ملخص
اغتيال ثلاثة من أبرز قادة الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية خلال شهر واحد يعكس تصعيداً غير مسبوق واختراقاً عميقاً للأمن الإيراني. ويرى محللون أن استهداف قيادات الحرس الثوري يمثل ضربة رمزية وعملياتية لبنية النظام الأمنية.
في أقل من شهر، استهدف الرؤساء الثلاثة الرئيسون للأجهزة الاستخباراتية في النظام الايراني واحداً تلو الآخر وقُتلوا، في حادثة تعد مؤشراً جديداً إلى استمرار الضربات غير المسبوقة التي تتعرض لها الأجهزة الأمنية في إيران.
فبعد مقتل إسماعيل خطيب، وزير الاستخبارات، وغلام رضا رضائيان، رئيس جهاز استخبارات الشرطة (فراجا)، قُتل اليوم الإثنين رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري، العميد مجيد خادمي، في هجوم نفذه الجيش الإسرائيلي في طهران.
وبحسب مسؤولين إسرائيليين، فإن هذه العمليات تأتي ضمن استراتيجية تستهدف قادة الأجهزة الأمنية في النظام الإيراني، وهي استراتيجية يرى محللون أنها تعكس مستوى عالياً من الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي لبنية الأجهزة الأمنية الإيرانية.
وبحسب التصريحات الرسمية لمسؤولين إسرائيليين، بينهم وزير الدفاع يسرائيل كاتس، فقد قُتل مجيد خادمي في غارة جوية في طهران، ووصفت العملية بأنها "ضربة قاسية للقدرات الاستخباراتية والعملياتية للحرس الثوري"، وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الخبر، مشيراً إلى أن سياسة استهداف الشخصيات الرئيسة في النظام الإيراني ستستمر.
ويعد مجيد خادمي من الشخصيات المخضرمة والأقل ظهوراً إعلامياً في بنية الأجهزة الأمنية الإيرانية. وخلال أكثر من أربعة عقود من العمل في المؤسسات الاستخباراتية والأمنية، أصبح أحد العناصر الأساسية في منظومة القمع الداخلي والعمليات الخارجية للنظام.
وكانت وسائل الإعلام الرسمية تطلق عليه أحياناً اسم "مجيد حسيني"، وقبل وصوله إلى رئاسة جهاز استخبارات الحرس الثوري، شغل مناصب حساسة في هياكل الحماية الأمنية، منها جهاز حماية المعلومات في الحرس الثوري، وكذلك جهاز حماية المعلومات في وزارة الدفاع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعدما تولى محمد كاظمي رئاسة جهاز استخبارات الحرس الثوري خلفاً لحسين طائب، أصبح خادمي نائباً له في جهاز حماية المعلومات التابع للحرس. ومع مقتل كاظمي خلال حرب الـ12 يوماً عام 2025، تولى خادمي رئاسة الجهاز في يونيو (حزيران) 2025، ليصبح على رأس أحد أهم الأجهزة الاستخباراتية في الجمهورية الإسلامية.
ويُعد دوره في قمع الاحتجاجات الداخلية، خصوصاً الاحتجاجات الواسعة في الأعوام الأخيرة وما عُرف بـ"الانتفاضة الوطنية الإيرانية" في ديسمبر (كانون الأول) 2025، من أبرز محطات مسيرته. ففي أحد تصريحاته العلنية النادرة في فبراير (شباط) الماضي، قال خادمي إن جهاز استخبارات الحرس الثوري، تحت إدارته، كان قد اعتقل أو استدعى أو استجوب أكثر من 15 ألف متظاهر قبل اندلاع احتجاجات ديسمبر.
وتعكس هذه التصريحات دوره المباشر في صياغة وتنفيذ سياسات القمع، بما في ذلك الاعتقالات الواسعة، وتلفيق الملفات لإصدار أحكام قاسية، والاعترافات القسرية، والرقابة المشددة على الفضاء العام.
إلى جانب ذلك، كان لخادمي دور مهم في السياسات الأمنية الكبرى، إذ كان من أبرز المدافعين عن تشديد القيود على الإنترنت وتوسيع مشروع "الشبكة الوطنية للمعلومات"، الذي يهدف إلى تقليل الاعتماد على الإنترنت العالمي وإحكام السيطرة على تدفق المعلومات داخل البلاد.
وعلى رغم انتقاله في مرحلة ما من جهاز حماية المعلومات في وزارة الدفاع إلى الحرس الثوري، فإنه كان قد عمل سابقاً داخل هذا الجهاز. وبعد تأسيس جهاز استخبارات الحرس، ظل اسمه مطروحاً في مواقع قيادية حتى نحو عام 2014، وكان يُعد من المقربين إلى قيادة الجهاز. كذلك شغل فترة منصب نائب رئيس جهاز حماية المعلومات في الحرس قبل أن يتولى رئاسته لاحقاً.
وفي مايو (أيار) 2018 عُيّن رئيساً لجهاز حماية المعلومات في وزارة الدفاع، خلفاً لمسؤول آخر مرتبط بالحرس الثوري، قبل أن يزداد دوره في الأعوام اللاحقة في ملفات الأمن الداخلي وقمع الاحتجاجات.
وقبيل مقتله، وفي إطار اتهامات وجهها للمشاركين في احتجاجات "الانتفاضة الوطنية الإيرانية"، ادعى خادمي من دون تقديم أدلة أن "هذه الأحداث رافقها تدخل واسع من أجهزة استخبارات أجنبية"، مدعياً وجود دور "لما لا يقل عن 10 أجهزة أمنية" في تلك التطورات.
وفي مقابلة نُشرت قبل ثلاثة أشهر من مقتله، أشار خادمي أيضاً إلى لقاء جمعه بالمرشد الإيراني علي خامنئي قبل اندلاع احتجاجات ديسمبر، وقال إنه قدم له تقريراً حول الوضع الأمني وتجربة حرب الـ12 يوماً عام 2025. وذكر أن خامنئي شدد في ذلك اللقاء على ضرورة التركيز بشكل أكبر على الأنشطة الاستخباراتية، وقارن الوضع بمرحلة ثمانينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي تزامنت مع الحرب الإيرانية العراقية وحملات قمع واسعة ضد المعارضين السياسيين في إيران.
وقد أثار مقتل العميد مجيد خادمي في قلب طهران، في وقت يؤكد النظام الايراني منذ أعوام تعزيز هياكله الأمنية ومكافحة الاختراق، تساؤلات جدية حول مدى فاعلية هذه الأجهزة. ويرى كثير من المحللين أن العملية لم تكن مجرد اغتيال، بل ضربة نفسية ورمزية للجهاز الأمني الإيراني بأكمله.
وتزامناً مع مقتل خادمي، أفادت تقارير لمسؤولين إسرائيليين بأن قائد الوحدة 840 التابعة لفيلق القدس في الحرس الثوري قُتل أيضاً في العملية نفسها، وهي وحدة تُعرف بتخطيط وتنفيذ عمليات خارجية ضد أهداف إسرائيلية في مناطق مختلفة من العالم. ويرى مراقبون أن ذلك يعكس تركيز العملية على إضعاف جناحي الاستخبارات والعمليات في الحرس الثوري في وقت واحد.
نقلا عن "اندبندنت فارسية"