ملخص
الكتابة عن الحُب في زمن الحرب قد تبدو خطوة في الاتجاه المعاكس، ولكن إذا ما تذكرنا أن الحُب، بمعناه الشامل، هو القاعدة التي تحكم الاجتماع البشري، وأن الحرب هي الاستثناء في التعالق بين البشر، يغدو لهذه الخطوة ما يبررها، ولعل هذا ما حدا بالأكاديمي العراقي عبدالجبار الرفاعي إلى وضع كتابه "مكافأة الحُب الحُب ذاته" الذي صدر أخيراً عن "دار الرافدين - بيروت"، و"مركز دراسات فلسفة الدين - بغداد".
يتناول كتاب "مكافأة الحُب الحُب ذاته" في فصوله الـ 23 الحُب من مختلف جوانبه، ويسعى إلى التعريف بالحُب وأنواعه ومراتبه ومفاعيله ووظائفه وتعالقاته مع حقول معرفية أخرى، ويتوزع هذا المحتوى على صفحات الكتاب في نوع من تداعي الأفكار.
تكامل أضداد
ينطلق الرفاعي في كتابه من رؤية تقول بتكامل الأضداد داخل الطبيعة الإنسانية، كما يشير في المقدمة ويعزوها إلى تجربته الطويلة في الحياة، وتدريسه الفلسفة والدين، وقراءاته في علوم الإنسان والمجتمع، وانطلاقاً من هذه الرؤية يشير إلى نوع من التلازم بين الحُب والكراهية وحاجة كل منهما إلى الآخر، ذلك أن قيمة الأول تبرز بوجود الأولى، على طريقة "والضد يظهر حسنه الضد"، والثانية تفضح ما يترسب في أعماق الإنسان من رواسب ينبغي التحرر منها، مما يجعل وجودها من الضرورة بمكان، ولعل هذا التلازم بين الاثنين يشكل تنويعاً على التلازم الأصلي بين الخير والشر، مذ أقدم قابيل على قتل أخيه هابيل، وارتكب الجريمة الأولى في التاريخ، ومن هنا تغدو الكتابة عن الحُب في زمن الحرب خطوة في الاتجاه الصحيح.
لا يستقيم الكلام على الحُب، بوصفه خصيصة إنسانية، ما لم نتعرف إلى الطبيعة الإنسانية بتعدد طبقاتها، وتنوع أبعادها، وهو ما ينطلق منه الكاتب في كتابه حين يرى أن "الطبيعة البشرية متعددة الطبقات ومتنوعة الأبعاد، يتطلب فهمها تفكيراً مركباً دقيقاً يتسع لأبعادها المختلفة، ويغور في أعماقها كي يكتشف شيئاً من أسرارها" (ص-34)، وبالتالي فالكائن البشري مركب من الخير والشر، والحُب والكراهية، والروح والعقل، مما يجعل فهمه من الصعوبة بمكان.
على أن التعرف إلى الطبيعة الإنسانية والفهم الواقعي لها، على صعوبتهما، شرطان لا بد منهما لاكتشاف أسرارها والنظرة الموضوعية للآخرين، بينما الجهل بها تترتب عليه آثار مؤلمة، وخيارات خاطئة في التربية، تكون لها تداعياتها على الإنسان والمجتمع.
الحُب والكراهية
يتناول الرفاعي الحُب في إطار البنية المركبة للطبيعة الإنسانية التي تقوم على التجاور بين متضادات متكاملة فيها، ولا سيما في تضاده مع الكراهية، ويشير في هذا السياق إلى استشراء ما يسميه بـ "الشر الأخلاقي" الذي تغذيه ظروف موضوعية ونوازع ذاتية، وتتعدد تمظهراته وتتراوح بين التعصب والغضب والحقد والكراهية وغيرها، ويخلص بنتيجة هذه الإشارة إلى صعوبة الاستثمار في الحُب، ولا سيما حين يجري تعليبه في علب طائفية وحزبية ووطنية وقومية، ويصبح الاستثمار أكثر صعوبة حين يتحول الحُب إلى وثن، ويغدو هو الغاية والإنسان هو الوسيلة، بينما العكس هو الصحيح.
وعلى قتامة الصورة التي يرسمها للواقع البشري جراء استشراء الكراهية، فإنه انطلاقاً من رؤيته المركبة للطبيعة الإنسانية يتفهم وجود الكراهية في المجتمع باعتبارها "حاجة دفينة في النفس كحاجتها للمحبة"، وهو ما تثبته الوقائع التاريخية المتمثلة بالاسترقاق والاستبداد والاستعمار وغيرها، وهو يعزو هذه الحاجة إلى نزوع الإنسان نحو السلطة وتطلعه إلى إشباع رغباته المختلفة، وهو ما تترتب عليه سلوكيات منحرفة في البيت والمدرسة والمجتمع والدولة، ويخلص بنتيجة هذه المقاربة إلى أن معرفة مرارات الكراهية شرط لمعرفة قيمة الحُب، وإلى أن النقص البشري هو الذي يمنح الأشياء جمالها، وأن التضاد هو ما يجعل الحياة أجمل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في كلامه على الحُب يشير الرفاعي إلى استحالة تحديد حقيقته وإدراك ماهيته، "إذ يظل الكلام منصباً على آثاره وثمراته ومعطياته، وليس على حقيقته ذاتها" (ص-95).
وعلى رغم هذه الإشارة نراه يركب هذا المركب الخشن، فتتناثر تحديداته في مختلف النصوص، من قبيل قوله "ماهية الحُب هي العطاء" (ص-96)، "الحُب معنى عذب عميق" (ص-96)، "الحُب الأصيل منبع نوراني" (ص-97)، "الحُب نور المعرفة" (ص-119) وغيرها.
ولا تحول هذه التحديدات دون كلامه عن آثار الحُب ووظائفه وأنواعه ومراتبه وآلياته ومقوماته ومفاسده وأعطابه في الفصول المختلفة، فيذكر في سياق الآثار والوظائف قدرة الحُب على شفاء الأمراض النفسية ومصالحة الإنسان مع واقعه وعِتقه من الانزواء والعزلة، وتعليم الإنسان وإضاءة حياته، على سبيل المثال لا الحصر، ويذكر في إطار الأنواع والمراتب الحُب العاطفي الشهواني القائم على الجنس، الحُب العاطفي الجسدي بين الأزواج، الحُب العاطفي الأخلاقي بين الأهل والأبناء، الحُب الإلهي / الإنساني بين العبد والمعبود، ويذكر في آلياته ومقوماته العلاقة التبادلية، فالحُب لا يكون من طرف واحد، وشرطه التبادل بين طرفي العلاقة، وهو ما لا يتحقق بالكلام بل بالمبادرات والهبات والمواقف.
ويشير في مفاسده وأعطابه إلى أن الحُب يفسده المن والأذى، وتخنقه الأعراف والتقاليد، ويخرجه الزيف عن غايته وتهدده المصلحة البراغماتية، ومن هنا يعنون الكاتب كتابه بـ "مكافأة الحُب الحُب ذاته"، ويعنون بعض الفصول بـ "الحُب معلم عظيم لكنه صعب" و "سر الحُب لا يتحقق إلا بالحُب" و"فاعلية الحُب تتجلى في الصفح" وغيرها.
مناسبات عدة
وإذا كانت الرؤية العامة التي ينطلق منها الكاتب في وضع كتابه واحدة هي تكامل الأضداد داخل الطبيعة الإنسانية، فإن مناسبات وضع الفصول متعددة، ويذكر في هذا السياق أن الباعث على كتابة الفصل / النص قد يكون واقعة شهدها الكاتب في صباه أو معلومة إحصائية صادرة عن منظمة دولية، أو سؤالاً طرحه عليه أحد طلابه، أو تجربة أخبرته بها صاحُبتها، أو خبرة شخصية عاشها، وهذه المناسبات إن هي إلا منطلقات خاصة للكتابة ينطلق منها الكاتب ويتعداها إلى العام الذي ينفع الناس، وتندرج في إطار المصادر الثلاثة الأساس التي يصدر عنها، التجربة الذاتية والخبرة المهنية والثقافة العامة، مما سلفت الإشارة إليه.