ملخص
اليسار الأوروبي يستعيد زخمه مع تعثر اليمين في فرنسا وإيطاليا والدنمارك. مكاسب المدن، وتراجع اليمين بسبب سوء الإدارة والخلافات، تعيد رسم المشهد السياسي، فيما يثبت اليسار قدرته على تقديم رؤية أكثر تفاؤلاً وواقعية.
يشهد اليسار الأوروبي اليوم ما يمنح مناصريه سبباً وجيهاً للتفاؤل. فهذه الأحزاب، على امتداد القارة، هي التي تنجح في تحقيق المكاسب الانتخابية الفعلية. وفي الأسابيع الماضية تحديداً، مُني اليمين بسلسلة نكسات متتالية في فرنسا والدنمارك وإيطاليا. ولا تكمن أهمية ذلك في أن اليمين بلغ حدوداً يصعب تجاوزها فحسب، بل في أن اليسار أثبت قدرته على صياغة "وصفة ناجحة" للانتصار في زمن يتصدره دونالد ترمب وخطابه الشعبوي.
في فرنسا تبدو المؤشرات مشجّعة لليسار. فاحتمال وصول حزب مارين لوبان إلى الإليزيه بات مستبعداً. فقد كشفت الانتخابات البلدية الأخيرة أن الحزب اليميني المتطرف ما زال محاصراً بسقف من المقبولية العامة، إضافة إلى سمعته المتردية في إدارة البلديات، فضلاً عن تصويت تكتيكي متكرر ضده. وكان على "التجمع الوطني" أن ينتزع كبرى المدن الفرنسية ليظهر كخيار حتمي قبل انتخابات 2027، لكنه فشل في ذلك. فقد رفضت مرسيليا منحهم ثقتها، وتفوقت عليهم تولون بفارق بسيط، فيما أزاحت نيم عمدتها اليميني. صحيح أنهم فازوا في كاركاسون ونيس، لكن هذه المكاسب تبقى أقل بكثير مما يحتاجون إليه لإثبات أنهم يتجهون فعلاً نحو السلطة.
شهدت باريس فشل اليمين على أكثر من صعيد. لقد كشف فشل رشيدة داتي في إطاحة خليفة آن هيدالغو الاشتراكي إيمانويل غريغوار أن اليسار الباريسي يتبع نهجاً ناجحاً. بفضل إرث هيدالغو المتمثل في زيادة المساحات المخصصة للمشاة في الشوارع وإنشاء ممرات للدراجات ونشر المساحات الخضراء، تحولت باريس إلى نسخة أكبر من أمستردام، وإلى مدينة أصبحت فيها الدراجات الآن تقوم بضعف عدد الرحلات التي تقوم بها السيارات. وأظهرت باريس صراحة غير معتادة في اختيار الفائزين والخاسرين بالنسبة إلى اليسار الوسط الأوروبي، مفضلة الشباب على الطبقة البرجوازية التي تمتلك السيارات. وعلى رغم الهجوم الشامل الذي شنه اليمين الفرنسي وحلفاؤه في وسائل الإعلام، أيد الباريسيون الاستمرار في هذا المشروع، مما شكل صدمة لليمين الفرنسي الذي كان يأمل في إسقاطه. ربما يشعر الناخبون أن القيام بأعمال طيبة قد خلق حاجزاً صعباً آخر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يشبه فوز اليسار في باريس إلى حد ما فوز روب جيتن في هولندا. فقد أدى تفاؤله، المقترن بحماسة جيل الألفية الداعم للتوسع العمراني (yimby) في مدن جديدة، إلى وصوله إلى منصب رئيس الوزراء بعدما فشل حزب جيرت فيلدرز فشلاً ذريعاً في إدارة الحكومة الائتلافية. ما تُعلمنا إياه التجربتان الفرنسية والهولندية هو أنه عندما يبدي اليسار تفاؤلاً، بينما تتلطخ سمعة اليمين بسبب عدم كفاءته، فإن اليسار يخرج منتصراً.
وفي الوقت نفسه، في إيطاليا، أدت هزيمة جورجيا ميلوني في الاستفتاء على الإصلاح الدستوري للسلطة القضائية إلى تحطيم صورة قوتها المطلقة. فخلافاً للتوقعات، أبدى الناخبون الإيطاليون تحفظاً إزاء منح الحكومة مزيداً من الصلاحيات على المحاكم في إطار نقاش وطني سمح لليسار بالتحذير من أن الأمور قد تجر إيطاليا إلى مصير المجر في عهد فيكتور أوربان، وبالطبع أميركا في عهد دونالد ترمب. وتشكل خسارة ميلوني، في ظل حرب ترمب المرفوضة بشدة التي تفتقر إلى التخطيط بصورة صادمة ضد إيران والتي يتسارع تأثيرها الاقتصادي الهائل نحو أوروبا في هذه اللحظة، نقطة تحول في إيطاليا. فقد انتقل ترمب من كونه مصدر قوة إلى عبء على رئيسة الوزراء.
وينطبق الأمر نفسه على الدنمارك، بل وبشكل أقوى. قبل عام، كان اليمين الدنماركي متفائلاً للغاية بعودته إلى السلطة. لكن التقلبات الجيوسياسية التي مرت بها البلاد منذ ذلك الحين، مع تهديدات ترمب بضم غرينلاند، قضت على تلك الآمال. ووصل الأمر حد إرسال قوات دنماركية لإحكام السيطرة على تلك الجزيرة المتجمدة التي تبلغ مساحتها حجم قارة، والخاضعة لسيادة كوبنهاغن، إلى جانب وضع خطط لتفجير مدارجها بغية منع غزوها بسهولة. صحيح أن ميته فريدريكسن وكتلتها لم يحققوا الأغلبية، ومن المؤكد أننا مقبلون على مفاوضات شديدة التوتر لتشكيل ائتلاف، لكن اليمين في الدنمارك، كما في إيطاليا، دفع ثمناً باهظاً بسبب ميوله الترمبية.
الحقيقة هي أن هناك كثيراً من التشاؤم في الدول الناطقة باللغة الإنجليزية في شأن آفاق اليسار العالمي. ويرجع ذلك إلى حد كبير في رأيي، إلى الخوارزمية المستخدمة على منصة "إكس" التي تروج للمحتوى اليميني وتحدد نبرة السردية للصحفيين. منذ عودة ترمب إلى السلطة، أظهرت كل من كندا وأستراليا والنرويج كيف يمكن للليبراليين واليسار أن ينتعشوا ويحققوا انتصارات ساحقة في الانتخابات. فقد فازوا في البلدان الثلاثة من خلال تركيزهم على تكاليف المعيشة وتبنيهم موقفاً متحفظاً بعض الشيء تجاه الولايات المتحدة، في حين اتخذوا موقفاً صارماً في ما يتعلق بالحدود والأمن.
إذاً، ما الذي يضيفه اليسار الأوروبي إلى هذه الصيغة، بينما نحن الآن في عصر حرب ترمب؟ ليس من الصعب ربط كل هذه العناصر معاً. بعض من تفاؤل جيتن الهولندي، وبعض من جهود هيدالغو الباريسية لتجميل الأماكن العامة، وبعض من رسالة فريدريكسن الدنماركية المتعلقة بالأمن، كل ذلك يؤتي ثماره، في الوقت الذي يكتشف فيه اليمين أن دونالد كان رهاناً سيئاً للغاية بالنسبة إلى صورتهم. يجب على حزب العمال البريطاني أن يأخذ ذلك في الاعتبار مع اقتراب الانتخابات لدينا في مايو (أيار) المقبل.
© The Independent