ملخص
مع اتساع رقعة التوتر وفشل المفاوضات أو تعثرها على الأقل، تبرز مخاوف حقيقية من انزلاق المنطقة إلى مواجهة خارجة عن السيطرة، بعد أن طاولت التهديدات المتبادلة منشآت حيوية ومناطق مدنية وسكنية، خصوصاً في دول الخليج المحايدة، والتي تمثل شرياناً أساسياً لإمدادات الطاقة العالمية.
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها مسارات الحرب والدبلوماسية، تتحرك السعودية على أكثر من جبهة، واضعة أمنها الوطني واستقرار المنطقة في صدارة أولوياتها. وبينما تتواصل الجهود السياسية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد لاحتواء التوترات المتصاعدة على رغم فشل المفاوضات أو تعثرها في الأقل، تتخذ الرياض خطوات ميدانية تعزز جاهزيتها الدفاعية، في رسالة واضحة بأن الدبلوماسية لا تُغني عن الاستعداد، وأن التوازن بين المسارين بات ضرورة في ظل مشهد إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الدفاع السعودية أمس السبت وصول قوة عسكرية من جمهورية باكستان الإسلامية إلى قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية في القطاع الشرقي، ضمن اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك الموقع بين البلدين. وأوضحت أن القوة تتكون من "طائرات مقاتلة ومساندة تابعة للقوات الجوية الباكستانية"، مشيرة إلى أن الخطوة تستهدف تعزيز التنسيق العسكري المشترك، و"رفع مستوى الجاهزية العملياتية بين القوات المسلحة في البلدين، بما يدعم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي".
بين المفاوضات والقتال
ويقرأ المحلل العسكري السعودي العميد فيصل الحمد التحرك السعودي- الباكستاني الجديد على أنه "خطوة ردع أكثر من كونها تحضير لهجوم على أي طرف"، مؤكداً أن هذا التحرك له دلالة عملياتية يفهمها المتخصصون، "فبما أن الطائرات استضافتها في المنطقة الشرقية، فهي رسالة عسكرية، وأن المناطق السعودية القريبة من مناطق القتال يتم دعمها بحماية جوية إضافية من قوة جوية محترفة تحت إطار اتفاق دفاع مشترك".
وحول حجم الردع المستهدف ونوعه من هذا التعزيز العسكري، يؤكد الضابط المتقاعد أن "الرسالة موجهة إلى أي طرف يسعى إلى استهداف البنية التحتية في السعودية أو إضافة مزيد من الضغوط على الخليج، خصوصاً مع مرحلة التفاوض المنعقدة في إسلام آباد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأعلنت باكستان بعيد توقيع الاتفاق في سبتمبر (أيلول) عام 2025، أن قدرات ردعها النووية ليست استثناء هي الأخرى من الاتفاق، وأنها رهن إشارة السعوديين.
ومع تأكيد وزارة الدفاع وصول طائرات مقاتلة إلى قاعدتها في الظهران، إلا أنها لم تكشف عن أنواعها أو عددها. في حين أشارت مجلة فورتشن المتخصصة إلى أن الطائرات من طراز JF-17، تُعد النسخة الأحدث JF-17 Block III، المطورة بالتعاون مع الصين، وتوصف بأنها منصة قتالية تمتلك قدرات مهمة تشمل رادار AESA وصواريخ بعيدة المدى PL-15E يتجاوز مداها 145 كيلومتراً، إلى جانب مدى قتالي يقارب 900 كيلومتر، وفقاً لمواصفات مجمع باكستان للطيران، ما يتيح تغطية المنطقة الشرقية ومعظم الخليج انطلاقاً من الظهران، وقد سبق عرضها في معرض الدفاع العالمي بالرياض ضمن حملة تصدير، ما أتاح للسعودية الاطلاع على إمكاناتها عن قرب.
المحلل السياسي سعد الحامد يرى أن وزارة الدفاع في بلاده بإعلانها عن القوة الباكستانية على سواحلها الشرقية، أرادت على الأرجح "إظهار مستوى متقدم من الثقة الاستراتيجية بين البلدين" ويضيف أن "وصول القوة الجوية الباكستانية في هذا التوقيت ليس إجراءً روتينياً، بل رسالة مزدوجة، دعم للمسار السياسي من جهة، وتعزيز للجاهزية العسكرية من جهة أخرى". ويؤكد أن الرياض بوصفها تتحرك وفق مقاربة واقعية، تدرك أن "المفاوضات قد تنجح أو تتعثر، ولذلك ترفع من جاهزيتها لحماية منشآتها الحيوية، خصوصاً في قطاع الطاقة".
ويتقاطع مع العميد حمد في النظر إلى الخطوة في بعديها الرمزي والردعي، فهي "تضع الأطراف الأخرى أمام معادلة جديدة مفادها بأن أي تهديد لأمن المملكة سيقابل بتوسيع دائرة التعاون الدفاعي مع حلفائها".
وتعود جذور هذا التحرك للاتفاق الدفاعي الذي وقعته السعودية وباكستان في سبتمبر 2025، بغية تعزيز التعاون العسكري وتبادل الخبرات ورفع مستوى التنسيق في مجالات الدفاع الجوي والأمن الإقليمي، وشكّل امتداداً لعلاقة تاريخية بين البلدين، تقوم على شراكة استراتيجية طويلة الأمد، تشمل التعاون العسكري والتدريب وتبادل المعلومات.
ومع تصاعد التوترات في المنطقة بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، بدا واضحاً أن هذا الاتفاق لم يكُن مجرد إطار نظري، بل أداة عملية قابلة للتفعيل عند الحاجة، مما يتجسد اليوم على أرض الواقع.
ميزان القوى والردع
بالتوازي، تشهد إسلام آباد حراكاً دبلوماسياً مكثفاً على رغم الحديث عن فشل الجولة الأولى من المفاوضات، حيث تستضيف محادثات معقدة بين أطراف الصراع، وسط دعم سياسي سعودي بارز وحضور دولي لافت. وتقوم باكستان بدور الوسيط، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، في محاولة للوصول إلى صيغة تهدئة توقف دوامة التصعيد.
وعلق اللواء المتقاعد خالد بن شويل على حضور القوة الجوية الباكستانية الذي يعتبر أول تفعيل بارز على الأرض لاتفاق الدفاع المشترك بين البلدين، بأن تنسيق الرياض وإسلام آباد تجاوز الأطر التقليدية ليصبح صمام أمان للمنطقة بأسرها.
وأضاف ضمن تدوينة على حسابه في "إكس" أن العلاقات المتينة واتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية، "بوصفها قائدة إسلامية وإقليمية، وجمهورية باكستان الإسلامية، الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك الجيش الأكبر والسلاح النووي، ليسا مجرد إجراء شكلي أو بروتوكولي، بل إشارة جيوسياسية حازمة للمنطقة في ظل تزايد التوترات، وإعلان صريح عن تشكيل محور قوة جديد وتحالف استراتيجي قادر على تغيير موازين القوى وصد التهديدات المحتملة."
وتشير المعطيات إلى أن المفاوضات بين إيران وأميركا التي يحضرها حلفاء الطرفين أيضاً مثل الصين وروسيا والرياض وقطر لا تقتصر على وقف إطلاق النار وحده، بل تسعى إلى بناء أطر إقليمية جديدة تعيد ضبط التوازنات وتمنع تكرار الأزمات، في وقت لا تزال فرص النجاح قائمة، لكنها محاطة بكثير من الحذر والشكوك.
وفي هذا الصدد رجح المحلل العسكري الحمد أن توقيت إعلان الدفاع السعودية عن قوة جوية باكستانية رابضة على بعد أميال من مواطن احتدام المعارك، له رسالة سياسية أيضاً لا تنكر، إذ تشدد على أن "الرياض لا تتحرك منفردة، بل تمتلك شبكات دفاعية قابلة للتطبيق، مما ينطبق على إسلام آباد أيضاً".
خيارات متعددة
تعود خلفيات الصراع للتوتر المزمن بين إسرائيل وإيران الذي شهد خلال الفترة الأخيرة تحولات نوعية مع دخول طهران بصورة أكثر مباشرة في معادلة الصراع. فقد اتخذت المواجهة أبعاداً تتجاوز الحرب بالوكالة، لتشمل عمليات واستهدافات متبادلة، مما رفع منسوب القلق الإقليمي والدولي.
ومع اتساع رقعة التوتر، برزت مخاوف حقيقية من انزلاق المنطقة إلى مواجهة خارجة عن السيطرة، بعد أن طاولت التهديدات المتبادلة منشآت حيوية ومناطق مدنية وسكنية، خصوصاً في دول الخليج المحايدة، والتي تمثل شرياناً أساسياً لإمدادات الطاقة العالمية.
في هذا المشهد المعقد، تبدو الخطوة السعودية باستقبال قوة جوية باكستانية جزءاً من استراتيجية أوسع، تقوم على تحصين الداخل وردع التهديدات ودعم الجهود السياسية في آن واحد. فالمملكة، كما يؤكد الحامد، "لا تراهن على خيار واحد، بل تدير توازنات دقيقة بين القوة والدبلوماسية"، مضيفاً أن "حماية أمن الطاقة واستقرار الإمدادات يمثلان أولوية قصوى، ليس فقط للمملكة، بل للاقتصاد العالمي بأسره".
وبينما تستمر المفاوضات في إسلام آباد حتى بعد تعثر جولتها الأولى، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة، لكن المؤكد أن الرياض تتحرك بثبات، مستندة إلى شبكة تحالفات قوية ورؤية استراتيجية تسعى إلى احتواء الأخطار وصناعة الاستقرار.
وكانت باكستان بعثت رسائل حازمة عدة إلى طهران أثناء استهدافها السعودية بمئات الصواريخ والمسيّرات الشهر الماضي، ذكّرت فيها جارتها الفارسية بأنها ليست محايدة، إذا ما تعلق الأمر بتهديد أمن الرياض، حليفتها الاستراتيجية.
مضيق هرمز
وهل يقتضي ذلك دخول باكستان ودول الإقليم في إجهاض مطامع إيران بفرض معادلة جديدة وقيود في مضيق هرمز الحيوي، بما أحوج إلى رسالة ردع عسكرية إقليمية؟
يعلق العميد فيصل الحمد في هذا السياق بأن "المفاوضات السياسية المعقودة في إسلام آباد بحاجة إلى رسالة عسكرية واضحة تتضمن قوة الردع. ونستطيع قراءتها بمفهوم أكثر وضوحاً ومبني على اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك، بأن الرياض حاضرة سياسياً في المفاوضات، كما أن إسلام آباد حاضرة عسكرياً لدعم الأمن في الخليج".
وكانت السعودية شددت على رفض الحرب ضد إيران أول الأمر، إلا أن استهدافها من جانب الحرس الثوري وميليشيات وأذرع طهران الإقليمية، جعلها تصعد لهجتها ضد طهران، قبل أن تقود تحركاً دبلوماسياً وإقليمياً لإيقافها بالتنسيق مع تركيا ومصر وباكستان كبرى دول الإقليم، خلال اجتماع عقد في إسلام آباد، لإنضاج جهود الوساطة التي استجاب لها الجانبان الأميركي والإيراني اللذان أصبحا راغبين في وضع حد للصراع الدموي، عالي الكلفة على المتحاربين والمنطقة والعالم.
يذكر أن المواجهة العسكرية بين الهند وباكستان في مايو (أيار) 2025، المعروفة بـ"حرب الأيام الأربعة"، أعادت تقييم العالم لقدرات إسلام آباد، ليس فقط كقوة نووية بل أيضاً كقوة جوية فاعلة. فقد شهدت تصعيداً استهدف العمق بتبادل ضربات صاروخية وجوية، بدأت بعملية هندية وردّت باكستان بعملية "البنيان المرصوص"، قبل أن تنتهي بوساطة أميركية. وخلالها، أظهرت باكستان جاهزية وتكاملاً عملياتياً لافتاً منحها تفوقاً فاجأ المراقبين، وعزز مكانة سلاحها الجوي في معادلات الردع الإقليمي.