Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأخبار في مواجهة أزمة تفاعل مع جمهور منهك

بين الرغبة في الفهم والخوف من المجهول، تتحول متابعة العواجل إلى تجربة نفسية تحتاج إلى توازن

رجل إيراني يتابع الأخبار في طهران، وسط تصاعد وتيرة الحرب (أ ف ب)

ملخص

مع تسارع الأحداث وتدفق الأخبار على مدار الساعة، لم تعد المتابعة مجرد وسيلة للفهم، بل تجربة نفسية قد تتحول إلى مصدر ضغط مستمر، مما يفرض البحث عن توازن يحمي الصحة النفسية دون الانفصال عن الواقع.

مع كل تصعيد جديد تتدفق الأخبار بوتيرة متسارعة، من إشعارات لا تنقطع إلى مقاطع مصورة تنتشر بسرعة وعناوين عاجلة تفرض نفسها على المتابعة. وفي هذا الواقع، لم تعد متابعة الأخبار خياراً، بل جزءاً من الروتين اليومي. ومع ذلك، لم تعد هذه المتابعة مجرد وسيلة للاطلاع، بل تحولت لدى كثر إلى تجربة نفسية مستمرة، تمتد آثارها إلى المزاج والنوم وطريقة التفكير.

حين يتحول الاطلاع إلى استنزاف

في البداية، يلجأ بعضٌ إلى متابعة الأخبار بدافع الفهم ومحاولة الإحاطة بما يجري، لكن مع تسارع التحديثات قد يجد الشخص نفسه عالقاً في حلقة من التصفح القهري، ينتقل من خبر إلى آخر دون توقف. وهذه الحال لا تمنح دائماً شعوراً بالسيطرة بل قد تعمق القلق وتبقي الذهن في حال ترقب دائم، وكأن التوقف عن المتابعة يعني تفويت أمر مهم.

وفي ظل تزايد الأخبار السلبية بات كثر يشعرون بأن سيل الأخبار لا يتوقف، مما ينعكس سلباً على الصحة النفسية ويدفع عدداً متزايداً من الأشخاص إلى تجنب الأخبار أو تقليل متابعتها. ووفق أحدث تقرير صادر عن معهد "رويترز لدراسة الصحافة"، فإن نحو 40 في المئة من المشاركين في 48 دولة قالوا إنهم يتجنبون الأخبار أحياناً أو غالباً، مقارنة بـ29 في المئة عام 2017، مما يعكس تصاعداً ملحوظاً في الظاهرة.

وأبرزت النتائج أسباب عزوف المشاركين عن متابعة الأخبار، إذ أشاروا إلى الابتعاد منها بسبب تأثيرها السلبي في حالتهم المزاجية، فيما عبر آخرون عن شعورهم بالإرهاق نتيجة كثافتها. ورأى عدد منهم أن التغطية المفرطة للحروب والصراعات، وكذلك الشأن السياسي، تدفعهم إلى الابتعاد منها.

وأظهرت النتائج أيضاً أن الفئات الأصغر سناً تميل أكثر إلى الشعور بالعجز أمام قضايا كبرى مثل عدم الاستقرار الاقتصادي والتغير المناخي، أو تنظر إلى الأخبار على أنها غير مرتبطة بحياتهم اليومية أو قد تكون سبباً في إثارة الخلافات. وكان من هم دون 35 سنة الأكثر ميلاً إلى اعتبار الأخبار معقدة وصعبة الفهم.

الأثر النفسي… بين الوعي والاستنزاف

توضح المتخصصة النفسية زهراء الشهري لـ"اندبندنت عربية" أن التأثر بالأحداث ليس استثناءً، بل جزء من طبيعة الإنسان، إذ إن الصحة النفسية هي محصلة ما يمر به الفرد، إضافة إلى طريقة تعامله مع تلك التجارب. وتشير إلى أن الأخبار السلبية، مثل الحروب والكوارث، تمثل جزءاً من الواقع ومن المهم الاطلاع عليها، لأن تجاهلها قد يعني الانفصال عنه.

 

لكنها تلفت في الوقت ذاته إلى أن التعرض المستمر لهذا النوع من الأخبار قد يغذي القلق ويفاقمه، موضحة أن الجهاز العصبي يبقى في حال استثارة وتأهب وكأن هناك خطراً وشيكاً، في حين لا يمتلك الشخص وسيلة فعلية للتعامل معه، مما يجعله عالقاً في حال من التوتر المستمر.

علامات لا يجب تجاهلها

مع استمرار هذا النمط، قد تبدأ بعض المؤشرات بالظهور على أكثر من مستوى. فهناك علامات جسدية مثل الشعور بالإرهاق أو تسارع نبضات القلب، وأخرى ذهنية كاستمرار التفكير والانشغال بالأحداث، إلى جانب أعراض انفعالية مثل الحزن أو القلق الزائد، وسلوكات كالتتبع القهري للأخبار أو الانعزال لفترات طويلة.

وهذه المؤشرات، وإن بدت بسيطة في بدايتها، قد تكون دلالة على أن المتابعة تجاوزت حدها الطبيعي، وتحولت إلى مصدر ضغط نفسي يحتاج إلى انتباه.

حين تصبح المعرفة عبئاً

على رغم أهمية مواكبة الأحداث، وبخاصة في أوقات الأزمات، فإن متابعة كل تفصيل قد تؤدي إلى استنزاف نفسي واضح. لذلك، يرى متخصصون أن الاكتفاء بمتابعة موجزة وفي أوقات محددة مع الاعتماد على مصادر موثوقة، كفيل بأن يحقق توازناً بين المعرفة والحفاظ على الهدوء.

 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

وفي هذا السياق، يشير معهد "كونستراكتف إنستيتيوت" الدنماركي إلى أن اختيار مصادر إخبارية تتسم بالشفافية وتتبنى معايير تحريرية واضحة يسهم في تقليل التهويل، مع تقديم تغطية أكثر توازناً. وأظهر تقرير صادر عن مركز "سنتر أوف ميديا إنغيدجمنت" في جامعة تكساس أن المحتوى الذي يركز على الحلول يعزز شعور المتلقي بالقدرة على الفهم والتأثير، مقارنة بالتغطيات التي تكتفي برصد الجوانب السلبية.

الابتعاد ليس حلاً

في المقابل، قد يمنح الابتعاد الموقت من الأخبار شعوراً سريعاً بالراحة، لكنه لا يشكل حلاً إذا تحول إلى انقطاع كامل. وتشير الشهري إلى أن التوازن هو الخيار الأفضل من خلال متابعة الأحداث الأساس دون الانغماس في التفاصيل، مع أهمية الحديث عن المشاعر التي تثيرها هذه الأخبار مع شخص مقرب.

وتوضح أن مشاركة القلق والتعبير عنه يساعدان في التخفيف من حدته، خصوصاً عندما يدرك الشخص أن هذه المشاعر مشتركة بين كثر، مما يجعلها أكثر قابلية للفهم والتعامل.

في مواجهة هذا التدفق، يصبح من المهم الانتباه للحال المزاجية واتخاذ خطوات بسيطة لاستعادة التوازن. وتشير المتخصصة إلى أن ممارسة تقنيات مثل التنفس الاسترخائي أو أخذ حمام دافئ أو الانخراط في أنشطة مريحة يمكن أن تساعد في تهدئة القلق.

وتؤكد أن بعض الحالات مثل القلق الشديد أو اضطراب ما بعد الصدمة قد تتطلب تدخلاً متخصصاً، وبخاصة إذا بدأت الأعراض بالتأثير في الحياة اليومية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير