ملخص
سواء أدت الحرب في إيران في نهاية المطاف إلى عواقب إشعاعية كارثية في المنطقة أم لا، فإن نموذج القرصنة النووية قد ترسخ الآن بعد أن نقل من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط.
في الحروب المعاصرة هناك أنواع عدة من القرصنة، لكن أخطرها على الإطلاق القرصنة النووية لأنها تعد تلاعباً غير قانوني في قواعد الحروب، مما يؤدي، كما في حالة حرب إيران، إلى انتقال كرة النار النووية من مكان إلى آخر. وفي حالة حرب إيران تحديداً، التي طالت أكثر مما توقع كثيرون، أدت أحداث عسكرية متتالية وقعت بالتزامن مع استمرار حرب روسيا وأوكرانيا إلى انتقال الخطر النووي من أوكرانيا وأوروبا إلى منطقة الشرق الأوسط. فالمشكلة الأكبر هنا تكمن في "غموض السياسات النووية" بالوقت الراهن، إضافة إلى وجود ثغرات خطرة في القانون الدولي منذ عام 1977 جرى استغلالها اليوم كذريعة لقصف منشآت نووية في أوكرانيا وإيران، وبذلك أصبحت القرصنة النووية شائعة الانتشار في العقود الأخيرة.
حدود القوة الجديدة
وفي محاولة لتوضيح هذه المفارقة، قال علماء الذرة، "تعيد الحسابات الاستراتيجية والتفسير القانوني معاً تشكيل حدود القوة المسموح بها حديثاً ضد أهداف نووية بالغة الحساسية". إذ يحتوي إطار عمل عام 1977 القانوني الدولي، الذي ينظم استخدام الأسلحة النووية، على ثغرة خطرة، فهو "يجرد أية منشأة من الحماية المدنية إذا كانت تدعم المجهود الحربي للعدو، شريطة أن يكون الهجوم قابلاً للتنفيذ من دون التسبب في تسرب إشعاعي هائل". ويلفت العلماء هنا إلى أن بعض الدول النووية العظمى استثمرت نجاحها في منع حدوث تسرب إشعاعي كارثي أثناء ضربات وجهتها لمنشآت نووية في مناطق نزاع مختلفة لاستغلال غموض القانون كسلاح بحد ذاته. وهذا ما يسمى تحديداً لدى العلماء بالقرصنة النووية، وذلك وفقاً لكل من العالمين النوويين لودوفيكا كاستيلي وعلي ألكيس.
خلل جوهري
وبحسب هذين العالمين، يكشف هذا التصعيد المتزايد في استهداف المنشآت ومرافق الأسلحة النووية في العقود القليلة الأخيرة، عن خلل جوهري وثغرة كبيرة في القانون الدولي، وعما سمياه "نظرة حديثة منمقة للاستهداف النووي في العالم المعاصر". وفي مقالة لهما على موقع علمي أميركي نشرت قبل أيام قليلة، يضيف الكاتبان: "تلاعبت روسيا بالأخطار الإشعاعية في زابوروجيا، التي أصبحت أداة ضغط استراتيجي متزايدة في حربها ضد أوكرانيا على مدى الأعوام الأربعة الماضية. فيما تستخدم الإدارة الأميركية حالياً السلوك ذاته المتمثل في القرصنة النووية وسياسة حافة الهاوية المحسوبة ضد البنية التحتية للطاقة في إيران".
لذلك يرى ألكيس وكاستيلي أن روسيا هي من أولى الدول النووية الكبرى التي طبقت حديثاً هذه القرصنة خلال حرب أوكرانيا، وذلك بعد أن نفذتها أميركا سابقاً في كل من هيروشيما ونكازاكي. بينما تحاول أميركا اليوم إعادة فرض هذه المعادلة في الصراع مع إيران. كذلك يشير ألكيس وكاستيلي إلى أن أميركا وروسيا لم تكونا وحدهما من استخدمتا هذا التوازن النووي القسري الجديد في الحروب الحديثة. "فمنذ مفاوضات البروتوكولين الإضافيين لعام 1977 وحتى حرب إيران في عام 2026، برز نمط دولي ثابت يتمثل في رفض الحظر المطلق للهجمات على البنية التحتية للطاقة، لمصلحة الحفاظ على حرية التصرف العملياتي العسكري".
يذكر أن لودوفيكا كاستيلي هي مديرة مشروع اتحاد الاتحاد الأوروبي لمنع انتشار الأسلحة النووية ونزع السلاح في معهد الشؤون الدولية (IAI)، وحصلت على درجة الدكتوراه من جامعة ليستر. أما علي ألكيس فهو زميل مشارك في كلية الدفاع التابعة لحلف "الناتو"، وطالب دكتوراه في جامعة حجة تبة في أنقرة، تركيا.
ما هي القرصنة النووية؟
يمكن إعادة تعريف القرصنة النووية وفق ما يفهمه الإنسان العادي من أقوال هؤلاء العلماء على أنها تلاعب دول وأنظمة بالسياسات وبالقانون الدولي، مما يؤدي إلى السماح لهذه الدول باختراق القانون النووي بطريقة غير شرعية. وفي حرب إيران تحديداً، طبقت هذه الفكرة، فأدت مع مرور الوقت إلى نقل خطر الحرب النووية من مكان إلى آخر حول العالم. ومما يفهم أيضاً من أقوال هؤلاء العلماء أن خطر الحروب النووية يمكن نقله بطريقة متعمدة أو غير متعمدة من قبل طرف أو أكثر من أركان النزاع، وذلك لأسباب ودوافع غير معلنة أو مفهومة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غموض السياسات النووية
السياسات النووية الغامضة لدول نووية عظمى منخرطة في حرب إيران هي السبب المباشر لهذه الحالة. فقد ترسخ أخيراً "نموذج القرصنة النووية" في هذا النزاع. وحتى الخامس من مارس (آذار) الماضي، يرى العلماء أن الدول النووية الكبرى تصرفت "بطريقة مسؤولة" تجاه قرار "قصف المنشآت الحساسة والبنية التحتية للطاقة النووية في أوكرانيا"، بما في ذلك محطة زابوروجيا النووية. ولكن بعد أسبوعين من التاريخ المذكور ووفق هذين العالميين أيضاً، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن "مسؤولين عسكريين أميركيين أشاروا إلى إمكانية اعتبار العمليات العسكرية ضد المنشآت النووية مشروعة، إذا أسهمت هذه الأهداف في المجهود الحربي وظلت الأضرار الجانبية محدودة". ورد كل ذلك في تحليل لألكيس وكاستيلي نشر على موقع علماء الذرة الأميركيين، ضمن مقالة بعنوان "يستغل تهديد ترمب لإيران بفناء حضارة بأكملها الغموض القائم منذ زمن طويل حول ما تعده واشنطن قانونياً في الحرب". نشرت المقالة بتاريخ السابع من أبريل (نيسان) الجاري.
صراع غريب
وبشكل علمي، استعرض الكاتبان بعض طبقات هذا الصراع الذي وصفاه بكونه الأغرب منذ بدء تاريخ النزاعات النووية. إذ يقول الكاتبان في افتتاحية هذه المقالة، "أعلن الرئيس دونالد ترمب الشهر الماضي تعليقاً لمدة خمسة أيام للضربات العسكرية الأميركية المخطط لها ضد البنية التحتية للطاقة والمنشآت النووية الإيرانية، واشترط صراحة نجاح المفاوضات الدبلوماسية الجارية". ومن المعلوم أن الرئيس ترمب مدد الموعد النهائي أكثر من مرة، مهدداً بتدمير محطات الطاقة والجسور في إيران في يوم واحد. وأنه أعقب ذلك بمنشور شهير على وسائل التواصل قال فيه "ستموت حضارة بأكملها الليلة ولن تعود أبداً، إذا لم تتوصل إيران إلى اتفاق يرضي الولايات المتحدة". وتعليقاً على هذا التصريح يقولان، "تستغل هذه التهديدات فعلياً الغموض الذي يكتنف القانون الدولي بشأن حماية البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المنشآت النووية، مستغلة التهديد الوشيك بشن هجمات كارثية في محاولة للضغط الجيوسياسي على خلفية إغلاق إيران مضيق هرمز". وفي السياق ذاته وتحت عنوان فرعي جديد هو "حصانة مشروطة وغامضة"، يستمر الكاتبان في محاولة حصر المسؤولية في نزاع الشرق الأوسط في طرف واحد وهو الولايات المتحدة الأميركية. لذلك يرى ألكيس وكاستيلي أنه وبعبارة أخرى، "يحافظ هذا الإطار القانوني المشوه فعلياً على الخيار العسكري ضد المنشآت المدنية".
المواقف الأوروبية
يشير الكاتبان سريعاً إلى المواقف الأوروبية من القرصنة النووية، مؤكدين أنها لم تختلف اختلافاً جوهرياً عن هذا المنطق، "وإن كانت أكثر حزماً". فقد أوضحت فرنسا والمملكة المتحدة، على سبيل المثال، أنهما لا تستطيعان منح حماية مطلقة للمنشآت التي تسهم في المجهود الحربي للخصم، والتزمتا في المقابل باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة للحد من الضرر الذي يلحق بالمدنيين ولإخضاع أية هجمات من هذا القبيل لموافقة رفيعة المستوى.
في الحالة الإيرانية
تعد منشأة بوشهر النووية كهدف عسكري، النقطة التي ينطلق منها الكاتبان لتوضيح هذه المفارقة، وذلك من خلال شرح الحالة الايرانية كاملة. فضربات أميركا وإسرائيل لمحطة بوشهر للطاقة النووية على وجه الخصوص تشكل أخطاراً جسيمة دائماً في حال استهدافها. وفي سيناريوهات بالغة الخطورة، قد تؤدي هذه الاضطرابات إلى انصهار قلب المفاعل وانفجارات هيدروجينية كما حدث في فوكوشيما عام 2011.
وهنا يمرر العالمان تبريراً خطراً لنقل الصراع النووي من أوكرانيا إلى منطقة أخرى في العالم. إذ يقول الكاتبان، "يعد الخليج العربي المصدر الرئيس لتبريد هذه المحطة"، وهما يؤكدان أن وجود الماء في الخليج العربي يقلل من احتمالية "فقدان مصدر التبريد النهائي مقارنة بحالات أخرى مثل محطة زابوروجيا النووية في أوكرانيا". كذلك يذكر أنه في يوم الهجمات قرب بوشهر، حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن استمرار الهجمات على المحطة النووية قد يؤدي إلى "تساقط إشعاعي ينهي الحياة" في عواصم الخليج "وليس طهران". ويظهر تصريح عراقجي هذا وفق ألكيس وكاستيلي أيضاً، كيف تستخدم تهديدات الحوادث الإشعاعية العابرة للحدود "علناً" كآلية ردع.
خطر نووي آخر
في سياق الخطر النووي المتوقع على منطقة الشرق الأوسط، نوه الكاتبان أيضاً إلى وجود منشآت نووية أخرى في منطقة الخليج العربي تحت هذا الخطر، إذ يضيفان: "بوشهر ليست وحدها في هذا الصراع، فقد تفاقم محطة براكة النووية، المؤلفة من أربع وحدات، في الإمارات العربية المتحدة والواقعة على الجانب الآخر من الخليج، التي هدد الحوثيون المدعومون من إيران باستهدافها، هذه المخاوف".
التداخلات الإسرائيلية
هكذا انتقل الخطر النووي من الخطاب التحريري النظري إلى الواقع الملموس. وفي 21 مارس الماضي، استهدفت نطنز مجدداً في غارة أميركية إسرائيلية، وفي وقت سابق من ذلك الشهر أفادت التقارير بأن القوات الإسرائيلية دمرت موقعاً لتطوير الأسلحة النووية في منزادهي شمال شرقي طهران.
ترسيخ مبدأ القرصنة النووية
يؤكد إنذار الرئيس ترمب الأخير الذي تعهد فيه بشن ضربات واسعة النطاق على البنية التحتية، أن المجتمع الدولي قد يواجه تصعيداً حاداً وعسكرياً في الحرب مع إيران. أما المحادثات غير الناجحة فتحمل في طياتها تداعيات مقلقة، فهي تؤكد أيضاً أن التهديد الصريح للمنشآت النووية المدنية يمكن أن يستخدم كأداة حربية فعالة. وسواء أدت الحرب في إيران في نهاية المطاف إلى عواقب إشعاعية كارثية في المنطقة أم لا، فإن نموذج القرصنة النووية قد ترسخ الآن بعد أن نقل من أوكرانيا إلى منطقة الشرق الأوسط.