ملخص
مع عودة الدعوات إلى حلها، فإن التساؤلات التي تشغل الشارع السياسي في تونس تتمحور حول مستقبل "حركة النهضة" ومدى قدرتها على إعادة التموضع، لا سيما أنها تجد نفسها خارج المؤسسات المنتخبة على غرار البرلمان، وتواجه قضايا معقدة.
أصدر القضاء في تونس أحكاماً مشددة في حق متهمين في قضية إنشاء "حركة النهضة"، "جهازاً أمنياً سرياً"، في خطوة أحيت جدلاً واسعاً في شأن مصير الحزب، إذ دعت دوائر سياسية إلى حل الحركة التي حكم على زعيمها بالسجن مدى الحياة و30 عاماً إضافية.
وأثير ملف "الجهاز السري" للنهضة منذ عام 2022 بناء على شكوى تقدمت بها هيئة الدفاع عن الناشطين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا في عام 2013، إذ اتهمت الهيئة الحركة بالتورط في إنشاء جهاز أمن مواز له صلة بالاغتيالين، وهو ما نفته الحركة.
وقضت الدائرة الجنائية المتخصصة بالنظر في قضايا الإرهاب في العاصمة تونس بالمؤبد في حق القيادي بـ"حركة النهضة" مصطفى خذر مع 96 سنة إضافية، والمؤبد مع 76 سنة لكل من رضا الباروني والطاهر بوبحري وكمال العيفي (قيادات بالنهضة)، وسبعة متهمين آخرين.
وقضت المحكمة أيضاً بالمؤبد مع 50 سنة سجناً لفتحي البلدي (مسؤول أمني سابق) والمؤبد مع 37 سنة لعبدالعزيز الدغسني (عضو بالنهضة)، والمؤبد مع 32 سنة لكمال البدوي (مسؤول أمني سابق)، والمؤبد مع 30 سنة لسمير الحناشي، وهو مستشار وزير الداخلية السابق.
ووفق المصدر، فإن الحكم تضمن السجن بحق قيادات وأعضاء آخرين بـ"حركة النهضة"، لمدد تراوحت بين 48 سنة و10 سنوات، لإدانتهم في القضية ذاتها.
وشملت القضية، بحسب المصدر، 35 متهماً، بينهم 12 موقوفاً، من بينهم الغنوشي، و12 متهماً في حالة سراح و11 متهماً في حالة فرار.
الحظر ليس حلاً
وما انفكت الدعوات إلى حل "حركة النهضة" تعود للواجهة منذ أعوام بعد إثارة عدد من القضايا ضدها، على غرار "أنستالينغو"، التي تتعلق بإنشاء شركة من أجل قيادة حملات إعلامية ضد السلطات والجهاز السري وتسفير الشباب إلى بؤر القتال.
والأحكام التي صدرت الثلاثاء أولية وقابلة للطعن أمام درجات تقاضي أخرى، فيما صدرت في حق الغنوشي أحكام بالسجن في قضايا أخرى لمدد تجاوزت 70 سنة، وذلك بتهم ينفيها الرجل ويعتبرها "سياسية".
ومع ذلك يرى الباحث السياسي التونسي المنذر ثابت أن عودة الجدل في شأن مصير "حركة النهضة" كانت متوقعة بعد الأحكام الصادرة في علاقة بـ"الجهاز السري" وملف التآمر على أمن الدولة، لكن الإشكال بالنسبة إلى المقاربات التي تدعو إلى حل الحركة أنها "تختزل وجود الإسلام السياسي في وجود هذه الشخصية القانونية للحزب والجوانب المالية المؤطرة لوجودها، في حين أن الإشكال أعمق بكثير"، وفق قوله.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتابع ثابت في حديث خاص أن "الإشكال يتمثل في مدرسة أيديولوجية موجودة، وبناء على ذلك أعتقد أن عملية الحظر لا تحل الإشكال".
ولفت إلى أن "الحظر يمكن أن يدفع نحو تشكل تنظيمات سرية ويعيد توزيع الأدوار داخل الحركة بناء على تحالفات أو اكتساح تنظيمات موجودة، لكن المشكل يتعلق بفكر وأيديولوجيا وتاريخ وتقليد، لذلك الأنسب أن يواجه سياسياً. وبالتالي من تورط في قضايا حساسة مثل الإرهاب يحاسب، ومن لم يتورط يبقى فاعلاً سياسياً يواجه سياسياً في سياق النظام الديمقراطي".
إخلال بقانون الأحزاب
ولم يتسن لـ"اندبندنت عربية" الحصول على تعليق من أحد قيادات "حركة النهضة"، لكن الحزب كثيراً ما نفى امتلاكه جهاز أمن سرياً.
وفي بيان نشرته عقب صدور الأحكام، قالت الحركة إنها تعرب عن "إدانتها الكاملة" لتطورات ملف "الجهاز السري"، داعية إلى وقف هذه "المحاكمات الجائرة" وإطلاق سراح "السجناء السياسيين".
ورأى الباحث السياسي التونسي الجمعي القاسمي أنه "بغض النظر عن هذه الأحكام، فإنها تناولت ملفاً شغل الرأي العام التونسي لأعوام طويلة، وكان أحد الملفات التي طبعت المشهد السياسي في البلاد، وهذه الأحكام تبقى ابتدائية قابلة للاستئناف والطعن. ومن دون الخوض في نوعيتها، فإن هذا الملف شارف على الإغلاق نهائياً باتجاه إدانة المتهمين فيه وبالتالي ’حركة النهضة‘ أيضاً".
وأوضح القاسمي أنه "بالنظر إلى عدد المتهمين في هذه القضية وقضايا أخرى، وهم ينتمون إلى الصف الأول من ’حركة النهضة‘ بدءاً من زعيمها وصولاً إلى إطارات أخرى، فإن هذه تعد من المبررات الرئيسة لإعادة طرح ملف حل ’حركة النهضة‘ قانونياً".
وأضاف أن "من خلال إدانة قياداتها بإنشاء جهاز أمن مواز، تكون ’حركة النهضة‘ قد أخلت بالقانون المنظم لنشاط الأحزاب والمنظمات والجمعيات".
تموضع في المستقبل
ومع عودة الدعوات إلى حلها، فإن التساؤلات التي تشغل الشارع السياسي في تونس تتمحور حول مستقبل "حركة النهضة" ومدى قدرتها على إعادة التموضع، لا سيما أنها تجد نفسها خارج المؤسسات المنتخبة على غرار البرلمان، وتواجه قضايا معقدة.
وعد الجمعي القاسمي أن "الحركات الإخوانية لديها قدرة كبيرة على إعادة التموضع والعمل السري، و’حركة‘ النهضة تلقت ضربات قاسية ومتتالية لأن الجزء الأكبر من قيادات الصف الأول والثاني والثالث في السجن، وجزء هاجر إلى الخارج".
وعليه اعتقد أنه "سيكون من الصعب عليها ترميم صفوفها، لكن ذلك لا يمنع قدرتها في المستقبل على استعادة حضورها".