Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المغرب يحتفي بالشعرية الفلسطينية بعيدا من السياسي

منجزات إبداعية يغلب عليها الاهتمام بالجمالي ومشاغل التخطي والانشقاق عن الميراث

لوحة للرسام الفلسطيني تيسير شرف (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

احتفاء جائزة "الأركانة العالمية للشعر" أخيراً بـ"الشعرية الفلسطينية" يعزز مكانة هذه الجائزة التي يمنحها "بيت الشعر في المغرب"، الذي اختار هذا العام أربعة شعراء فلسطينيين ينتمون إلى جيل الثمانينيات: غسان زقطان ويوسف عبدالعزيز وطاهر رياض وزهير أبو شايب.

لئن استبطن هذا الاحتفاء موقفاً نقدياً يعكس ذائقة عميقة، فإنه للمرة الأولى يتوجه إلى أصوات جماعية، وليس إلى صوت واحد، كما درجت العادة منذ أن انطلقت الجائزة عام 2002. أضف إلى ذلك أن التجارب المستحقة للجائزة، في دورتها الـ18 ذات إسهام واضح في الشعرية الفلسطينية، مما يعلي من شأن الجودة على حساب التعاطف الوجداني مع المأساة الفلسطينية الممتدة.

الجمالي لا السياسي

الشعراء الأربعة الفائزون بجائزة الأركانة (سميت بذلك نسبة إلى شجرة الأركان الفريدة التي تنبت في جنوب المغرب) يتوافرون على منجزات إبداعية يغلب عليها الاهتمام بالجمالي ومشاغل التخطي، واشتقاق لغة تحاول، ولا تزال، الانشقاق عن الميراث الشعري السخي الذي بناه الرواد، وتحديداً في التجربة الفلسطينية. لكن مهمة الانشقاق المبرم تبدو صعبة، لا سيما عندما تكون الذاكرة الشعرية مأهولة بأسماء كبيرة تغلغلت لغتها ورؤيتها وتجريبيتها في مسام الشعر الفلسطيني والعربي.

بيد أن التجارب الشعرية الأربع لزقطان وعبدالعزيز ورياض وأبي شايب لا تنتمي إلى حساسية موحدة، بل يمكن بالاستقراء الأولي أن تنقسم إلى حساسيتين، تتمثل الأولى في تجربتي زقطان وعبدالعزير، والثانية في تجربتي رياض وأبي شايب، على أن التجارب الأربع تجمعها حساسية مشتركة أماراتها الاعتناء البالغ والبليغ باللغة، واشتقاق مفردات تبدو كما لو أنها اختفت من المعجم الشعري العربي، فضلاً عن إعادة الثقة بالميراث البلاغي العربي، من دون خشية من النقاد والقراء على حد سواء، وهذا ما نلمحه بشدة في تجربتي أبي شايب ورياض.

الغنائية معلنة ومستترة

ومن المشترك أيضاً في هذه التجارب هو الغنائية التي تتجلى في الحساسية الأولى عبر الإفصاح المتوتر، لكنها تستتر في شعر رياض وأبي شايب. وفي الحالين لا تتنازل التجارب الأربع وبخاصة في أعوام النضوج (إن جاز التعبير) عن الإصغاء الوجودي لأصوات الكون، على ما يستتبعه هذا الخيار المدرك من الخروج من الحيز الضيق للمكان إلى فضاء فسيح تتكثف فيه التجربة الإنسانية التي يتشاركها (ويكابدها) البشر في التاريخ والجغرافيا.

في تكريم "الشعرية الفلسطينية" لا تحضر فلسطين، بصورة مباشرة، كجاذب نفسي يستدعي الامتنان لمقاومة الفلسطينيين، ولا لكون فلسطين ضمير الإنسانية وهوية الأحرار، فحسب، بل علاوة على ذلك لأن فلسطين تنجب وهي تحت النار شعراً مجيداً مخلصاً للرؤى والتفتقات الجمالية التي تفتح أفقاً شعرياً متجدداً لا نهاية لرهاناته الإبداعية.

القصيدة الوطنية

وما يعزز ذلك أن تجربتي أبي شايب ورياض، لم تستهلا بالبداية التقليدية التي درج عليها غالبية الشعراء من ذلك الجيل الثمانيني الذين دشنوا تجاربهم بالقصائد الوطنية (وبعضها مباشر ومنبري). وفي هذا السياق يعترف يوسف عبدالعزيز "جذبني مشهد الثورة الفلسطينية، بكل ما يحمله من مقاومة وتضحيات وأمل قادم بتحرير فلسطين. عشت في زمن الفدائيين وكتبت الشعر وهو الزمن الأجمل في حياتي، وتشكلت قصائدي الأولى في لباس الفدائيين". على أن اعتراف صاحب "ذئب الأربعين" لا يعد مثلبة، لأن قصيدة عبدالعزيز اللاحقة نهلت من ينابيع الجمال القصوى، وصنعت أرضاً سماوية للخيال.

 

أما تجربة غسان الأولى فتولدت مع صدور مجموعته الأولى "عرض حال للوطن" عام 1977 التي اشترك فيها مع الشاعر الراحل محمد الظاهر، بيد أن صاحب "بطولة الأشياء" 1988، سرعان ما انفصل عن هذا الخيار "الجمالي"، وهو ما كان لمح إليه الشاعر اللبناني الراحل إسكندر حبش في حوار مع زقطان نشر في صحيفة "السفير": "منذ البداية، افترق شعرك، عما عرفناه من (شعر فلسطيني)، كان يتكئ على (خطاب نضالي) إذا جاز التعبير. فلسطين كانت حاضرة كخطاب وجودي، أقصد، كنت تنحو باللغة الشعرية إلى أماكن غير مشتركة". وقد ارتبط التحول في الشعرية بانتقال زقطان إلى بيروت، التي كانت في ذلك الحين كعبة الثقافة ومحج الأدباء والشعراء، فطفق زقطان يحدق في التفاصيل الصغيرة ويستولد منها الدهشة الهاجعة في الذاكرة: "الأسماء والأضواء والعائلة والمظلة وصبي الحلاق، وبائع التمر والمشربية والقوس والبسملة في الأعلى...".

شعر لا يعبأ بالمنبرية

في المقابل، نجا زهير أبو شايب وطاهر رياض (ومعهما الراحل زكريا محمد) من هذا العبور الاضطراري من مضيق التعبير الشعري "النضالي"، وأفصحت قصائدهما عن وعي مبكر للشعر، فخاضا مجازفة السباحة ضد تيار الامتثال للذائقة العامة، ولم يعولا كثيراً على الجمهور المباشر، وانخرطا في كتابة شعر لا يعبأ بالمنبرية، ويخوض في التأمل الوجودي المحمول على نزعة وجدت في التجربة الصوفية ملاذاً من دون الإغراق في استنساخ تلك الكتابة، بل تقديمها في إهاب حداثي استفاد من طاقة الكتابة الصوفية باعتبارها مستودع الألم الإنساني وارتباكه، وهشاشة الكائن التواق للانفصال عن الأرضي والاتحاد بالوجود.

وما يعزز قرابة هاتين التجربتين أنهما تطورتا معاً، وسلكتا من دون تنسيق مسبق دروباً غير مطروقة كثيراً في الشعر الفلسطيني، لجهة الانصهار في ما يمكن تسميته التعبير الذري، الذي أفصحت عن بعض ملامحه النظرية الذرية في الفلسفة اليونانية القديمة التي يمثلها "ديموقريطس وليوسبيوس" اللذان نظرا إلى الوجود كذرات متناهية الصغر، وكل ذرة كيان أبدي لا يتغير، وغير قابل للتدمير وغير مستعد للتجزئة، ولكنه قادر على الاتحاد مع الآخرين لتشكيل مواد وأشياء مختلفة. ولعل هذه النزعة غير المرئية بصورة مباشرة تتجسد، إن شئنا التأويل، في المجموعات الشعرية الأخيرة لطاهر رياض "الكأس الحرام"، وزهير أبوشايب "تاريخ العطش"، إذ المعجم المتماثل للمفردات تقريباً، لكنها عند كل شاعر ترتدي لبوساً مغايراً عصبه الحفر الغوري العميق في ذاكرة اللغة وهي تستقصي أحوال الوجود وذراته اللامتناهية التي مر عليها كثير من الشعر مروراً عابراً أو عجولاً.

واستدراكاً فإن الحساسيات التي تناولها الكلام السابق لا تستبطن أحكاماً معيارية، وإنما تتوخى تأكيد تنوع التجربة الشعرية الفلسطينية، ونزوعها الأصيل إلى رفض التماثل، وعزوفها عن ربط جودة القصيدة بموضوعها ونبرتها الصاخبة، إدراكاً من صناع هذه القصيدة بأن الشعر الجميل هو في نهاية المطاف شعر مقاوم.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة