ملخص
رغم أن عملية هدم الفلسطينيين الذاتية لمنازلهم في القدس أشبه بـ"من يفقأ عينيه"، فإنهم يُجبرون عليها حتى لا يدفعوا أموالاً باهظة مقابل هدمها من جانب السلطات الإسرائيلية.
لم يمر سوى أربعة أعوام على هدم السلطات الإسرائيلية منزل الفلسطيني وائل الطحان في مدينة القدس، حتى اضطر لهدم منزله الآخر، ولكن هذه المرة بنفسه، وذلك في ما يشكل ظاهرة تختص بها المدينة، وشملت 23 منزلاً منذ بداية العام الجاري.
ورغم أن عملية هدم الفلسطينيين الذاتية لمنازلهم في القدس أشبه بـ"من يفقأ عينيه"، فإنهم يُجبرون عليها حتى لا يدفعوا أموالاً باهظة مقابل هدمها من جانب السلطات الإسرائيلية.
وقال وائل لـ"اندبندنت عربية"، إنه هدم منزله في حي رأس العامود بنفسه بعد وصوله إلى "طريق مسدود" مع بلدية القدس، ولكي لا يضطر إلى دفع أكثر من 30 ألف دولار أميركي للسلطات الإسرائيلية مقابل الهدم، بعد أن دفع خلال الأعوام الماضية أكثر من 40 ألف دولار غرامة بسبب البناء من دون ترخيص.
وقال وائل إن "السلطات الإسرائيلية هدمت منزلي الأول في حي رأس العامود قبل أربعة أعوام، وكان يعود إلى 30 عاماً، بدعوى البناء من دون ترخيص".
ووفق وائل، فإنه "لم يبقَ لديّ إلا شقة صغيرة بعد ذلك، واضطررت إلى هدمها اليوم بنفسي لأنهم لن يتركونا في حالنا".
ولو تحت شجرة
وتأتي عمليات الهدم تلك بعد معارك قانونية بين الفلسطينيين وبلدية القدس، وينتهي معظها بقرار نهائي من المحاكم الإسرائيلية بهدم المنازل مع تخييرهم بين الهدم الذاتي أو الدفع للسلطات الإسرائيلية للقيام بالهدم.
محور تلك المعارك يكون حول البناء من دون ترخيص من بلدية القدس الإسرائيلية، في ظل صعوبة تصل إلى حد استحالة الحصول على تلك التراخيص، خصوصاً في ما يسمى "الحوض المقدس" في المدينة.
ومع أن بناء الفلسطينيين في أحياء القدس يعود إلى الزيادة السكانية الطبيعية لهم ورغبتهم في التوسع العمراني على أراضيهم، لكن بلدية القدس ترفض منحهم تراخيص للبناء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويعود المنع إلى حجج تشمل أن تلك الأراضي يمنع البناء عليها "لأنها مقدّسة لليهود، أو مخصصة لـ"المناطق الخضراء".
وتُظهر الخرائط الهيكلية لمدينة القدس التي وضعتها بلدية القدس الإسرائيلية تخصيص 14 في المئة فقط من مساحة المدينة للإعمار في الأحياء الفلسطينية للمدينة، فيما خصصت بقية أراضي المدينة كمناطق خضراء.
وفي حي البستان غير البعيد من حي رأس العامود في القدس، اضطر الفلسطيني محمد عودة إلى هدم منزله بنفسه، إضافة إلى منزل شقيقه.
وأوضح محمد أن بلدية القدس أصدرت أمراً بهدم المنزل منذ عام 2009 بذريعة وقوعه فوق مكان في منطقة هي "الأقرب بين الأرض والسماء"، وفق المعتقدات اليهودية.
ومنذ تلك السنة خاض محمد وشقيقه معارك قانونية مع بلدية القدس قبل أن تصدر المحكمة الإسرائيلية أمراً بالهدم بحجة البناء من دون ترخيص قبل أن تصدر قراراً نهائياً بالهدم عام 2025.
ووفق محمد فإنه "دفع غرامة بقيمة 70 ألف دولار بسبب البناء من دون ترخيص، قبل أن يضطر إلى هدم منزله اليوم بنفسه، لكي لا يضطر إلى دفع مبالغ باهظة للسلطات الإسرائيلية".
وأوضح أن عائلته وعائلة شقيته تعيشان بعد إخلاء منزلهما عند أقاربهما إلى حين العثور على شقة سكنية يقيمون فيها داخل القدس التي يصر على البقاء فيها "ولو تحت شجرة".
واشتكى محمد من استحالة الحصول على رخصة بناء للفلسطينيين في القدس، بخاصة في بلدة سلوان وجوارها، على رغم الحاجة إلى التوسع العمراني بسبب زيادة عدد السكان.
وخلال حديثه لـ"اندبندنت عربية"، كان جاره في الحي محمد قويدر يقوم بهدم منزله هو الآخر لتفادي دفع كلف الهدم الباهظة.
أوضح محمد أن عائلته تمتلك وثائق بملكية قطعة أرض في حي البستان تعود إلى القرن الـ17، حيث يوجد لعائلة عودة أكثر من 20 منزلاً في الحي.
حتى كلاب الحراسة
خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري هدمت إسرائيلي أكثر من 147 منزلاً في مدينة القدس، 23 منها بشكل ذاتي، بحسب المستشار القانوني لمحافظة القدس معروف الرفاعي. مشيراً إلى "زيادة غير مسبوقة في عمليات الهدم، فمنذ بداية الشهر الجاري هُدم أكثر من 10 منازل حتى الآن".
وفي عام 2025 وحده هدمت إسرائيل 367 منزلاً في القدس، وخلال الخمسة أعوام الماضية ارتفع العدد إلى أكثر من 1200 منزل بحجة البناء من دون ترخيص، وفق الرفاعي.
وفي شأن الهدم الذاتي للمنازل، قال الرفاعي إن إسرائيل "تُفضل ذلك الخيار؛ لأنه لا يُظهرها وهي تدهم منازل الفلسطينيين أمام الرأي العام العالمي".
وأشار إلى أن الفلسطينيين "يضطرون إلى هدم منازلهم التي صدر بحقها أوامر هدم نهائية تفادياً لدفع مبالغ كبيرة تشمل أجور الجرافات وقوات الأمن الإسرائيلية ومركبات الإسعاف والدفاع المدني وحتى كلاب الحراسة المرافقة لهم".
وتابع الرفاعي أن "إسرائيل أجبرت فلسطينيين على العمل لأعوام كي يسددوا أجرة هدم منازلهم، التي تتفاوت بحسب مساحة المنزل المهدوم".