Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا لو كان الروسي غارشين هو الأب الشرعي للجدانوفية؟

أدب صاحب القصة الروسية "رسامان" كان في الخلفية الحقيقية لتحول المسألة الإبداعية إلى صراع فكري

فسيفولد غارشين (1855 - 1888) (موسوعة الأدب الروسي)

ملخص

كان الكاتب الروسي فسيفولد ميخائيلوفتش غارشين قريباً في روحه من تقاليد دوستويفسكي من ناحية التركيز على العذاب الداخلي، كذلك فإنه تأثر أيضاً بأجواء تولستوي من جهة نزوعه الإنساني، ومع ذلك فإن مخيلته المرضية في بعدها السيكولوجي جعلت نقاد زمنه يقارنونه من ناحية ببودلير الفرنسي ومن الأخرى بإدغار آلن بو الأميركي

 في الاتحاد السوفياتي وخلال الأعوام التالية مباشرة للحرب العالمية الثانية، وفي غمرة صخب الانتصار الذي ساد الحياة الاجتماعية هناك في الزمن الستاليني، كان المبدعون في بلاد الموسكوب يتوقعون كل شيء باستثناء أن تولد للمناسبة، تلك النزعات الجدانوفية التي "حسمت" أموراً غاية في الأهمية مثل الغاية من الفن، والعلاقة بين الإبداع والجمهور العريض، ومسؤولية المثقفين وغيرها من أمور كانت قيد السجال في روسيا نفسها قبل الثورة بعقود طويلة ولم ينته السجال من حولها إلى نتيجة، فإذا بالحزبي جدانوف يتخذ "قراراته" في شأنها، وينال بركة ستالين ويضع الأسس الأيديولوجية التي أقل ما يقال فيها اليوم إنها حطمت المنطلقات الإبداعية ودمرت الفنون على مذبح الإرادة الحزبية وديكتاتورية الزعيم وما شابه ذلك.

ولئن لم تكن غايتنا هنا التأريخ لذلك كله ولا حتى العودة للتذكير به، فإن ما نريد الدنو منه إنما واقع أن السجال و"حسمه" لم يكونا من نتاج تلك المرحلة، بل إن هذه كانت مجرد محطة أريد لها أن تكون الأخيرة في مسار طويل كانت قد عرفته الحياة الإبداعية الروسية منذ زمن بعيد، مع محطة أخرى سابقة كانت ذات أهمية مفصلية حتى قبل الثورة الروسية وولادة الحكم الحزبي بزمن طويل، تمثلت في اسم يبدو اليوم منسياً إلى حد كبير هو اسم الكاتب الروسي فسيفولد ميخائيلوفتش غارشين، الذي يرى كثر أنه كان الأب الشرعي لسجالات ما قبل الجدانوفية مع أنه مات قبل 20 عاماً من اندلاع الثورة.

مات عام 1888 وهو بالكاد بلغ الـ33 من عمره، بل إن المؤرخين يرون أن مساهماته في تلك السجالات "الجدانوفية" المبكرة تكاد تتمثل في قصة طويلة له هي "رسامان" التي نشرها عام 1879 من دون أن يخطر في باله أنها ستكون لها كل تلك الأهمية على أية حال.

بين الواقعية والأخلاق

يعتبر غارشين (1855 - 1888) واحداً من أكثر الكتاب الروس في زمنه حساسية وشفافية في التعبير عن الألم الإنساني في النصف الثاني من القرن الـ19. وعلى رغم حياته القصيرة المضطربة نفسياً، فقد ترك أثراً أدبياً عميقاً من خلال قصصه القصيرة التي تمزج بين الواقعية والنزعة الأخلاقية الحادة.

وفي الحقيقة كان غارشين قريباً في روحه من تقاليد دوستويفسكي من ناحية التركيز على العذاب الداخلي، كذلك فإنه تأثر أيضاً بأجواء تولستوي من جهة نزوعه الإنساني، ومع ذلك فإن مخيلته المرضية في بعدها السيكولوجي جعلت نقاد زمنه يقارنونه من ناحية ببودلير الفرنسي ومن الأخرى بإدغار آلن بو الأميركي.

وإذا كانت قصته الطويلة "رسامان" تعتبر نقطة القوة في إبداعه، فإنها في الوقت نفسه تعتبر قطعة مركزية في السجالات الفكرية من حول الإبداع، إذ تبدو وكأنها استكمال لمواقف الكاتب الثوري بيلنسكي، ففي هذه القصة لدينا شابان يروي لنا كل منهما على طريقته حكاية عام من حياته. وندرك بسرعة أنهما كانا معاً تلميذين في أكاديمية الفنون شاركا كل من ناحيته في مباراة تستهدف الحصول على بورصة تسمح للفائز بها تمضية زمن في التدرب والتطوير في بلد أجنبي. ويكون الفوز من نصيب واحد منهما يتمتع حقاً بموهبة وطاقة مميزتين. بيد أن الثاني ويدعى ريابينين، يبدو عبقرياً من ناحيته، لكنه وقع خلال المباراة ضحية لحساسية مرضية، جعلته يرسم لوحة تمثل واحداً من أولئك العمال الذين يقال لهم "الصم" وهم عادة متخصصون في تصليح السخانات الضخمة مما يصيبهم بالصمم من جراء اشتغالهم على الآلات الضخمة وهم في داخلها معرضين لضجيجها المريع. والحال أن ريابينين يصاب بما يدفعه إلى أن يهجس في لياليه بموضوع لوحته إلى درجة تجعله فاقداً رشده، وهو حين يبارح لاحقاً المصح الذي يوضع فيه يكتشف أنه لم يعد قادراً على رسم أي شيء بعد الآن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سؤال الفن العميق

انطلاقاً من هذه الحبكة التي قد تبدو في قشرتها الخارجية بسيطة، يطرح غارشين في واقع الأمر سؤالاً بالغ الأهمية والعمق من حول وظيفة الفن ومعاناته كما أشرنا أول هذا الكلام.

فالقصة تدور كما يمكننا أن ندرك بسرعة، من حول شخصيتين تمثلان نموذجين متعارضين للفنان: الأول فنان مهووس بالجمال الشكلي، يسعى إلى الكمال الفني بمعزل عن الواقع، والثاني فنان ملتزم يرى في الفن وسيلة لمواجهة القبح الاجتماعي والتعبير عن معاناة البشر.

ولقد جسد غارشين من خلال هذا التباين صراعاً فلسفياً وأخلاقياً: هل الفن غاية في ذاته، أم هو أداة لخدمة الإنسان؟ الرسام الأول ينغلق على عالمه الخاص، غارقاً في التفاصيل الجمالية، حتى ليبدو منفصلاً عن الحياة، أما الثاني فينزل إلى الواقع حيث يرصد البؤس الإنساني جاعلاً من لوحته شهادة حية على الألم.

والحقيقة أن ما يميز القصة ليست فقط فكرتها، بل أسلوبها أيضاً، فغارشين يكتب بلغة مقتصدة، لكنها، في رأي النقاد على أية حال، مشحونة بالعاطفة والقلق. لا يعتمد على السرد المطول، بل "على لحظات مكثفة تكشف عن أعماق الشخصيات" وهذا ما يظهر حسه التراجيدي، إذ يبدو وكأنه منحاز ضمنياً إلى الفنان الثاني، من دون أن يحول قصته إلى خطاب مباشر أو وعظي.

والحقيقة أن في إمكاننا قراءة هذه القصة في سياق النقاش الأوسع الذي كان سائداً في الأدب الروسي حول دور الفن، وهو نقاش نعرف أن معظم الأدباء الروس الكبار قد أسهموا فيه حتى من قبل ظهور مداخلات الحزبيين عند نهايات الربع الأول من القرن الـ20، وربما - كما أشرنا عرضاً أعلاه - على خطى فيساريون بيلينسكي الذي كان من أول وأفضل الذين شددوا على البعد الاجتماعي للأدب.

وفي هذا السياق بالتحديد تبدو قصة غارشين امتداداً لهذا الجدل، غير أن من مزاياها أنها تضيف إليه بعداً نفسياً عميقاً لن يرحب به الجدانوفيون كثيراً من منطلق أن الاختلاف بين الرسامين يتحول إلى مأساة داخلية.

هذا على الصعيد العام، أما بالنسبة إلى ما يربط "رسامان" بكاتبها نفسه، فإن هذه القصة تكشف عن "رؤية غارشين القلقة للعالم، من منطلق أن الفن ليس ملاذاً آمناً بل ساحة صراع بين الجمال والحقيقة، بين العزلة والالتزام" ومن خلال هذا التوتر ينجح الكاتب في تقديم نص صحيح أنه قصير، لكنه يظل مفتوحاً على تلك الأسئلة الكبرى التي لا تزال مطروحة حتى أيامنا هذه، رغماً عن ادعاءات الجدانوفية الستالينية أنها حلتها بصورة نهائية.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة