Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معركة المضيق أم حصان طروادة؟

واشنطن تستخدم تهديداتها للكشف عن نقاط ضعف إيران بينما الخليج بقيادة السعودية يترقب بحذر ويستعد للتصرف بحكمة لتحويل أية أزمة إلى فرصة سياسية

المستقبل الصادم المحتمل هو تحول المضيق إلى نقطة غليان للمعركة (أ ف ب)

ملخص

المعركة لن تقتصر على الجانب العسكري فقط، فالاقتصاد والسياسة والدبلوماسية ستتأثر بصورة مباشرة، وسيصبح كل طرف مضطراً إلى إعادة حساباته باستمرار، والسعودية ستتحرك على خطين: حماية مصالحها الحيوية وموازنة تحركاتها الدبلوماسية لضمان ألا ينزلق أي صدام إلى حرب شاملة قد تدمّر المنطقة، مما يجعلها عنصراً حاسماً في أي سيناريو مستقبلي لا مجرد مراقب.

أمام العالم كله تصدّر ترمب قائمة الصراخ السياسي الأميركي كصفعة غير مفاجئة: "افتحوا المضيق اللعين أيها الأوغاد المجانين وإلا ستعيشون في الجحيم، شاهدوا فقط"!

كان هذا آخر تهديدات ترمب المشهور بالمُهل والتهديدات في إعلان بدء صرخة الحرب وقرع طبوله في الخليج، حيث تحولت المنطقة إلى ساحة معركة غير اختيارية، وكل تحركٍ على المضيق يمكن أن يُحدث ارتدادات سياسية واقتصادية غير متوقعة على المستوى الإقليمي والعالمي، والتهديد الأميركي اليوم يفتح الباب أمام سيناريوهات صادمة بعضها قد يعيد رسم خريطة القوى في الشرق الأوسط خلال الأيام القريبة المقبلة وفي الأعوام التالية.

أما في طهران فالمشهد أكثر قتامة، فالنظام الإيراني اليوم شبه مفكك والقيادات التاريخية جرت تصفيتها، والمرشد الجديد وبقايا الصف الأول يعيشون حالاً من التخبط السياسي الكامل، والفراغ الداخلي للنظام أدى إلى حال من الارتباك الشديد وأصبحت التحركات تتسم بالعشوائية ورد الفعل وشعارات التطمين، وبات أي تحرك يعتمد على المضيق كورقة ضغط أخيرة يائسة لاستعادة نفوذ على حافة الانهيار منذ فترة طويلة، فيما فشل النظام أيضاً في تحقيق بطولاته الورقية حول تحرير الأقصى وخذل أتباعه العرب ووكلاءه الإقليميين الذين لا يزالون مستمرين في الإيمان بهذه البطولة التي ضلت طريقها إلى القدس، بينما يسعى بعض المسؤولين الإيرانيين إلى تضخيم وتوسيع المعركة والتهديد بالورقة الأخيرة، مضيق هرمز، لاستعراض القوة أمام الشعب الإيراني وبقية العالم ووكلائه وأتباعه من العرب، فيما هم يدفعون البلاد تدريجياً نحو مواجهة قد لا تكون ضمن حساباتهم، بل ستكون مُدمرة داخلياً وخارجياً، وهنا يظهر حصان طروادة الأميركي فيدخل المنطقة لحماية المضيق من أي تهديد إيراني يُمارس عليه، بينما هو في الواقع جزء من خطة إضعاف إيران وإجبارها على الكشف عن نقاط ضعفها.

إن تنفيذ تهديد الولايات المتحدة بقيادة ترمب يعني أن إيران ستجد نفسها بين خيارين كارثيين: تصعيد محدود قد يؤدي إلى ضربة أميركية ساحقة، أو التراجع مع فقدان آخر أوراق النفوذ التي تمتلكها إيران، وأي قرار ستتخذه طهران سيكشف عن طبيعة النظام وهشاشته أمام العالم، ويعزز النفوذ الأميركي على كل المستويات، وربما كتوقع خارج القراءات السياسية قد تُظهر إيران ما لم يفكر به الجميع.

دول الخليج العربي اليوم وبخاصة السعودية ستكون متضررة لكنها في الوقت نفسه الطرف الأكثر قدرة على التحرك بحكمة، ومن الطبيعي أن أي صدام في المضيق سيؤدي مباشرة إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً وتعطيل الملاحة وأزمة اقتصادية محتملة تؤثر في موازنات الدول الخليجية ومستوى المعيشة، لكن السعودية وضعت منذ أعوام خططاً استباقية للتعامل مع أية أزمة محتملة، ومنها تنويع خطوط التصدير وتحصين المنشآت الحيوية وتطوير القدرات الدفاعية المتقدمة، وهذا التحصين يمنحها مرونة سياسية وإستراتيجية تمكنها من إدارة الأزمة حتى في أسوأ السيناريوهات.

إن القدرة على قراءة الموقف الأميركي والإيراني وإدارة التحركات الدقيقة تجعل السعودية لاعبا رئيساً وقادراً على تحويل أي تهديد إلى ورقة قوة في هذه المعركة حال حدوثها، أما سلطنة عُمان فتتحرك في منطقة رمادية غامضة لا تحسم موقفها لا مع واشنطن ولا مع طهران، أو كما يقول أرسطو "صديقُ الجميع ليس صديقاً لأحد"، فهي تحافظ على اتصالات مع الجميع لكنها تتهرب من أي دور فعلي يوقف التصعيد. وها نحن نرى اليوم جسرها الدبلوماسي بين واشنطن وطهران يتعرض الآن للاختبار الأكبر، وأي خطأ في القرار قد يضعها في مواجهة مباشرة للصراع، فالعمانيون يعملون على تحركات دقيقة لاحتواء التهديد مع الحفاظ على خطوط الاتصال، لكنهم سيظلون في موقع حساس للغاية حيث تتحتم عليهم الموازنة بين حماية مصالحهم الوطنية والحفاظ على استقرار الملاحة في المضيق، مع موقف إستراتيجي وحاسم من جيرانها في الخليج، فهل تنتصر رابطة الأرض والمصير أم الولاء والمعتقد؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إذا جرى تنفيذ تهديد ترمب بصورة فعلية فإن أول تأثير مباشر سيكون على الملاحة النفطية والسفن التجارية، وأي إغلاق جزئي للمضيق سيؤدي إلى وقف صادرات النفط من الخليج وارتفاع الأسعار عالمياً وتوتر الأسواق المالية الدولية، وهذا قد يجبر بعض الدول على الانسحاب من التزاماتها الاقتصادية مع إيران أو دعم الولايات المتحدة بصورة صريحة، وفي الوقت نفسه فإن أي هجوم محدود من إيران على ناقلات النفط الأميركية أو الخليجية يمكن أن يُستغل في واشنطن لتبرير عملية عسكرية أوسع ضد المنشآت الإيرانية، مما يجعل النظام الإيراني غير قادر على التعافي سياسياً أو عسكرياً على المدى القريب والبعيد.

المستقبل الصادم المحتمل هو تحول المضيق إلى نقطة غليان للمعركة، فإيران ستجد نفسها عاجزة عن السيطرة، والخليج العربي تحت ضغط مباشر، والولايات المتحدة تتحكم بخيوط اللعبة من بعيد، وهذا الوضع سيكون أمام سيناريوهات أحدها يخلق سلسلة من التوتر المستمر، فأي حركة خاطئة قد تؤدي إلى صدام شامل، وأي تردد قد يحطم صدقية النظام الإيراني نهائياً أمام العالم، والأمر الأكثر خطورة أن المعركة لن تقتصر على الجانب العسكري فقط، فالاقتصاد والسياسة والدبلوماسية ستتأثر بصورة مباشرة، وسيصبح كل طرف مضطراً إلى إعادة حساباته باستمرار، والسعودية ستتحرك على خطين: حماية مصالحها الحيوية وموازنة تحركاتها الدبلوماسية لضمان ألا ينزلق أي صدام إلى حرب شاملة قد تدمّر المنطقة، وهذا يجعلها عنصراً حاسماً في أي سيناريو مستقبلي لا مجرد مراقب.

وختاماً فإن المعركة على المضيق ليست مجرد تحركات عسكرية أو تهديدات صاخبة بل اختبار حقيقي للقدرة على إدارة الأزمة وقراءة المواقف والتحكم بالورقة الأخيرة في أي صراع إستراتيجي، فالولايات المتحدة تستخدم تهديداتها كحصان طروادة في المنطقة للضغط على إيران والكشف عن نقاط ضعفها، بينما الخليج بقيادة السعودية يترقب بحذر ويستعد للتصرف بحكمة لاحتواء التهديد وتحويل أية أزمة إلى فرصة سياسية، وأية خطوة خاطئة اليوم يمكن أن تغيّر خريطة القوة في الشرق الأوسط والعالم، وتعيد رسم خطوط السيطرة على الطاقة والنفوذ السياسي لأعوام مقبلة.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء