الذي بدأ يعد خطاباً إلى أمته قبيل ساعة الصفر، واختراق الهدنة الباكستانية.
الإشارات العسكرية
اللافت أن باكستان لم تكتف بالوساطة ولكن تكلمت مع إيران أيضاً بالإشارات العسكرية، فقد أرسلت تزامناً إلى السواحل السعودية الشرقية سرباً من الطائرات المقاتلة المتخصصة في الدفاعات الجوية المتطورة التي تملكها ونحو 13 ألف جندي، في سياق الاتفاق الدفاعي الاستراتيجي مع الرياض. لهذا، سألناه عن الرسالة خلف ذلك، فقال "الرسالة المباشرة أن الهجمات على البنية التحتية الاستراتيجية السعودية لم تعد تُعامل كساحة ثانوية للحرب. من خلال تحريك الأصول الجوية والبرية بموجب اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك لعام 2025، حولت باكستان تحذيراً سياسياً (نُقل قبل ساعات من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ مساء الثلاثاء السابع من الشهر الجاري خلال اجتماع قادة الفيالق برئاسة المشير عاصم منير) إلى وضع عملياتي مرئي".
ورأى أن التوقيت كان مهماً خصوصاً بعد استهداف الجبيل الصناعية، "لأنه أظهر أن الرياض لم تعد تعتمد فقط على الطمأنة الأميركية، بل فُعلت طبقة أمنية إقليمية ثانية ذات صدقية. وهذا يغير الردع، لأنه يضيف فاعلاً جديداً وكلفة جديدة وسلسلة قرارات جديدة إلى أي حساب إيراني"، كما تم توقيت هذه الخطوة للتأثير في الدبلوماسية، وليس فقط على سلوك ساحة المعركة. فقد أشارت إلى المتشددين في إيران بأنه "إذا فشلت المحادثات واستؤنف التصعيد عبر الخليج، فلن يظل دور باكستان محصوراً في الوساطة. وهذا قلص هامش طهران في التصعيد المحسوب ضد أهداف الطاقة السعودية". وطمأن الرياض بأن الدبلوماسية في إسلام آباد لا تتم على حساب الدفاع عن أراضيها. هذا التأثير المزدوج في نظره من خلال ردع طهران وطمأنة الرياض "هو بالضبط سبب أهمية هذا الانتشار استراتيجياً".
شروط الوسيط القوي
عند السؤال عن كيف تحافظ إسلام آباد على توازنها كوسيط لمفاوضات أميركية - إيرانية مع بقائها حليفاً عسكرياً ملتزماً بالدفاع عن السعودية؟ رد بأن إسلام آباد "لا تحافظ على هذا التوازن عبر التظاهر بالحياد. بل تحافظ عليه من خلال فصل الوظائف. فمن جهة، لديها علاقة دفاعية رسمية وعملياتية مع السعودية. ومن جهة أخرى، تحتفظ بإمكانية وصول دبلوماسي مستمر إلى طهران وبصدقية كافية في واشنطن لنقل رسائل مؤثرة"، مشيراً إلى أن المفتاح هو أن هذه الأدوار لا تُدمج خطابياً. لا تقول باكستان لإيران إنها غير معنية بأمن السعودية، ولا تقول للسعودية إن الدبلوماسية مع طهران تعني الحياد في الجانب المتعلق بالعدوان على منشآتها في الجبيل أو الرياض، "بل تتعامل مع المسارين كمسارين متوازيين وضروريين".
وزاد "لهذا نجحت إسلام آباد في هذه الأزمة. كانت طهران تعلم أن باكستان لا يمكنها تجاهل أمن السعودية. وكانت الرياض تعلم أن باكستان لا تتحرك دبلوماسياً ضد مصالح الخليج. وكانت واشنطن تعلم أن باكستان من القلائل القادرين على التحدث مع إيران بجدية. عملياً، أصبحت باكستان منصة لأنها طرف ملتزم يفصل أدواره بانضباط، لا لأنها مراقب محايد".
وحول مدى استيعاب المتشددين في الحرس الثوري الرسالة الباكستانية، بأن استهداف البنية التحتية السعودية سيؤدي إلى رد عسكري باكستاني مباشر، قال إنه سيكون من المبالغة القول إن باكستان "أقنعت" الحرس الثوري بمعنى تغيير رؤيته. لكنها بالتأكيد قلصت هامش تحرك المتشددين. وجاءت إشارة باكستان بعد ضربات الطاقة السعودية أكثر حدة من السابق، لأنها كانت مدعومة بثلاثة عناصر، تموضع عسكري مرئي مرتبط بالسعودية، وتواصل مباشر عبر القنوات المدنية - العسكرية الباكستانية، وضغط دبلوماسي موازٍ عبر قوى كبرى، وبخاصة الصين، مع دور روسي مؤثر في طهران. وهذا جعل أي تصعيد إضافي في الخليج أكثر كلفة وأقل قابلية للتنبؤ بالنسبة إلى إيران.
كان الأثر الحقيقي على الحسابات، لا على الأيديولوجيا، بحسب قوله "فالفصائل المتشددة يمكنها الاستمرار في رفض التسوية، لكنها مضطرة لفعل ذلك تحت خطر أن أي ضربة جديدة على البنية التحتية السعودية قد توسع الحرب وتقلص نفوذ إيران المحدود أصلاً".
وأكد أن هذا المعنى مهم عند هذا التيار في النظام "لأن غريزة الحرس الثوري غالباً ما تكون الحفاظ على النفوذ عبر تصعيد محسوب. ضغط باكستان المنسق رفع احتمال خروج التصعيد عن السيطرة، وهذا ما قيد خيارات المتشددين".
ويرى السفير السعودي السابق لدى إسلام آباد علي عواض عسيري أن جدية باكستان في الدفاع عن السعودية لا يمكن تصورها، فهي على رغم اكتسابها الزخم بالاتفاق الدفاعي، فإنها راسخة أكثر بالعقيدة المتأصلة لدى الجيش الباكستاني بأن أي تهديد عالي الأخطار لأمن السعودية ومقدراتها التنموية، يعد شأناً باكستانياً أيضاً بالنظر إلى دعم الرياض التاريخي إسلام آباد، ورعاية السعودية للحرمين الشريفين.
ويؤكد في حديث مع "اندبندنت عربية" طبقاً لمصادره الخاصة أن جزءاً من اهتمام باكستان بجهود إيقاف الحرب يعود إلى تنسيقها مع الرياض، مشيراً إلى إسلام آباد كانت لها تجربة سابقة في التوفيق بين القوى الكبرى بالنظر إلى موقعها وعلاقاتها المميزة مع الشرق والغرب، فقد التقى عبرها من قبل الصينيين والسوفيات، مع أميركا، ودعمت واشنطن في الحرب على الإرهاب، وسهلت انسحابها من أفغانستان.
التحالفات الكبرى و"الناتو الإسلامي"
عن المحور الرباعي (الرياض وإسلام آباد وأنقرة والقاهرة)، وهل يتطور إلى ولادة "ناتو إسلامي" موثوق، أم أنه مجرد "تحرك تكتيكي" تفرضه ضرورات الحرب الحالية؟ يجيب "في الوقت الراهن، هو اصطفاف تكتيكي، وليس "ناتو إسلامياً". لا توجد بنية معاهدة، ولا قيادة متكاملة، ولا عقيدة دفاع جماعي مماثلة للناتو. الموجود هو تنسيق مهم سياسياً لكنه لا يزال قائماً على قضايا خفض التصعيد، وأمن الخليج، والدبلوماسية، واحتواء حرب إقليمية أوسع. صيغة الرياض – إسلام آباد – أنقرة – القاهرة مهمة لأنها تخلق منصة، لكنها ليست كتلة بعد".
ومع ذلك أقر بأنه يمكن أن تتحول الاصطفافات التكتيكية إلى بنيوية إذا استمرت بعد الأزمة التي أنشأتها، مضيفاً "إذا واصلت هذه العواصم الأربع التنسيق في شأن لبنان وهرمز وأمن الطاقة والنظام الإقليمي بعد الحرب، فقد تذكر هذه الحرب باعتبارها اللحظة التي أفرزت مركزاً استراتيجياً جديداً في العالم الإسلامي. ومع ذلك، سيظل من الأدق وصفه كتنسيق أو محور بدلاً من "ناتو إسلامي".
أما لماذا يثير هذا التقارب العسكري بين باكستان والسعودية وتركيا قلقاً عميقاً في تل أبيب؟ وهل يمتلك هذا التحالف أدوات لفرض نظام إقليمي جديد؟ رجح أن ذلك يعود إلى أن التقارب "يضيف عمقاً استراتيجياً مقابل أجندة إسرائيل، في بيئة تحتفظ فيها بحرية الحركة العسكرية بينما يظل خصومها متفرقين. نمط الضربات الإسرائيلية المستمرة خارج حدودها المباشرة، خصوصاً في لبنان، يعكس نهجاً يقوم على هيمنة التصعيد والردع عبر استخدام القوة. تحالف أكثر تنسيقاً بين باكستان والسعودية وتركيا يعقد هذا النموذج".
لماذا هو كذلك؟ يقول "لأن باكستان تجلب صدقية عسكرية وسمعة ردع نووي، والسعودية تجلب مركزية الخليج وثقل الطاقة، وتركيا تجلب امتداداً إقليمياً وقدرة عسكرية مستقلة. حتى دون بنية تحالف رسمية، يقلل هذا المزيج من قدرة إسرائيل على العمل في بيئة مجزأة ويزيد الكلفة السياسية والعسكرية لتوسيع مسارح الصراع".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مع ذلك، يذهب إلى الواقعية أكثر، فيعتقد أن الاصطفاف الرباعي أو حتى الثلاثي "لا يملك بعد البنية اللازمة لفرض نظام إقليمي جديد، يمكنه التقييد والتعقيد والتأثير، ورفع كلفة التصعيد الأحادي وتعزيز أطر دبلوماسية وأمنية بديلة تفضل الاستقرار على التوسع في الصراع. لكن تشكيل نظام جديد يتطلب عمقاً مؤسسياً وتنسيقاً مستداماً وتوافقاً سياسياً طويل الأمد لا يزال قيد التشكل. في هذه المرحلة، يفهم بصورة أدق كتشكل توازني ناشئ، يتحدى ديناميكيات التوسع لكنه لم يستبدلها بعد".
معركة الأجواء مع الهند غيرت النظرة
بعد التفوق الجوي الباكستاني على الهند عام 2025، رأى البعض أن تلك المعركة الخاطفة ذات الأيام الأربعة، قبل تدخل ترمب لإيقافها، أعادت تقييم الردع التقليدي لإسلام آباد كجناح قوي في المنطقة، لذلك سألت "اندبندنت عربية" السياسي الباكستاني عن أثر ذلك في قواعد الاشتباك داخل الإقليم والمنطقة تعيش حال حرب كبرى، فقال "رُفع بالفعل تقييم الردع التقليدي لباكستان بعد الصراع القصير خلال مايو (أيار) 2025 مع الهند، لأن أداءها الجوي غير كيفية قراءة الآخرين لكفاءتها العملياتية. وهذا مهم في سياق الخليج لأنه يجعل الإشارات الباكستانية أكثر صدقية. فالدولة التي تعززت سمعتها العسكرية أخيراً تكون أكثر إقناعاً عند نشر الطائرات والأطقم والالتزامات الدفاعية في مسرح أزمة".
وكان لذلك تأثير إدراكي أوسع في اعتقاده على مستوى دولي أكبر، ذلك أن "أداء الأنظمة الصينية في يد باكستان جذب انتباهاً متجدداً في واشنطن إلى صدقية التكنولوجيا العسكرية الصينية، متجاوزاً افتراضات سابقة في إطار الهند - المحيط الهادئ التي وضعت الهند كقوة موازنة رئيسة للصين. وهذا أحدث تحولاً دقيقاً في تقييم صناع القرار الأميركيين لكل من القدرات والتوازن. ومع ذلك، لا ينبغي تضخيم ذلك إلى عقيدة تحالف".
وأضاف "نعم القوة التقليدية الباكستانية تعزز الوزن المتصور لأي اصطفاف مع الرياض، لكنها تظل في المقام الأول أصلاً وطنياً. ما تغير ليس ظهور كتلة جديدة، بل الاعتراف بباكستان كفاعل أمني أكثر قدرة وصدقية مما كان يُفترض سابقاً. وينعكس هذا التقييم أيضاً في الأزمة الحالية مع إيران، إذ كان تواصل الولايات المتحدة مع القيادة العسكرية الباكستانية مباشراً ومستمراً، مما يعزز دورها ضمن التوازن الإقليمي المتغير".
كانت المواجهة بين الهند وباكستان، شهدت تضارب الروايات حول التفوق الجوي، إذ أعلنت إسلام آباد إسقاط خمس مقاتلات هندية وعشرات المسيّرات، بينما شككت نيودلهي في هذه الأرقام ووصفتها بالمبالغ فيها، ما أبقى الجدل قائماً حول دقة النتائج وميزان التفوق الفعلي.
مفاهيم "القنبلة الإسلامية" مرفوضة!
هناك كثير من التكهنات حول ترسانة باكستان النووية كوسيلة ردع لمصلحة الرياض، فجاء السؤال حول إمكانية نشر رؤوس نووية أو وحدات مزودة بالقدرة داخل السعودية كصورة من صور الردع الممتد، أم أن التعقيدات القانونية والعملياتية تجعل ذلك غير ممكن؟ وعلق المفكر الباكستاني والعضو في مجالس سياسية عدة في البلاد بأن "التعقيدات القانونية والعملياتية تجعل ذلك غير ممكن في الظروف الحالية. فالأسلحة النووية ليست مجرد أدوات عسكرية، بل ترتبط بالتزامات معاهدات، وأنظمة قيادة وتحكم، وقيود على التموضع، وأخطار تصعيد، واعتبارات شرعية دولية. السعودية موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وقد التزمت باستمرار بهدف شرق أوسط خال من السلاح النووي، مع السعي في الوقت ذاته إلى برنامج نووي مدني لتنويع مصادر الطاقة".
ورجح أن أي نشر فعلي لأصول نووية داخل السعودية "سيتعارض مع هذا الموقف المعلن ومع الإطار الدولي الأوسع، وسيؤدي إلى تداعيات دبلوماسية واستراتيجية كبيرة". ولهذا، تبقى مثل هذه الأفكار في نطاق التكهنات وليس التخطيط العملياتي، بحسب تقديره.
ويشير إلى أهمية الفصل بين التصور والسياسة. فبينما حظي امتلاك باكستان للسلاح النووي بنظرة إيجابية في بعض أوساط العالم الإسلامي، إلا أن كلاً من إسلام آباد والرياض "رفضتا باستمرار مفاهيم مثل ’القنبلة الإسلامية‘". الترتيب الدفاعي الاستراتيجي الحالي هو ترتيب دفاعي صريح يهدف إلى الردع وليس إلى تقاسم أو نقل القدرات النووية. تكمن قيمته في مستوى الردع الضمني، فالشراكة بين دولة إسلامية كبرى ودولة تمتلك سلاحاً نووياً تشير إلى أن التصعيد بعد حدود معينة سيحمل تبعات أوسع. أما ما يتجاوز ذلك، فإن أي طرح لنشر نووي رسمي أو ردع ممتد بالمعنى التقليدي ليس عملياً ولا يتماشى مع السياسات المعلنة للطرفين".
فتور العلاقة مع الإمارات
عند سؤال "اندبندنت عربية" اشتياق عن الأسباب الجذرية لسوء الفهم بين إسلام آباد وأبوظبي؟ وهل يلعب تقارب الأخيرة مع الهند دوراً في هذا الفتور الدبلوماسي؟ لم يتردد في القول "نعم، علاقات أبوظبي مع الهند جزء من الصورة، لكنها ليست الصورة كاملة".
وأضاف "القضية الأعمق هي تباين استراتيجي، فقد اقتربت الإمارات أكثر من إسرائيل واعتمدت نهجاً إقليمياً أكثر حدة داخل عدة ساحات. أما باكستان، في هذه الأزمة، وضعت نفسها كدولة قناة خلفية تسعى إلى استقرار الحرب والحفاظ على مساحة للدبلوماسية. هذه توجهات استراتيجية مختلفة. كما أن الاحتكاكات المالية، بما في ذلك التشدد في السداد، تعكس هذا التباعد الأوسع".
بالتالي، فإن "سوء الفهم" يفهم بصورة أدق على أنه عدم تطابق في الاصطفافات الإقليمية، وليس قطيعة ثنائية، وفق ما يؤكد، "فالإمارات ليست ضد باكستان بصورة مباشرة، لكنها تتحرك وفق خريطة استراتيجية مختلفة أكثر تقارباً مع إسرائيل، وأكثر براغماتية تجاه الهند، وأقل انخراطاً في مسار الوساطة الذي تقوده إسلام آباد".
في حين يتساءل عدد من المهتمين بعد الاتفاق الدفاعي الاستراتيجي بين الرياض وإسلام آباد، عما إذا كانت تلك الخطوة تمهد للاعتماد على القدرات الذاتية والشراكات الإقليمية عوضاً عن الإطار الأمني الأميركي الذي يتأثر بتقلبات السياسة في واشنطن؟ ويقر الباحث الاستراتيجي بأن "باكستان ليست بديلاً عن أميركا في السعودية أو الخليج من حيث الحجم العسكري، أو القوة البحرية، أو البنية الاستخباراتية، أو الامتداد العالمي. لا تزال الولايات المتحدة توفر قدرات لا تستطيع أي دولة إقليمية تكرارها. لذا، بهذا المعنى الصارم، لا، لن تحل باكستان محل الإطار الأمني الأميركي".
لكن أحمد لفت مع ذلك إلى أن بلاده "أصبحت شيئاً لا تستطيع الولايات المتحدة أن تكونه بسهولة في هذه الأزمة على سبيل المثال، وسيطاً إقليمياً موثوقاً يجمع بين الصدقية الدفاعية والمرونة الدبلوماسية. وهذا مهم لأن دول الخليج تحتاج بصورة متزايدة إلى الاثنين معاً. يمكن لواشنطن أن تردع، لكن باكستان تستطيع أحياناً منع الردع من التحول إلى تصعيد غير قابل للسيطرة. لذا، فالإجابة الحقيقية ليست الاستبدال، بل التكامل"، فباكستان تزداد قيمة كشريك أمني إقليمي تحديداً لأن واشنطن أصبحت أكثر تقلباً.
الملفات الاقتصادية وحكاية الوديعة
كيف جرى تفسير خطوة السعودية في تسوية "وديعة الإمارات" نيابة عن باكستان؟ ويشير ذلك إلى تحول يراعي الظرف القائم في المنطقة، "كانت باكستان تحت ضغط خارجي حاد، بما في ذلك سداد 3.5 مليار دولار للإمارات ضمن قيود برنامج صندوق النقد الدولي، وإبداء أبوظبي استعداداً محدوداً لإعادة التمديد. اختارت إسلام آباد المضي في السداد بدل إعادة التفاوض تحت الضغط، وهو ما يعكس أيضاً تبايناً أوسع في التوقعات".
في هذا السياق، يرى أن دعم السعودية وقطر البالغ 5 مليارات دولار لم يكن مساعدة موازنة اعتيادية، بل "كان تثبيتاً موجهاً أثناء لحظة حرجة، لضمان قدرة باكستان على الاستمرار في دورها الدبلوماسي والأمني دون اضطراب".
وفي الوقت ذاته، يعتقد أنه يجب النظر إلى ذلك ضمن سياق أوسع. فقد ظل انخراط السعودية الاقتصادي مع باكستان خلال الأعوام الأخيرة محصوراً إلى حد كبير في تمديد الودائع، بحسب قوله. حتى مع بدء استقرار التعافي الاقتصادي الباكستاني وقت الحكومة الحالية.
Saudi Arabia Announces USD 3 Billion Additional Support, Extends USD 5 Billion Deposit: Finance Minister
Federal Minister for Finance and Revenue, Senator Muhammad Aurangzeb, has informed that the Kingdom of Saudi Arabia has committed USD 3 billion in additional deposits, with… pic.twitter.com/E8dXPg6g9Y
— Ministry of Finance, Government of Pakistan (@Financegovpk) April 15, 2026
ونقل أن "هناك تصوراً واضحاً في باكستان بأن التوافق الأمني مع الرياض قد تعزز، وهو ما يظهر الآن بوضوح في الالتزامات الدفاعية، لكن الشراكة الاقتصادية لم تترجم بالكامل على أرض الواقع. إعلانات مثل مشروع المصفاة المقترح بقيمة 10 مليارات دولار عام 2019، وحزمة 5 مليارات دولار خلال مارس (آذار) 2024، والوفود الاستثمارية السعودية رفيعة المستوى اللاحقة، لم تسفر بعد عن نتائج استثمارية كبيرة ملموسة".
غير أنه عاد وأكد أن الدعم من الرياض إلى جانب قطر بسداد الوديعة الإماراتية "يعكس اصطفافاً استراتيجياً وتوجهاً نحو تقاسم الأعباء. ومع ذلك، لكي تتطور هذه العلاقة إلى شراكة عضوية كاملة، سيتعين الانتقال من الاستقرار عبر الودائع إلى الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي. سد هذه الفجوة بين الالتزام الأمني القوي والتنفيذ الاقتصادي الملموس سيحدد المرحلة التالية من العلاقة السعودية – الباكستانية".
ويشير السفير السعودي السابق لدى باكستان إلى أن حكومة بلاده كانت على تواصل دائم مع إسلام آباد والوقوف معها في كل أزمة صعبة مرت بها، منذ التأسيس حتى اليوم، وهو ما شهد به رئيس الوزراء شخصياً شهباز شريف عبر أحدث تصريحاته، عن الدعم السعودي لبلاده.
ونقلت "رويترز" اليوم الأربعاء عن مسؤولين باكستانيين وسعوديين، تقديم الرياض دعماً إضافياً قيمته 3 مليارات دولار إلى باكستان، لتثبيت ملاءتها الاقتصادية وتعزيز احتياطات النقد الأجنبي لديها، بما يدعم ميزان الحساب الخارجي في البلاد.
المظلة السياسية والاقتصادية تقابل العسكرية
في مقابل توفير مظلة دفاعية للخليج، ما الذي يتوقع من الرياض في دعم إسلام آباد في شأن نزاعاتها الحدودية مع الهند والتوترات المستمرة مع "طالبان" في أفغانستان؟ وعن ذلك يقرر أحمد أنه "لا ينبغي أن تتوقع باكستان من السعودية أن تعكس دورها الأمني بهذه الصورة الآلية، فمن غير المرجح أن تدخل الرياض بصورة مباشرة في نزاعات باكستان مع الهند أو "طالبان"".
واعتبر أن التوقع الواقعي أكثر استراتيجية منه عملياتي، من خلال "دعم دبلوماسي عند الحاجة، وتعاون استخباراتي، واستقرار مالي خلال الأزمات، ودعم لقدرات باكستان الدفاعية والصناعية والاقتصادية. هكذا تعمل المعاملة بالمثل عادة في مثل هذه العلاقات. وفي جميع الأحوال، فإن الصراع المحدود في مايو 2025 مع الهند والتوترات الأخيرة مع ’طالبان‘ تظهر أن باكستان قادرة على إدارة الجبهتين بنفسها ولا تحتاج إلى دعم عسكري سعودي مباشر بموجب اتفاق الدفاع المشترك".
ويرجح أنه بوسع الرياض تفعيل الاتفاق الدفاعي من جانبها عبر "تقليل الضغط الاستراتيجي المتعدد، فقلق باكستان لا يتمثل فقط في الهند أو أفغانستان بصورة منفصلة، بل في الضغط التراكمي من جبهات متعددة. إذا ساعد الدعم السعودي في استقرار باكستان اقتصادياً وتعزيز مكانتها الإقليمية، فإن ذلك يحسن بصورة غير مباشرة قدرتها على إدارة الجبهتين الشرقية والغربية. لذا، فإن المعاملة بالمثل ستكون ذات معنى بهذه الصورة، وليس على نحو مشابه للذي تقوم به إسلام آباد"، وفق ما يقدر أن البلدين ينظران به إلى طبيعة التكامل في علاقتهما.
وعن كيف يمكن للبلدين تفعيل "اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك 2025" في وقت السلم، والانتقال من سياسة "إدارة الأزمات" أو "إطفاء الحرائق" الحالية؟ يقدر أحمد أن أفضل شيء يمكن القيام به، هو "إضفاء الطابع المؤسسي على الاتفاق في وقت السلم من خلال آليات دائمة، بدلاً من تفعيله بصورة متقطعة".
وعلى رغم أن الاتفاق الدفاعي تزامن رسمياً مع أزمة سبتمبر (أيلول) 2025 بعد الهجوم على قطر، فإنه يمثل ذروة علاقة دفاعية طويلة ومتنامية بين باكستان والسعودية، تعود إلى الستينيات وتعززت عبر السبعينيات وكل عقد لاحق.
يتفق الجانبان على أن ما تطور مع الوقت من مهام تدريبية إلى تعاون منظم منذ التسعينيات رُفع الآن إلى إطار استراتيجي رسمي، "وهذا يرفع مستوى التنسيق إلى ما هو أبعد من الممارسات السابقة" بحسب اشتياق، الذي يرى الأمر يتطلب تخطيطاً مشتركاً منتظماً، وبروتوكولات محددة مسبقاً للدفاع الجوي وحماية البنية التحتية، ودمجاً استخباراتياً لتهديدات الخليج البحرية والصاروخية، ودورات انتشار دورية تُطبَّع بدلاً من الارتجال. إذا بقي مجرد وثيقة أزمة، فسيظل تفاعلياً، أما إذا تطور إلى إطار عمل فعلي، فسيصبح ردعاً قائماً بذاته.
ويخلص إلى أن "الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان الطرفان قادرين على ربط التخطيط الأمني بمرونة إقليمية طويلة المدى. إذا نجحا، فسيتجاوز الاتفاق الحرب الحالية. وإذا لم يحدث ذلك، فسيظل أداة مفيدة لكنها متقطعة".