Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تتحول حرب السودان في عامها الرابع إلى معارك استنزاف طويلة؟

توقعات بأن تشهد المعارك توسعاً في استخدام سلاح المسيرات إذ يرى فيها الجيش بديلاً فعالاً للطيران الحربي التقليدي

تتسع جغرافية المعارك وتتمدد مأساة ملايين السودانيين (أ ف ب)

ملخص

سيناريوهات العام الرابع لحرب السودان سلام مفاجئ أم استنزاف طويل وتفكك؟

مع مرور ثلاثة أعوام على الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" التي اندلعت منتصف أبريل (نيسان) 2023، ودخولها عامها الرابع، لا تزال المعارك محتدمة في أجزاء واسعة من البلاد من دون أفق للحل، بعد فشل كل المسارات والمبادرات الإقليمية والدولية في الوصول إلى حل سياسي للأزمة يوقف الحرب. ومع استمرار تدفق السلاح والتوازن النسبي في القوة وتعذر الحسم العسكري الساحق، تتسع جغرافية المعارك وتتمدد مأساة ملايين السودانيين.

فإلى أين تتجه الحرب في عامها الرابع؟ وما هي المسارات والسيناريوهات التي تتنافس الآن على أرض الواقع، نحو الحسم العسكري: تسوية سياسية مفاجئة بضغط دولي، أم حرب استنزاف طويلة تقود البلاد نحو ترسيخ التقسيم الجغرافي الماثل القائم على مناطق السيطرة والنفوذ الراهن على الأرض؟

تعدد واتساع

من أبرز ملامح وسمات العام الثالث للحرب هي تحولها من حرب ثنائية بين الجيش و"الدعم السريع" إلى متعددة الأطراف بدخول "الحركة الشعبية / شمال" بقيادة عبدالعزيز الحلو من مقر رئاستها بجنوب كردفان، مع زيادة عدد اللاعبين الإقليميين بدخول إثيوبيا ودول أخرى مجاورة أيضاً على خط الحرب.

ضمن تلك السمات، بحسب المراقبين، اتساع رقعتها الجغرافية بتعدد جبهات القتال وغياب مؤشرات الحسم العسكري في مقابل استمرار تبادل مناطق السيطرة على الجبهات القديمة المشتعلة في دارفور وكردفان، وفتح أخرى بالنيل الأزرق، مع استمرار تدفقات السلاح من مصادر خارجية عدة.

سياسية عسكرية

في السياق، يرى المتخصص في الشؤون العسكرية اللواء السابق الصادق عبدالله أحمد أنه وعلى رغم صعوبة التنبؤ بدقة بمآلات الحرب في عامها الرابع أو تصور السيناريوهات المتوقعة في العام الجديد، إلا أن المؤكد وفقاً للسياقات الجارية حتى الآن أن هذه الحرب تتشابك فيها المسارات العسكرية والسياسية لتشكل جوهر الصراع، لذلك لا يستبعد كثير من المتابعين احتمال حدوث اختراق كبير يشكل مفاجأة للسودانيين خلال العام الرابع للحرب، بأن تثمر الضغوط الدولية والإقليمية التي تقودها أطراف دولية فاعلة في مجموعة الرباعية الدولية، عن فرض هدنة إنسانية توقف إطلاق النار، بعد أن استشعر العالم عظم المأساة التي ضربت السودان وأهله. وذلك بالنظر إلى التطورات الجارية حالياً في شأن فرض هدنة و"خريطة طريق" جديدة، فضلاً عن التوقعات المتأرجحة في شأن مخرجات مؤتمر برلين المتزامن مع ذكرى اندلاع منتصف أبريل من كل عام.

التقدم الميداني

مع ذلك يرى أحمد أن من السيناريوهات الراجحة أن يواصل الجيش تقدمه الميداني بمساندة حلفائه في القوات المشتركة وقوات درع السودان والمستنفرين، مستفيداً من تجربته في الفترة السابقة باستعادة ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار وأجزاء من إقليم كردفان، ويتمكن بالتالي من التقدم  والاقتراب لتحقيق نصر عسكري حاسم على ميليشيات "الدعم السريع" ويتهيأ بعدها للمرحلة التالية لاستكمال بسط سيطرته على كامل أراضي السودان.

مخاوف التفكك

أسوأ السيناريوهات وأخطرها التي تثير المخاوف وفق أحمد، هو الانجراف نحو ما سماه "النموذج المكسيكي"، المتمثل في إنهاك وانهيار وتفكك كل من الجيش وميليشيات "الدعم السريع" نتيجة الإنهاك وطول أمد القتال والاستنزاف الطويل على مدى ثلاثة أعوام، بخاصة مع تناقص مستويات الإمداد التي تقود إلى تنامي الانشقاقات الداخلية داخل الجيوش ذات التركيبة الهشة.

في هذا النموذج وفق المتخصص العسكري، غالباً ما تكون الجيوش الكبرى التي تتألف من ميليشيات متعددة أكثر عرضة إلى الانقسام والتفتت على أسس جهوية ومناطقية أو قبلية، يجري تنظيمها لاحقاً في وحدات أصغر لتقوم كل منها بالسيطرة على رقعة جغرافية أو منطقة محددة دفاعاً عن مجموعتها العرقية أو القبلية. وهو ما حدث أثناء الحرب المكسيكية - الفرنسية في أعوام 1863 إلى 1867. وللتخلص من هذا الوضع المنفلت، استعان الأمبراطور الفرنسي وقتها نابليون الثالث بالكتيبة السودانية، التي أطلق عليها اسم "الكتيبة السوداء"، ونجحت في حل الانفلات الأمني.

حسم كردفان

على نحو متصل يستبعد المراقب العسكري الأمين عبدالرؤوف أن يشهد عام الحرب القادم حسماً عسكرياً كاملاً لأي طرف، متوقعاً أن يتابع الجيش تكثيف ضغطه الهجومي لحسم المعارك لصالحه في محور كردفان، بالاستفادة من تفوقه الميداني الراهن وتراجع "الدعم السريع" من المناطق المكشوفة والاعتماد على المسيرات وحرب العصابات وتجنب المواجهات الكبيرة المباشرة، وذلك بالتوازي مع عملياته العسكرية المستمرة في محور دارفور، بينما يستمر في خطة الدفاع والاستنزاف على جبهة النيل الأزرق المشتعلة حديثاً.

لذلك، وفق عبدالرؤوف، من المنتظر أن يواصل الجيش استهداف خطوط إمداد "الدعم السريع" سواء القادمة عبر صحراء دارفور من تشاد وليبيا، أو على الحدود الشرقية المتاخمة لدولة إثيوبيا، ثم يبدأ عقب تثبيت مكاسبه في كردفان، الانفتاح الكبير بنقل ثقل الحرب إلى داخل حدود دارفور ليكون الإقليم هو نقطة الفاصلة في الحرب.

الاستنزاف الطويل

على الصعيد ذاته، يرى الباحث الأمني والسياسي إسماعيل يوسف أن جميع المؤشرات الميدانية تنبئ بأن الحرب بدأت تستقر في مربع حرب الاستنزاف طويلة الأمد، وذلك باعتماد أكبر على سلاح الطائرات المسيرة كمحرك أساس للعمليات العسكرية وإحدى وسائل الاستنزاف الفعالة، مما يشير إلى أن التطورات العسكرية في العام الرابع للحرب مرشحة أن تمضي لصالح تثبيت مناطق النفوذ والسيطرة الحالية، إذ يسيطر الجيش على المركز والشمال والشرق، بينما تتمركز قوات "الدعم السريع" في أجزاء كبيرة من الغرب.

يتوقع يوسف أن تشهد الحرب توسعاً في استخدام سلاح المسيرات، إذ يرى فيها الجيش بديلاً فعالاً للطيران الحربي التقليدي يمكن عبره إعادة تشكيل المشهد العسكري في العام الرابع، بخاصة بعد أن أثبتت فعاليتها الهجومية مع دقة استهدافها العالية كوسيلة أقل كلفة من مقاتلات السوخوي والميغ التقليدية، إلى جانب حاجتها إلى عمليات الصيانة المستمرة. كذلك تشكل المسيرات أبرز أدوات حرب الاستنزاف ونقلها المعارك من المواجهة عبر المحاور والجبهات إلى الترصد وتجفيف مصادر وممرات الإمداد، التي تمثل الوقود الحقيقي لاستمرار الحرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، وفق الباحث الأمني، تعمل قوات "الدعم السريع" من جانبها على تطوير قدراتها في مجال الطيران المسير بحصولها بصورة شبه منتظمة على طائرات من دون طيار عبر خطوط إمداد إقليمية. غالباً ما تستخدمها من أجل إرباك دفاعات الجيش الجوية وضرب المطارات والقواعد العسكرية، كذلك تستهدف البنية التحتية المدنية في الولايات والمدن المستقرة مثل نهر النيل والشمالية والقضارف والنيل الأبيض، وأخيراً النيل الأزرق، من بوابة تعظيم الخسائر وتكثيف الضغوط الاقتصادية لإضعاف قدرات الدولة.

تعقيدات ومهددات

على نحو متصل، يرى المتخصص في النزاعات الأهلية سالم الشريف أن المشهد السوداني برمته يتجه في عامه الرابع نحو مزيد من التعقيدات الميدانية، بخاصة في ظل غياب قدرة أي من الطرفين على الحسم العسكري الكامل، مما يعني استمرار الوضع الميداني الراهن لفترة طويلة، الأمر الذي يمهد لتقسيم جغرافي محتمل يقوم على أساس مناطق النفوذ والسيطرة الراهنة، إذ يوطد الجيش السوداني سيطرته على المركز وشمال وشرق البلاد، بينما تعزز قوات "الدعم السريع" من قبضتها على معظم إقليم دارفور، وأجزاء قليلة من إقليم كردفان.

يرى الشريف أن التطور النوعي في الاستخدام المتبادل المكثف للطائرات المسيرة المتقدمة، خلال العام الثالث للحرب، سيسهم في توسيع رقعة القتال ونقله إلى مناطق كانت تعتبر آمنة في السابق. وهذا ينذر بدمار أوسع نطاقاً وخسائر بشرية نظراً إلى التهديد المباشر لحياة المدنيين وما تبقى من البنية التحتية بالبلاد، فضلاً عن أن السعي والإصرار على الحسم العسكري خلال العام الرابع ينذر باتجاه باللجوء إلى استخدام أسلحة أكثر تدميراً وقوة نيران أكبر فتكاً، مما سينقل الحرب في بعض الجبهات من الكر والفر إلى معارك ومواجهات شرسة ومفتوحة بالاعتماد على مزيد الأسلحة الثقيلة.

تصدعات وتحولات

يعتقد المتخصص بالنزعات أن الانشقاقات الفردية والجماعية المتزايدة التي تضرب قوات "الدعم السريع" خلال هذه الأيام على مستوى كبار قادتها الميدانيين، قد تشكل البداية لتحول كبير في مسار المعارك المقبلة، إذ يتوقع أن يؤدي ضعف القيادة والسيطرة وارتباك تراتبية انسياب الأوامر في فوضى ميدانية وتراجع القدرة القتالية، ويدفعها إلى الاعتماد على عناصر أقل تدريباً.

يردف "الخلافات الميدانية في الرؤى السياسية والعسكرية وتزايد الاتهامات المتبادلة بين القيادة العليا والقادة الميدانيين خلال الأشهر الأخيرة، في شأن إدارة العمليات، يزيد من احتمالات تصدع ’الدعم السريع‘ وانسحابه من كردفان بعد إعلان القائد الميداني الكبير اللواء النور قبة وأحد مؤسسييها، انشقاقه بكامل قواته هذا الأسبوع، يرجح احتمالات انسحاب ’الدعم السريع‘ كلياً من كردفان والرمي بثقلها في دارفور وجنوب كردفان استباقاً لتفاقم التصدعات، عقب التململ الذي أبداه قادة كبار آخرون".

انشقاق كبير

وكان القائد المنشق النور أحمد آدم الشهير بـ"النور قبة"، أكد في رسالة صوتية جرى تداولها على نطاق واسع، قراره بمغادرة صفوف "الدعم السريع"، متجهاً إلى ما سماه بـ"حضن الوطن"، أو أية جهة أخرى يرى أنها تمثل موقفه الجديد.

نفى قبة أن يكون قد اتهم بالخيانة من قوات "الدعم السريع"، منتقداً التهميش والتقليل من قدره الذي كان يعانيه منه لا سيما من قيادات عليا في تلك القوات، لم تقدر مكانته الاجتماعية، واتهمها بعدم فهم الشعارات التي يرفعونها، وأنهم لا يملكون مشروعاً واضحاً أو قضية يقاتلون من أجلها.

مع كل ذلك يرجح الباحث أن يستمر القتال الشرس على خطوط التماس من دون تغيير جوهري في الخريطة الميدانية، بالتركيز على إقليمي كردفان ودارفور وجبهة النيل الأزرق الجديدة. ومع استمراره، تتعاظم بصورة أكبر احتمالات دخول دول جوار في النزاع لحماية حدودها أو مصالحها، مثلما بدأت ملامحه تظهر في الشريط الحدودي مع إثيوبيا جنوب شرقي البلاد.

حصاد الميادين

بعد انقضاء ثلاثة أعوام كاملة على الحرب في السودان، تجمدت رقعة ميادين القتال والسيطرة لتتحول إلى ما يشبه التقسيم الواقعي. ونشأت بموجب ذلك حكومة أخرى منافسة للحكومة السودانية التي تشكلت في بورتسودان وانتقلت إلى الخرطوم، في مقابل حكومة (موازية) تتخذ من مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور عاصمة لها، تتبع لتحالف "تأسيس" بقيادة قوات "الدعم السريع". وعلى رغم مناداة الطرفين وإعلانهما في خطابهما السياسي التمسك بوحدة جغرافيا السودان ومناهضة تقسيمه، إلا أن مراقبين يرون أن طول أمد الانقسام الحالي، وإنشاء قوات "الدعم السريع" وحلفاؤها هياكل تنفيذية وإدارية لحكم السودان الغربي بصورة مستقلة عن بقية البلاد، يجعل من الصعب إعادة تجميع شتات البلاد.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير