Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أسباب غير متوقعة لانتشار ترند "ريري رول" في الخليج

انتشار مفاجئ لمحتوى بسيط مدفوع بالإرهاق الإخباري والعدوى الاجتماعية وجاذبية النكهات المتباينة

عند انتشار أي ترند، تميل شريحة واسعة إلى تقليده بسرعة بفعل ما يعرف في علم السلوك بـ"العدوى الاجتماعية" (اندبندنت عربية)

ملخص

مقطع عفوي من تبوك تحوّل إلى ترند خليجي واسع، مدفوعاً بالإرهاق الإخباري، والحاجة إلى محتوى خفيف، وتأثير العدوى الاجتماعية، إضافة إلى جاذبية مزيج الحلو والمالح الذي شجع على التجربة والانتشار.

في نهاية مارس (آذار) الماضي، نشرت موظفة من مقهى دانكن دونات في مدينة تبوك، شمال السعودية، مقطعاً وهي تعمل على تحضير مزيج بسيط: دونات بالقرفة مع جبن "فلاديفا" إلى جانب كوب من القهوة السوداء، ناصحة متابعيها على منصة "تيك توك" بتجربته. فيديو عفوي داخل أحد الفروع، بلا إعداد مسبق أو إنتاج احترافي، تحول خلال أيام إلى ظاهرة واسعة، تجاوزت مشاهداته 10 ملايين، مع أكثر من 230 ألف إعجاب وآلاف التعليقات والمشاركات، وامتد تأثيره إلى دول الجوار. يعكس هذا الانتشار حاجة الجمهور، في أوقات التوتر، إلى محتوى خفيف يشكل متنفساً نفسياً بعيداً من ثقل الأخبار.

في وقت تتزاحم فيه الشاشات بالأخبار العاجلة وصور التوتر المتلاحقة، برز هذا المقطع العفوي بشكل لافت، وكأنه خارج سياق الضجيج العام. لا قصة معقدة ولا إنتاج مدروس، بل لحظة يومية بسيطة استطاعت خلال ساعات جذب الانتباه على نطاق واسع. وربما تكمن المفارقة في أن هذا الانتشار لم يحدث رغم حالة التوتر، بل نتيجة لها، إذ بدا أن الجمهور يبحث عن مساحة خفيفة يبتعد فيها موقتاً عن ثقل المشهد.

تفسير الانتشار

لا يمكن قراءة ما حدث بوصفه "ترنداً" عابراً فقط، بل انعكاس مباشر لسلوك الجمهور في أوقات الأزمات. مع تصاعد التوترات السياسية أو الأمنية، لا ينصرف الأفراد كلياً إلى متابعة الأخبار، بل تتشكل لديهم رغبة موازية في استهلاك محتوى خفيف وسريع، قريب من تفاصيلهم اليومية. في هذا السياق، يتحول الترفيه إلى أداة توازن نفسي، لا باعتباره هروباً، بل آلية تكيف طبيعية مع ضغط مستمر، تمنح لحظة استراحة من واقع مثقل بالأحداث.

 

 

يرتبط ذلك بما يعرف بـ"الإرهاق الإخباري"، حيث يفقد الدماغ قدرته على استيعاب التدفق المتواصل للمحتوى الثقيل، فيلجأ إلى بدائل أبسط تعيد ضبط الإيقاع الذهني. كما يعزز هذا النوع من المحتوى شعوراً نسبياً بالسيطرة، إذ تمنح التجارب اليومية الصغيرة إحساساً بإدارة جزء من الحياة وسط أحداث خارجة عن التحكم. وإلى جانب ذلك، يسهم في تعديل المزاج عبر موازنة المشاعر، فكلما ارتفع القلق زاد البحث عن محتوى مريح. وتبرز قابلية التكرار هنا كعامل حاسم، إذ تعكس هذه الترندات تفاصيل مألوفة تعيد تأكيد استمرارية الحياة، وتجعل التجربة أقرب إلى الواقع اليومي لا منفصلة عنه.

توازن نفسي

وضمن أحد الأسباب ما يظهره علم النفس الإعلامي، يُوصف هذا السلوك بـ"الاستهلاك التعويضي للمحتوى"، حيث يتجه الأفراد إلى مواد تمنحهم شعوراً موقتاً بالراحة أو السيطرة. المقطع لم يكن صادماً ولا مبالغاً في طرافته، بل بسيطاً إلى حد يجعله قابلاً للتكرار في حياة أي شخص. هنا تحديداً تكمن جاذبيته؛ إذ يرى المشاهد نفسه في التفاصيل، ويشعر بأن الحياة، رغم كل شيء، لا تزال مستمرة.

 

هذا النوع من المحتوى يصنع حالة مشاركة جماعية غير معلنة، ويمنح استراحة قصيرة من تدفق الأخبار الثقيلة التي سيطرت على الأحاديث اليومية، خصوصاً خلال رمضان وما بعد العيد. وبدلاً من الاكتفاء بتداول الأخبار، يظهر هذا النمط كمخرج خفيف يعيد قدراً من التوازن إلى المزاج العام.

العدوى الاجتماعية

عند انتشار أي ترند، تميل شريحة واسعة إلى تقليده بسرعة بفعل ما يعرف في علم السلوك بـ"العدوى الاجتماعية"، حيث يتأثر الأفراد بما يفعله الآخرون من دون تفكير مطول. أول دوافع هذا السلوك هو الإحساس بالأمان داخل الجماعة، إذ يترجم العقل كثرة المشاركين على أنها إشارة إلى القبول والاعتيادية. كما يتداخل ذلك مع ما يعرف بـ"الخوف من الفوات"  (FOMO)، حيث يدفع القلق من تفويت التجربة أو البقاء خارج المشهد إلى الالتحاق السريع بالترند.

في الوقت ذاته، يتحول التقليد إلى وسيلة لإثبات الهوية والانتماء، كأنه إعلان غير مباشر بالاندماج ضمن المجموعة. وتدعم هذه الديناميكية المكافأة الاجتماعية السريعة التي توفرها الترندات، من خلال التفاعل والإعجابات، مما يعزز تكرار السلوك. ويظل عامل البساطة حاسماً، فكلما كان الترند سهل التطبيق، زادت قابليته للانتشار على نطاق واسع وفي وقت قصير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نكهة مميزة

لا يمكن فصل انتشار هذا الترند عن طعمه المختلف، إذ أسهمت جاذبيته في تسريع تداوله بعد أن حوله المستخدمون إلى تجربة متكررة وليست مجرد فضول عابر. فالمزيج، رغم غرابته للوهلة الأولى، سرعان ما يترسخ كخيار "لذيذ وغير متوقع"، مدفوعاً بتقاطع عاملين: التفسير العلمي والتأثير الاجتماعي. 

علمياً، لا يبدو الجمع بين الحلو والمالح عشوائياً. تشير أبحاث صادرة عن المعهد الوطني للصحة (NIH)  إلى أن هاتين النكهتين من أكثر المحفزات ارتباطاً بنظام المكافأة في الدماغ، حيث تمنح الحلاوة إحساساً سريعاً بالطاقة، بينما يعزز الملح إدراك التوازن الغذائي. ويلعب الصوديوم دوراً في إبراز الحلاوة وتقليل المرارة، مما يمنح الطعم عمقاً وتوازناً يجعله أكثر قبولاً. وتوضح دراسات حديثة أن كميات محدودة من الملح قد تنشط مستقبلات الطعم الحلو، وهو ما يفسر الشعور بأن النكهة "أفضل مما تبدو عليه".

لكن هذا التفسير لا يكتمل من دون البعد السلوكي. فالمستهلك يميل إلى تجربة ما يوصف بأنه "غريب لكنه لذيذ"، خصوصاً مع تصاعد شعبية النكهات المختلطة، التي تتصدر تفضيلات شريحة واسعة من الجمهور. وفي الخليج، تضاعف أثر السوشيال ميديا، حيث أسهم توثيق ردود الفعل الأولى في خلق فضول جماعي دفع إلى التجربة، ثم إعادة إنتاجها على نطاق واسع.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات