ملخص
عادةً ما تكون للأسلحة النووية التكتيكية قوة تفجيرية أقل من الأسلحة الاستراتيجية، أي إنها أقل قوة تفجيرية، وهذا ما قد يجعلها أكثر فائدة عسكرياً، وأقل إثارة للاعتراض السياسي.
كثر في الأيام الأخيرة الحديث عن احتمال لجوء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى استخدام القنابل النووية التكتيكية لتدمير مدن الصواريخ الإيرانية أو السيطرة على الجزر القريبة من مضيق هرمز.
وتوصف الأسلحة النووية التكتيكية بأنها أسلحة نووية ذات قوة تفجيرية منخفضة، تنشر أو تُدار في مسرح العمليات، وهي مخصصة ظاهرياً لأغراض قتالية غير استراتيجية. وتاريخياً، كانت هذه الأسلحة خارج نطاق معاهدات الحد من التسلح الاستراتيجي مثل معاهدة "ستارت" الجديدة، مما يجعل رصدها والسيطرة عليها أمراً صعباً نسبياً.
وتمتلك الولايات المتحدة وروسيا الجزء الأكبر من ترسانة الأسلحة النووية التكتيكية عالمياً، وتوجد هذه الأسلحة أيضاً بحوزة الهند وباكستان والصين وكوريا الشمالية وإسرائيل. وفي الغالب تكون الأسلحة التكتيكية في صورة الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وصواريخ "كروز" التي تطلق من الأرض والبحر والجو، وقنابل الجاذبية التي تحملها الطائرات المقاتلة أو القاذفات.
ما الفرق بين الأسلحة النووية التكتيكية والأسلحة النووية الاستراتيجية؟
تصمم الأسلحة النووية التكتيكية، أو ما يسمى أيضاً الأسلحة النووية غير الاستراتيجية، عموماً للاستخدام في ساحات المعارك، ومداها يعد أقصر من مدى الأسلحة النووية الاستراتيجية، أو بعيدة المدى، المصممة لمهاجمة أراضي الخصم مباشرة.
عادة ما تكون للأسلحة النووية التكتيكية قوة تفجيرية أقل من الأسلحة الاستراتيجية، أي إنها أقل قوة تفجيرية، وهذا ما قد يجعلها أكثر فائدة عسكرياً، وأقل إثارة للاعتراض السياسي. مع ذلك، فإن عدداً من الأسلحة التكتيكية الروسية والأميركية تفوق قوتها التفجيرية بكثير القنبلة التي ألقيت على هيروشيما خلال الحرب العالمية الثانية، والتي أودت بحياة أكثر من 70 ألف شخص على الفور.
وفي حين أن الأنظمة النووية بعيدة ومتوسطة المدى قد خضعت لقيود أو استبعدت بموجب معاهدات الحد من التسلح، فإن الأسلحة النووية التكتيكية لم تخضع قط لحدود مثبتة. وخلال الحرب الباردة، راكمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أعداداً هائلة من هذه الأسلحة في ترساناتهما، ونشرا كثيراً منها في أوروبا. أما اليوم، فالمخزونات أصغر حجماً، لكنها لا تزال قادرة على إحداث دمار هائل.
لماذا تعد خطرة للغاية؟
تمتلك الولايات المتحدة وروسيا حالياً 90 في المئة من مخزون العالم من الأسلحة النووية، والذي يبلغ نحو 13 ألف رأس نووي، ويدرك كلا البلدين أن أي استخدام للأسلحة النووية الاستراتيجية سيستدعي رداً نووياً مضاداً، واحتمالية نشوب حرب نووية تنهي الحضارة البشرية.
أما الأسلحة النووية التكتيكية فتضفي مزيداً من الغموض، إذ تثير احتمال اعتقاد دولة ما أنها قادرة على القيام بهجوم محدود، كاستخدام سلاح نووي تكتيكي منخفض القوة لضرب هدف عسكري معزول حيث لا يصاب سوى عدد قليل من المدنيين بأذى. وثمة احتمال آخر يتمثل في ضربة استعراضية، من دون أي فائدة عسكرية كأن تفجر روسيا سلاحاً نووياً فوق البحر الأسود لتحذير دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) من مساعدة أوكرانيا.
ولأن الأسلحة النووية التكتيكية تعد أكثر "قابلية للاستخدام"، فإنها تزيد من خطر نشوب حرب نووية. وتتوقع مناورات الحرب الأميركية أن أي صراع يتضمن استخدام الأسلحة النووية التكتيكية سيخرج عن السيطرة بسرعة، بينما تتوقع محاكاة أجرتها جامعة "برينستون" الأميركية لنزاع أميركي - روسي يبدأ باستخدام سلاح نووي تكتيكي، تصعيداً سريعاً من شأنه أن يسفر عن مقتل وإصابة أكثر من 90 مليون شخص.
ما الأسلحة النووية التكتيكية التي تمتلكها الولايات المتحدة وروسيا؟
تمتلك الولايات المتحدة نحو 200 قنبلة نووية تكتيكية تعمل بالجاذبية، تراوح قوتها التفجيرية بين 0.3 و170 كيلوطن (بلغت قوة قنبلة هيروشيما 15 كيلوطناً). وتنشر وزارة الحرب الأميركية نحو 100 قنبلة من هذا النوع، تعرف باسم "بي 61"، في خمس دول أوروبية، وهي إيطاليا وألمانيا وتركيا وبلجيكا وهولندا.
في المقابل، تمتلك روسيا ما يقارب 2000 سلاح نووي تكتيكي، تتفاوت قوتها التفجيرية بصورة كبيرة، من منخفضة جداً إلى أكثر من 100 كيلوطن. ويمكن إطلاق هذه الأسلحة جواً وبحراً وبراً، وبعضها قادر على حمل أسلحة تقليدية.
استخدام الأسلحة النووية التكتيكية ضد المنشآت
قد تستهدف مستقبلاً المنشآت العسكرية ومواقع البنية التحتية المادية الصلبة بأسلحة نووية ذات قوة تدميرية منخفضة تطلق من مسافات قصيرة إلى متوسطة. وتشمل الأهداف المحتملة القواعد العسكرية والمقار الميدانية، وبنية الطاقة أو النقل التحتية ذات الأدوار المهمة في النزاعات، أو الأعمال الترابية الحيوية (مثل المخابئ والسدود والجسور).
في يونيو (حزيران) 2025 شنت الولايات المتحدة هجوماً على مواقع نووية إيرانية، بما في ذلك محطة تخصيب اليورانيوم تحت الأرض في "فوردو"، باستخدام قنابل تقليدية متطورة قادرة على اختراق التحصينات. وتفاوتت التقارير حينها حول حجم الدمار الذي تحقق، لا سيما في "فوردو"، نظراً إلى عمق المنشأة الهائل. وقد دفعت هذه النتيجة بعض المحللين إلى الإقرار علناً بأن العملية "ربما اختبرت حدود ما يمكن تدميره من دون اللجوء إلى الأسلحة النووية التكتيكية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في هذه الهجمات الأخيرة، يؤكد التأثير العسكري المحدود للقصف التقليدي على صعوبة تنفيذ العمليات الهجومية ضد هذا النوع من الأهداف، وأن الثقة العالية في فاعلية مثل هذه الضربات قد تتطلب زيادة هائلة في القوة التفجيرية. وقد دعم هذا الأمر توجهاً استراتيجياً سائداً مفاده بأن الأسلحة النووية التكتيكية، ذات القوة التدميرية الأقل نسبياً من الأسلحة النووية الأخرى، يمكن أن تلبي حاجة عسكرية مشروعة ومقبولة في مهام تبدو "قابلة للتحكم" ضد أهداف محددة.
إلا أن هذا المنطق يتعقد بفعل كون الأهداف "المثالية" بهذا الحجم نادرة، فغالباً ما تقع هذه المنشآت بجوار المدن أو داخلها، إما لضرورة عملياتية أو نتيجة للتطور الطبيعي. على سبيل المثال، قد يؤدي استخدام أسلحة نووية متطورة لتدمير قاعدة جوية على مشارف مدينة ما إلى أضرار مباشرة للمناطق المدنية بسبب قربها، فضلاً عن آثار غير مباشرة خطرة على المنطقة. وقد يبدو استخدام الأسلحة النووية كقذائف خارقة للتحصينات أكثر قبولاً في المناطق النائية، ولكنه سيؤدي بالضرورة إلى كمية كبيرة من التلوث الإشعاعي الخطر نتيجة المقذوفات الناتجة من الانفجار السطحي المطلوب، مما ينشر التأثيرات المميتة للضربة إلى مسافات أبعد من الهدف عبر التلوث الإشعاعي.
آثار انفجارات الأسلحة النووية التكتيكية
على رغم أن عدداً من مبررات استخدام الأسلحة النووية التكتيكية تعتمد على مفهوم الانفجارات الأصغر نسبياً أو التطبيقات العسكرية المفترضة لهذه الأنظمة، فإن الاعتماد على مصطلحات تقلل من شأن الدمار الهائل الذي يمكن أن تحدثه هذه الأسلحة ينذر بثقة زائفة بإمكان استخدامها بنتائج محلية أو متحكم بها. لذا، من المهم توضيح نطاق آثار هذه الأسلحة الواسع في الخطاب العام، واستخلاص التداعيات السياسية ذات الصلة.
ولا بد من الإشارة إلى أن جميع أسلحة الانشطار أو الاندماج النووي تنتج أنواعاً متشابهة من الآثار، والتأثيرات النهائية لأي انفجار نووي تعتمد على قوة الرأس الحربي نفسه والبيئة المادية التي يستخدم فيها. ويفترض منطقياً بأن قوة السلاح النووي المستخدم في ضربة تكتيكية أن تقل عن 20 كيلوطناً، وكما هي الحال مع جميع الانفجارات النووية، تنبع الآثار التدميرية المباشرة للسلاح النووي التكتيكي بصورة أساسية من موجة الانفجار (الضغط) والإشعاع الحراري (الحرارة) والإشعاع المؤين. وبصورة عامة، يتشابه وجود هذه الآثار وخصائصها بغض النظر عن قوة الانفجار، ولكن مدى تأثيرها يتحدد إلى حد كبير بقوة الانفجار ونوعه وتضاريس المنطقة المستهدفة وخصائصها وارتفاع الانفجار، إضافة إلى الأحوال الجوية.
أول تأثير فوري لأي انفجار نووي هو الوميض الساطع للانفجار أي كرة اللهب. وخلال الثواني القليلة التالية، ترفع الطاقة المنتقلة إلى البيئة المحيطة درجات الحرارة إلى 3000 درجة مئوية قرب مركز الانفجار، مما يؤدي إلى تبخير بعض المواد واشتعال أخرى. وفي أول 1500 متر محيطة بكرة لهب نووية قوتها 20 كيلوطناً، تكفي هذه الطاقة الحرارية الهائلة لإشعال حرائق خاطفة في المباني والمعدات، والتسبب بحروق من الدرجتين الثالثة والرابعة لأي شخص معرض لها. أما من هم أقرب إلى الحافة الخارجية لهذه المنطقة، فيعانون آثاراً حرارية شديدة، تشمل الحرائق والحروق والعمى.
تؤدي الحرارة الشديدة المنبعثة من كرة اللهب إلى تدرج ضغط جوي هائل، أو ما يعرف بموجة الانفجار. تنتقل هذه الموجة بسرعة تفوق سرعة الصوت مبتعدة عن كرة اللهب، وتضعف بفعل الغلاف الجوي مع مرور الوقت، مولدة ضغطاً زائداً يصل إلى 1370 كيلوباسكال قرب مركز الانفجار، لينخفض إلى 137 كيلوباسكال على امتداد 800 متر. حتى على هذه المسافة، لا تستطيع المباني التقليدية تحمل هذه الصدمة المفاجئة حيث تصل سرعة الرياح في بعض الأماكن إلى أكثر من 1000 كيلومتر في الساعة، فتنهار أو تصاب بأضرار جسيمة. كما لا توفر الملاجئ الخرسانية فوق سطح الأرض، وبعض المنشآت المحصنة تحت الأرض، حماية كافية ضد هذا الضغط، حتى بالنسبة إلى من نجوا من موجة الحرارة.
وإذا كان الهدف من الضربة استهداف منشآت تحت الأرض شديدة التحصين مثل صوامع الصواريخ، ففي هذه الحالة، ستجرف مواد مثل التربة وغيرها من الحطام من الأرض إلى كرة اللهب النووية، حيث ستختلط بالمواد النووية المنبعثة أثناء الانفجار. وستعود هذه الجسيمات الملوثة إلى السطح في صورة تساقط إشعاعي، وتنتشر بعيداً من مركز الانفجار بمرور الوقت، مُشكّلةً خطراً جسيماً لعدة عدة بعد الانفجار نفسه.
وسيعتمد تأثير هذا التلوث بصورة كبيرة على مكان سقوط السلاح النووي التكتيكي. ففي المناطق الحضرية، قد يشكل التساقط الإشعاعي خطراً إشعاعياً مباشراً على البشر والحيوانات، مما يستدعي توفير المأوى أو عمليات الإخلاء حتى يتلاشى التلوث إلى مستويات آمنة أو حتى يمكن إزالته. أما في المناطق الريفية، فقد تؤثر المنطقة المتضررة على أراضٍ زراعية مهمة أو بنية تحتية رئيسة للنقل، مما يستلزم إجراء قياسات ميدانية متكررة ومفصلة لتمكين السلطات من تقديم التوجيه المناسب للسكان والعمال.