Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مهرجان "مالمو" يكرم السعودي الرائد عبدالله المحيسن

 يقول السينمائي السعودي: "الرقابة كانت ذاتية ولم  يفرض علي أحد أمراً"

المخرج عبدالله المحيسن مكرماً في مهرجان مالمو السويدي (صورة محمد حامد)

ملخص

في لحظة تكريمه خلال "مهرجان مالمو السينمائي" الـ16 (10 إلى 16 أبريل – نيسان الجاري) الذي انطلق مساء الجمعة، يبدو المخرج السعودي عبدالله المحيسن الواقف على أعتاب الـ80، كأنه يعود من زمن آخر ولّى إلى غير رجعة، ذلك أن تصوره للسينما لا يزال ينتمي إلى مفاهيم ترى في السينما موقفاً وسؤالاً، بعيداً من هواجس الصناعة وشروطها.

منذ البداية، تسلل السينمائي عبدالله المحيسن إلى هذا الفن من باب الحاجة. حاجة جاءت من داخله إلى الكلام والبوح، وأيضاً إلى تصحيح صورة والانتصار لفكرة. أما سيرة هذا الذي ولد في مكة المكرمة فتبدو كأنها تشكلت عكس التيار، في بلد بلا صالات عرض، وفي بيئة لم تكُن ترى في السينما ضرورة، اختار أن يجعل من السينما "أداة معرفة" و"لغة مواجهة". من طفولته، يتذكر "كنا نشاهد أفلاماً بالـ16 مليمتراً مرتين أسبوعياً. لم تكُن هناك صالات، كانت هذه العروض تصل إلى منازلنا. في المدرسة، بدأتُ أرسم. والدي لم يكُن راضياً عن ذلك. فلجأتُ إلى الكاميرا".

هكذا حدث الانزلاق، من اليد إلى العين، من الخط إلى الضوء. لكن الوعي الحقيقي لم يتكون في الداخل، بقدر ما جاء من الخارج، من بيروت أولاً، ثم من لندن لاحقاً. في العاصمة البريطانية، شاهد الأفلام وتعلم مناقشتها وتفكيكها، ثم النظر إلى ما خلفها. وفي أحد الأيام سئل "لماذا لا تحاول درس السينما؟". وتلك هي اللحظة التي تحولت فيها السينما من كونها متعة إلى كونها قدراً.

 

في مسيرة المحيسن، لا توجد عقدة النوع، فلا فرق بين وثائقي وروائي. وما يحدد الشكل هو الموضوع، أو كما يقول بإصرار لافت "الفكرة هي التي تملي عليّ إنجاز الفيلم. الموضوع هو الذي يملي عليّ المعالجة السينمائية الصحيحة". جملة تختصر مشروعه كله. فهو كما يقول لا يبحث عن الشكل، وإنما عن ضرورة الشكل. وضمن أعماله المبكرة، كان واعياً بأن الصورة يمكن أن تخون الحقيقة، وأن السينما قد تكون أداة تزييف بقدر ما هي وسيلة كشف. لذلك انطلق مشروعه كنوع من الرد "كنت أرى التقارير الإخبارية التي تحكي عن الحرب الأهلية في لبنان. فوددتُ أن أقدم فيلماً أستطيع من خلاله أن أرد على الأخطاء، فكان "اغتيال مدينة". هكذا وُلد بعض أفلامه، من الرغبة في التصحيح.

لحظة مفصلية رواها لي، حدثت في لندن، في معهد السينما تحديداً. بعد خضوعه لامتحان، جاءه الحكم القاسي من أستاذه، قال له "أنت مخرج مفكّر". لم يفهمها آنذاك، لا بل تلقاها كصفعة، هو الذي كان يحلم بسينما أقرب إلى مغامرات جيمس بوند، بيد أن العبارة ظلّت عالقة في رأسه. لاحقاً، بعدما أخرج "اغتيال مدينة"، عاد لها، وشعر بأن الأستاذ يعرف التلميذ قبل أن يعرف التلميذ نفسه.

السينما قضية

 

هكذا انتقل من السينما كإنجاز تقني إلى السينما كقضية ورؤية للعالم. عندما يتحدث عن أعماله، يستخدم مفردات الصراع، بعيداً من مفردات الصناعة، الصراع الدولي والصورة المشوهة والإنسان العربي والهيمنة، إلخ. أما توصيف تجربته فجاء من الخارج، لكنه تبناه لاحقاً

"قالوا لي إنني قدمتُ سينما اسمها سينما القضايا". وهذا توصيف دقيق، فهو لطالما نبذ سينما الأفراد، مفضلاً عليها سينما الأوضاع. وفي "ظلال الصمت" مثلاً، وهو أول فيلم روائي طويل سعودي، قدّم بنية استعارية عن السلطة والعالم "إذا نظرتَ إلى العالم اليوم، سترى أنه هناك مَن يقود، وهناك مَن يقود القائد".

مع "ظلال الصمت" (2006)، تناول المحيسن مأزق الفرد العربي العالق بين أعباء ماضٍ متراكم وحاضر خانق وهواجس مستقبلٍ غامض يلوح خالياً من الأمل، عارياً من الحلم. إنه تصوير مكثف لحال اغتراب وجودي، حيث تتأكل القدرة على الفعل أمام سطوة الزمن وتحولاته القاسية.  وصُوّر العمل في رحاب مدينة تدمر السورية، مع كوكبة من نجوم العالم العربي، من بينهم عبدالمحسن النمر ونايف خلف من السعودية، ومحمد المنصور من الكويت، فضلاً عن غسان مسعود وفرح بسيسو ومنى واصف ورجاء فرحات من سوريا. وشارك أيضاً في إنجاز الفيلم طاقم فني وإنتاجي ضخم قارب الـ400 فرد، مما يعكس طموح المحيسن إلى استعادة حضوره السينمائي بعد انقطاعٍ دام أكثر من 13 عاماً منذ تقديمه فيلمه الوثائقي "الصدمة" عن حرب الخليج الثانية.

يقارب المحيسن السينما كسلسلة أسئلة مترابطة، تسعى إلى إثارة القلق. ورسالته أن يحرك الإنسان، ويقوده إلى التساؤلات، مما يفسر اختياره أحياناً لأساليب أقرب إلى الحلم أو السوريالية "تسحب المشاهد بشكل ناعم حتى يعيش في الحلم. ومن الحلم تدخله إلى التساؤلات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن أكثر أفكاره وضوحاً وجرأة، رفضه للتصنيفات الوطنية الضيقة "أنا لا أؤمن بسينمائي سعودي أو لبناني أو مصري… أنا أؤمن بسينمائي عربي". وهذه ليست مجرد عبارة إنشائية، وإنما رؤية عملية فرضها في "ظلال الصمت"، فيلم ناطق باللغة العربية الفصحى. ففي نظره أن المشكلة الأساسية تقع في تشتت المواهب لا في نقصها. "هناك 300 مليون عربي. إذا ما استطعنا استخدامهم بعضهم مع بعض، نكون قد ظلمنا أنفسنا".

ويصر المحيسن على أنه لم يكُن مراقَباً على امتداد تجربته السينمائية، بل على العكس "الرقابة هي رقابة ذاتية، لا أحد فرض عليّ شيئاً". لكن هذا لا يعني أن الطريق كان سهلاً. الصعوبة تجسدت في غياب البنية بدلاً من غياب الحرية. "لم أنَل الدعم في إنتاج الأعمال التي أحلم بها. لو كانت هناك مؤسسة، كانت سهّلت مهمتي كثيراً".

في مدينة نانت الفرنسية عام 2006، نظم مهرجان القارات الثلاث احتفالاً ببدايات السينما السعودية، مع ثلاثة أفلام كان "ظلال الصمت" أحدها. سألته يومها "لماذا تأخرت ولادة السينما السعودية إلى هذا الحد؟". إجابته كانت حاسمة، بعيداً من التفسيرات الأيديولوجية الجاهزة "أي مجتمع لديه أولويات، والسينما تبقى من الكماليات"، مضيفاً أيضاً أن المشكلة في غياب شروط قيام صناعة. ومع ذلك، كان يرى أن الوعي موجود، "الجمهور السعودي واعٍ للسينما، يفهمها ويقدرها بشكل كبير".

اقرأ المزيد

المزيد من سينما