Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحب ينقذ بطل عتيق رحيمي من الانتحار في نهر الغانج

" كابوليوالا، هو أنا" رواية التأمل في المنفى والفن وروحانية طاغور

 الروائي والسينمائي عتيق رحيمي (صفحة الكاتب - فيسبوك) 

ملخص

صدر حديثاً في باريس رواية جديدة للكاتب والسينمائي الأفغاني الفرنسي عتيق رحيمي بعنوان "كابوليوالا، هو أنا". الرواية عبارة عن نص مركب تتداخل فيه مستويات عديدة من السرد، تقدم تأملاً عميقاً في قضايا المنفى والإخفاق والخلق الفني، حيث مصير الشخصيات يتقاطع مع مسرى الكاتب، وحيث الفشل يصبح مادة للخلاص بفضل الكتابة التي تساعد على التحرر من المشاعر السلبية المكبوتة في دواخل الأفراد بحسب نظرية تطهير النفس، أي "الكاثارسيس" الأرسطية.

تبدأ رواية عتيق رحيمي بمشهد شديد المأسوية: مخرج سينمائي يقف عند الرابعة فجراً على جسر هاوراه في مدينة كولكاتا الهندية (كلكتا)، فوق نهر الغانج، مستعداً لإلقاء نفسه في الماء في لحظة يأس فردي بعد خيبات أمل لا تحصى، لكأن الانتحار هو الحل الأمثل لإنهاء تمزقه الداخلي. فمشروع فيلمه لم يكتمل، وعلاقته العاطفية انتهت، فضلاً عن شعوره الثقيل بالاقتلاع من الوطن والمسافة الطويلة التي تفصله عن عائلته التي تركها في فرنسا، لكن هذه اللحظة المأسوية، سرعان ما ستتحول إلى لحظة انكشاف وجودي ستشقلب كيانه رأساً على عقب، إذ تظهر في لحظة الحسم شخصية غامضة على متن قارب في النهر: إنها شخصية "كابوليوالا" نفسها، بطلة فيلمه المستوحاة من قصة الشاعر والأديب البنغالي العظيم رابيندراناث طاغور (1861-1941) التي خطها في نهاية القرن الـ19. هنا يحدث الانزياح الرئيس في الرواية، لأن الشخصية الخيالية التي كان المخرج يحاول تجسيدها في فيلمه الفاشل، تخرج من حدود النص لتدخل في الواقع وتمنع انهياره النهائي في لعبة مرايا أو انعكاس متبادل، يصبح فيها "كابوليوالا" أو رحمت بمثابة قرين للمخرج. فكلاهما أفغاني، وكلاهما يعيش في المنفى، وكلاهما يحمل جرح الفقد.

تدور قصة طاغور الأصلية حول صداقة بريئة بين الأفغاني رحمت، وهو بائع فاكهة مجففة يعيش في كولكاتا، وفتاة بنغالية صغيرة تدعى ميني، في تجسيد لعواطف الأبوة والروابط الإنسانية التي تتجاوز الحدود والعمر والتعبير عن الحنين إلى الابنة التي تركها الأب في كابول. أما عند رحيمي، فإن هذه الشخصية ستتحول إلى كائن رمزي، يجسد تجربة المنفى في بعدها الوجودي.

ليست رواية عتيق رحيمي إذا اقتباساً أو تكييفاً لنص طاغور. لعلها حوار معه أو تفكيك له في إعادة بناء سردي عميق. تخبرنا الرواية أن المخرج أمضى سنتين في التحضير لفيلم مستوحى من قصة "كابوليوالا"، لكن مشروعه فشل بسبب خلافات مع شركة الإنتاج السينمائي تتعلق بظروف التصوير. في السرد، لا يقدم هذا الفشل كحادث عرضي، بل كحدث مؤسس: إنه لحظة سقوط الوهم السينمائي وبداية ولادة النص الأدبي، حيث الكتابة تتبدى كبديل عن الصورة وكمحاولة لاستعادة ما عجزت الكاميرا عن التقاطه. فكأني برحيمي يقول لنا إن السينما، بما هي فن بصري، لم تستطع أن تعبر عن الأعماق النفسية للشخصية، ولا عن صمت المنفى وثقله. أما الكتابة، فتملك القدرة على استبطان هذه التجربة وعلى إعطاء صوت لما هو غير مرئي. لذلك يمكننا النظر إلى هذه الرواية كنص تعويضي عن فيلم لم يصور، لكنها أيضاً نص يتجاوز هذا التعويض ليصبح عملاً فنياً قائماً بذاته.

الهوية ووعي الذات

تطرح الرواية كذلك مسألة الهوية ووعي الإنسان لذاته وجوهره وعينيته المنقسمة والتي تتبدى في السرد كمحددة لإنيته الفاعلة في علاقتها بالآخر الذي يحثها عن التساؤل حول نفسها وحول أفعالها، لتضيء الزوايا المعتمة التي يتجلى من خلالها تمزق الشخصيتين. فالمخرج الذي يحمل اسم رحيمي نفسه يعيش بين ثقافتين أفغانية وفرنسية، وهو لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما. هذا التمزق يظهر في علاقته بشخصية رحمت، التي تبدو كأنها تمثل الأصل الذي فقده، لكن هذا الأصل ليس ثابتاً، هو نفسه مشوه بالمنفى والغياب. هذا اللقاء بين المخرج و"كابوليوالا" ليس مجرد لقاء بين شخصيتين بقدر ما هو لقاء بين ذاتين داخل الشخص نفسه.

من أبرز الأفكار التي تطرحها الرواية كذلك فكرة الإحساس بالذنب المرتبط بالمنفى. فالشخص المنفي يشعر دوماً بأنه خان شيئاً ما، وطنه وعائلته وتاريخه. هذا الإحساس بالذنب لا يزول حتى ولو نجح المنفي في حياته الجديدة. يتجسد هذا الشعور في النص في صورة رحمت الذي لا يعرف إن كان يقترب من الشاطئ أم يبتعد عنه في صورة بليغة لحالة التردد الدائمة التي يعيشها المنفي. كذلك، تحتل فكرة الوهم مكاناً بارزاً في الرواية، إذ يستهل رحيمي نصه بجملة لطاغور مفادها أن "الوهم هو أول ظهور للحقيقة". هذا يعني أن ما يبدو خيالاً أو هلوسة كظهور كابوليوالا، قد يكون في الحقيقة مدخلاً إلى فهم أعمق للواقع، وأن الحدود بين الحقيقة والخيال تتلاشى تدريجاً، ليصبح الاثنان وجهين لتجربة واحدة.

على المستوى البنيوي، تتميز الرواية بتداخل الأزمنة والسرديات. فهناك زمن الحاضر، لحظة الوقوف على الجسر، وزمن الماضي، مرحلة إعداد الفيلم، وزمن آخر مستعار من قصة طاغور. هذه الأزمنة الثلاثة لا تروى بصورة خطية، بل تتداخل وتتشابك، ما يعكس حال الارتباك الداخلي للشخصية الرئيسة، إضافة إلى أن السرد يتنقل بين ضمير المتكلم وضمير الغائب، في تعبير عن انقسام الذات وتركيبتها المعقدة والمتعددة الأبعاد.

أما على المستوى الرمزي، فإن نهر الغانج يحتل موقعاً مركزياً في الرواية. فهو في الثقافة الهندية نهر مقدس، يرتبط بالحياة والموت معاً، وينظر إليه كفضاء للتطهر وإعادة الولادة. في السرد الروائي، يتحول النهر من مكان محتمل للانتحار إلى فضاء للنجاة. وبدلاً من أن يكون قبراً، يصبح بداية جديدة بفضل تدخل الخيال أو الوهم الذي أعاد ربط شخصية المخرج بالحياة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لغة شاعرية

من الناحية الأسلوبية يتميز النص الفرنسي بلغة شاعرية مكثفة، تعتمد على الصور والاستعارات، وتقترب أحياناً من التأمل الفلسفي، ما يخلق حالاً شعورية لدى القارئ تجعله يعيش تجربة المنفى والضياع من الداخل، إضافة إلى أن الإيقاع البطيء للسرد يعكس حال التردد والانتظار التي يعيشها المخرج.

لا يمكن أخيراً إغفال البعد الذاتي للرواية التي تبدو كأنها نوع من "السيرة المقنعة". فـعتيق رحيمي نفسه أفغاني يكتب باللغتين الفارسية والفرنسية. وقد عاش تجربة المنفى وعمل كمخرج أفلام سينمائية، كما واجه صعوبات في تحقيق بعض مشاريعه، لكن الرواية لا تتحول إلى اعتراف حياتي وسيرة ذاتية مباشرة. لعلها تبقى على مستوى الرمز الذي يحول التجربة الشخصية إلى تجربة إنسانية عامة.

لا شك أن رواية "كابوليوالا، هو أنا" هي رواية عن الخلاص والشفاء بواسطة الكتابة. إنها تطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للفن أن ينقذ الإنسان من ذاته؟ إن جواب رحيمي الإيجابي يبدو واضحاً. نعم إن الفن يفتح للإنسان منفذاً ينجو به من وطأة ذاته، لكن هذا المنفذ ليس النجاح أو الإنجاز، بل هو القدرة على تحويل الألم إلى معنى. فالمخرج الذي فشل في إنجاز فيلمه وبلغ حافة الانتحار، وجد في السرد وسيلة لإنقاذ نفسه، والشخصية التي لم يستطع تجسيدها على الشاشة، تحولت بفضل الكتابة إلى صوت داخلي قاده نحو الحياة. وهكذا، فإن الفن، حتى في الفشل، يظل قادراً على فتح أفق جديد. وفي هذا التحول تحديداً تكمن قوة الأدب، وتكمن أيضاً أهمية هذه الرواية التي تقدم تجربة عميقة في الكتابة عن المنفى والهوية والبحث عن الذات الضائعة.

عتيق رحيمي هو كاتب ومخرج سينمائي فرنسي أفغاني من مواليد كابول سنة 1962. غادر بلاده بعد الاجتياح السوفياتي لأفغانستان وانهيار النظام السياسي وقيام الحرب الأهلية. لجأ أولاً إلى باكستان، ثم غادر إلى فرنسا، حيث أكمل دراسته وحصل على الدكتوراه في مجال السمعي البصري وبدأ مسيرته مخرجاً للأفلام الوثائقية والروائية. في عام 2008 نال جائزة غونكور عن روايته "سينغيه صبور" أو "حجر الصبر"، وهي أول عمل روائي يكتبه مباشرة باللغة الفرنسية وصدرت في ترجمة عربية عن دار الساقي. ونال عام 2010 في إيران جائزة الأدب الفارسي عن روايته "الأرض والرماد" التي حولت إلى فيلم وعرضت في مهرجان "كان" السينمائي. بعد حصوله على الجنسية الفرنسية، واصل رحيمي إنتاجه الأدبي الواقع على تخوم اللغات والثقافات المتعددة، حيث تتداخل في أعماله السيرة الذاتية بالتاريخ السياسي، وتتشابك ذاكرة المنفى مع هواجس الهوية والانتماء.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة