Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دمج المقاتلين في الجيش السوداني وتحديات الولاء والعقيدة والفوضى

تحذيرات من عواقب ضم كتائب مثل "البراء الإسلامية" و"الحركات المسلحة" و"درع السودان"

ستشهد المرحلة المقبلة بدء تنفيذ آليات الدمج والتسريح بصورة فورية لجميع القوات التي قاتلت إلى جانب الجيش السوداني خلال الحرب، وفق المعايير المهنية والعسكرية المعتمدة (أ ف ب)

ملخص

شرق السودان يمثل نموذجاً لمخاوف مجموعات التسليح الذاتي، حيث تشير التقارير إلى وجود ثماني ميليشيات مسلحة بعضها مجموعات قبلية تلقت تدريبات في معسكرات خارج البلاد، منها مجموعات كانت تحمل السلاح ضد الحكومة المركزية تحت دعاوى التهميش، في مشهد يشبه بدرجة كبيرة ما كان يحدث في دارفور مع اختلاف الموقع الجغرافي وتشابه الجوار المساند لتلك الحركات.

ضاعفت حرب السودان التي لا تزال مشتعلة منذ ثلاثة أعوام أعداد المقاتلين والميليشيات التي يقاتل بعضها مع الجيش وآخر مع "الدعم السريع" بينما آثر بعضها راية الحياد. ومع إعلان التعبئة العامة وانطلاق حملات التعبئة والاستنفار وسط المدنيين، اتسعت دائرة عسكرة المجتمع وتحولت إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية متنامية وسط مخاوف جدية من مضاعفات تأثيرها في مستقبل الأوضاع بالبلاد.

 فهل يجد إعلان الجيش الأخير بالشروع الفوري في أكبر عملية دمج وتسريح يشهدها السودان لإنهاء ظاهرة الميليشيات إلى الأبد، أم تتعقد العملية بما يهدد البلاد بالانزلاق نحو مزيد من الفوضى والتمزق في حال توقف الحرب؟

نهاية الميليشيات

وأعلن عضو مجلس السيادة الانتقالي، مساعد القائد العام للجيش السوداني، الفريق ياسر العطا، البدء فوراً في ترتيبات دمج جميع القوات داخل الجيش بموافقة قادتها، ضمن خطة الدولة لإنهاء ظاهرة التشكيلات المسلحة خارج إطار القوات النظامية، وبناء مؤسسة عسكرية موحدة قادرة على حماية البلاد وترسيخ سيادة القانون والنظام، "لوضع نهاية لزمن الميليشيات في البلاد وبناء جيش وطني واحد يمثل كل السودانيين".

أكد العطا أن المرحلة المقبلة ستشهد بدء تنفيذ آليات الدمج والتسريح بصورة فورية لجميع القوات التي قاتلت إلى جانب الجيش خلال الحرب، وفق المعايير المهنية والعسكرية المعتمدة. وأشار إلى أن ذلك يشمل التشكيلات التي شاركت في القتال إلى جانب القوات المسلحة، مثل القوات المشتركة وقوات "درع السودان" وقوات "البراء" و"كتائب الثوار"، إضافة إلى عناصر "المقاومة الشعبية" التي حملت السلاح دفاعاً عن البلاد، مؤكداً أن قادة هذه التشكيلات قد أبدوا موافقتهم على الاندماج داخل الجيش في إطار مؤسسة عسكرية موحدة.

الحسم الفوري

قال مساعد القائد العام إن "أبواب الجيش ستظل مفتوحة لكل من يرغب في الانضمام إليه وفق الضوابط المعروفة، أما الذين لا يرغبون في الاستمرار في العمل العسكري، فستعمل الدولة على توجيههم إلى برامج التدريب المهني وإعادة التأهيل لاكتساب حرف ومهن مدنية تمكنهم من الاندماج في الحياة الاقتصادية والمجتمعية".

وأوضح العطا أن تنفيذ إجراءات الدمج والتسريح لن يكون مؤجلاً أو ممتداً أعواماً طويلة كما كان يُطرح في بعض المبادرات السياسية قبل الحرب، كما جرت الحال بطروحات بعض منتسبي قوى "الحرية والتغيير" التي تقضي بدمج عناصر "الدعم السريع" خلال 10 أو 15 عاماً، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب حسم هذا الملف بصورة فورية لضمان أن يكون السلاح في يد الدولة وحدها عبر مؤسساتها النظامية.

ترحيب متواتر

تصريحات العطا لاقت ترحيباً فورياً من قبل حركة "جيش تحرير السودان" وقوات "درع السودان"، واعتبراها مدخلاً لبناء جيش وطني موحد.

وأكد رئيس "حركة العدل والمساواة" ووزير المالية جبريل إبراهيم، حرص حركات "الكفاح المسلح" على الاندماج في صفوف الجيش، وصولاً إلى بناء جيش وطني موحد يعكس التنوع السوداني ويحافظ على وحدة البلاد وسيادتها.

ووصف والي وسط دارفور، مصطفى تمبور، حديث الفريق العطا حول دمج جميع المجموعات المسلحة داخل المنظومة الأمنية والعسكرية، بأنه "قرار صائب مئة في المئة"، مؤكداً أنهم سيكونون من أوائل المطبقين، و"لن نسمح بأي سلاح خارج سيطرة الجيش، وسنردع أي شخص يفكر في محاولة التمرد على الدولة مستقبلاً".

أوضاع المستنفرين

بدوره أبدى قائد قوات "درع السودان" اللواء أبوعاقلة كيكل، ترحيبه بدمج كل القوات المساندة، مؤكداً موافقته على دمج قواته في الجيش وتمسكه بوحدة الصف خلفه حتى تحرير كامل تراب البلاد.

وفي لقاء مفتوح بمنطقة أم القرى بولاية الجزيرة، أوضح كيكل أنهم في طريقهم لتنفيذ قرارات اندماج جميع التشكيلات التي قاتلت إلى جانب الجيش في مؤسسة عسكرية وطنية موحدة.

أما ما يخص أوضاع المستنفرين من الشباب، فقد أصدر القائد العام الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان، قراراً يقضي باحتساب الفترة التي أمضاها الشباب من المستنفرين في مواقع العمليات أو خطوط الدفاع ضمن مدة الخدمة الوطنية للفئات العمرية الخاضعة لقانون الخدمة الوطنية، اعترافاً بدورهم الفاعل ومساندتهم للقوات المسلحة.

دمج ومحاذير

في السياق وصف عضو تجمع قدامى المحاربين السودانيين، اللواء معاش معتصم العجب، عملية الدمج والتسريح بأنها كبيرة ومعقدة ومكلفة وهناك معايير وشروط صارمة، لذلك فهي غالباً ما ترافقها موازنة ضخمة بإنشاء صندوق لدعم السلام بغرض استيعاب رغبات المسرحين في التدريب المهني وإعادة التأهيل، ضماناً للاستقرار وحتى لا يعود المسرحون إلى التمرد مرة أخرى.

غير أن المعلن عنه الآن وفق العجب، "يبدو أنها عملية ترتبط فقط بدمج قوات بعض الفصائل في الجيش من دون التطرق إلى عمليات تسريح، وهو توجه خطر لأن مثل هذه العملية  تنطوي على دمج وتذويب بعض الكتائب داخل الجيش تفادياً لملاحقتها دولياً، لا على الدمج والتسريح المعتمدين وإجراءاتهما ومعاييرهما المهنية والاحترافية المعلومة"، محذراً من أن دمج كتائب مثل "البراء الإسلامية" و"الحركات المسلحة" و"درع السودان" التي تحظى بموازنة مفتوحة من دون مراجعة شاملة وتطبيق للمعايير بالنسبة إلى شروط الالتحاق، ستكون له عواقب وخيمة على تكوين الجيش نفسه.

أوضح عضو قدامى المحاربين أن التجمع بصدد تجهيز دراسة خاصة به حول عملية الدمج والتسريح ما بعد الحرب بواسطة ضباط سبق لهم العمل في هذا المجال منذ عامي 1972 و1973، وشارك بعضهم في عملية دمج قوات وبعضهم سبق له العمل مع منظمات دولية متخصصة في هذا المجال.

الميليشيات المناطقية

على صعيد متصل، يعتقد الباحث السياسي والأمني، عبدالمطلب سعيد، أن التشكيلات المناطقية التي تكونت تلقائياً تحت زخم التجييش الشعبي وسلحت نفسها بنفسها بعيداً من الجيش، تعتبر هي المرحلة الأصعب والأكثر حساسية وتعقيداً، وهي المجموعات التي لا يمتلك الجيش حصراً بأعداد مقاتليها أو سلاحها.

يعتبر سعيد أن شرق السودان يمثل نموذجاً لمخاوف مجموعات التسليح الذاتي، حيث تشير التقارير إلى وجود ثماني ميليشيات مسلحة بعضها مجموعات قبلية تلقت تدريبات في معسكرات خارج البلاد، منها مجموعات كانت تحمل السلاح ضد الحكومة المركزية تحت دعاوى التهميش، في مشهد يشبه بدرجة كبيرة ما كان يحدث في دارفور مع اختلاف الموقع الجغرافي وتشابه الجوار المساند لتلك الحركات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ظلال التجربة

يشير الباحث السياسي والأمني إلى محاذير ومخاوف عدة من أن "تلقي تجربة دمج القوات الفاشلة السابقة بظلالها على الخطط المطروحة حالياً، حين تضافرت عوامل عدة بعضها عسكري وآخر سياسي ومالي، أدت إلى تعثر وفشل برنامج الدمج والتسريح ضمن الترتيبات الأمنية في اتفاق جوبا لسلام السودان".

يوضح الأمين أن الأزمة الاقتصادية وضعف التمويل الدولي، إلى جانب الصراع الخفي بين مراكز القوة في الدولة وغياب الشفافية في ما يتعلق بقوائم المقاتلين الفعليين، من أهم أسباب فشل عمليات الدمج والتسريح، فضلاً عن عامل جديد مؤثر هو التضخم الكبير في أعداد المقاتلين والانتشار الأوسع للسلاح، مما يضاعف من كلف العملية.

الشرق والميليشيات

 في السياق ذاته، يوضح الأمين السياسي للمجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، سيد أبو آمنة، أن القوات المعنية بالدمج في ما يمكن أن نطلق عليه شرق السودان فهي "كيكل" وميليشيات ما سمي بـ"الأورطة الشرقية"، وهما فقط من شارك في الحرب الراهنة.

ويتهم أبو آمنة الجيش بعزل أي قوة عسكرية عن المشاركة في هذه الحرب بمن فيهم المستنفرون من شباب قبيلة "البجا"، وذلك حتى لا يضطر إلى إدماجهم في الجيش، مما يجعل منه جيشاً غير قومي.

وفق أمين نظارات البجا، "هناك بعض الميليشيات في الإقليم لا علاقة لها بالحرب الحالية أو عملية الدمج المزمعة في الجيش، لأنها صنعت لأغراض سياسية وافتعال فتنة في الإقليم لإسقاط أول حكومة مدنية تفرزها العملية السياسية، وتهديد أميركا بإشعال إقليم البحر الأحمر إذا أصرت على إبعاد الإسلاميين وحلفائهم، كذلك يمكن استخدامها في أي حرب مرتقبة بالمنطقة".

ويعتقد أبو آمنة أن "إدماج ميليشيات ذات طابع قبلي داخل الجيش كارثة أخطر من عملية إنشاء تلك القوات نفسها، لأن تطعيم الجيش بمثل هذه الميليشيات سيجر السودان وشعبه إلى كارثة أسوأ ستهدد وجوده كدولة لها جيش شامل التمثيل".

ويتابع "إذا مضى الجيش بدمج الميليشيات التي شاركت في الحرب، فهذا يعني إن الجيش (النيلي) أضاف إلى صفوفه ميليشيات من الولايات الشمالية باسم البراء ومن قبائل الشكرية باسم درع السودان وميليشيات من الأورطة الشرقية"، وهو ما سينتج عنه وفق توصيفه "تحالفاً عسكرياً قبلياً وليس جيشاً قومياً لدولة لكامل شعبها".

تشكيلات معقدة

ومنذ إعلان رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني، الفريق عبدالفتاح البرهان، التعبئة العامة في مايو (أيار) 2023، تشكلت لجان عليا للمقاومة الشعبية وفتحت معسكرات التدريب للشباب في مختلف الولايات البلاد بغرض إدارة عمليات واسعة للتعبئة والاستنفار.

وشكل سقوط ولاية الجزيرة في ديسمبر (كانون الأول) 2023، وما رافقها من فظائع وانتهاكات وتشريد، نقطة تحول كبيرة في توسيع الاستجابة للانخراط في صفوف المقاومة الشعبية للدفاع عن الولايات الآمنة.

من بين تلك المجموعات "كتيبة البراء بن مالك" الإسلامية، التي يقدّر أعداد مقاتليها بأكثر من 3500 عنصر، كذلك انضمت مجموعات أخرى من شباب "لجان مقاومة ثورة ديسمبر" ومجموعة "غاضبون بلا حدود"، وأعلنت انحيازها إلى الجيش وانخرطت في القتال إلى جانبه، وتقدر بعض التقارير عدد عناصرها بنحو 1500 و2000 مقاتل.

مقاتلون وسلاح

كذلك تشير بيانات إلى أن أعداد مقاتلي قوات "درع السودان" عقب انضمامها إلى الجيش، كانت تتجاوز 5 آلاف مقاتل، تزايدت لاحقاً بمواصلة عمليات التجنيد وسط أبناء ولاية شرق الجزيرة والوسط عموماً.

وذكرت بيانات غير رسمية توزيع 200 ألف قطعة سلاح على مستوى ولايات البلاد مُوّلت بجهد شعبي.

وعلى رغم عدم إعلان أرقام نهائية دقيقة، في شأن عدد المقاتلين الخاضعين للدمج أو التسريح، تشير تقديرات اللجان الأمنية لترتيبات اتفاق سلام جوبا إلى أن عددهم يراوح ما بين 40 و50 ألف مقاتل.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير