ملخص
يعيش حزب العمال انقسامات لا تنتهي وتبدل في قراراته، تهدد مكانته بين صفوف اليسار، ونتيجة لهذا باتت تنافسه أحزاب صغيرة من التيار ذاته، تطرح نفسها بديلاً للحزب الحاكم بعدما فشل في إحداث التغيير المطلوب شعبياً كما تقول استطلاعات الرأي، فهل لا يزال رئيس الوزراء كير ستارمر قادراً على تصحيح مسار "العمال"، أم أنه سيكون كبش فداء في مرحلة يتقرر فيها استبدال الزعيم لاستعادة ثقة الشارع؟
وفق استطلاع للرأي أجري بعد عام من وصول "العمال" إلى السلطة في يوليو (تموز) عام 2024، قال ثلاثة أرباع البريطانيين إن بلادهم تعيش حال انهيار، فبدا هذا الاستياء العميق والواسع النطاق غريباً لأنه طاول الحزب اليساري الذي جاء إلى الحكم رافعاً شعارات التغيير بعد نحو 15 عاماً من قيادة "المحافظين" للمملكة المتحدة.
وتشير جميع الاستطلاعات اليوم إلى أن حزب "ريفورم" الشعبوي الأكثر شعبية في البلاد، تراجعت أرقامه قليلاً مقارنة بالعام الماضي، لكنه لا يزال يتصدر اهتمامات الناخبين ويتوقع له أن يحصد أكثر من ألف معد بلدي خلال الانتخابات المحلية المقررة في مايو (أيار) المقبل، كذلك لا تزال حظوظه في قيادة الدولة عام 2029 هي الأكبر.
السؤال الأساس الذي يطرح اليوم هو لماذا خسر "العمال" تأييده الشعبي قبل أن يمر عامان على الانتخابات العامة التي جاءت به إلى السلطة بأكثرية مطلقة في البرلمان البريطاني خلال يوليو (تموز) عام 2024، والإجابة المختصرة عن السؤال، وفق استطلاع رأي نشر قبل بضعة أيام، هي أن التغيير لم يحدث، ولم يبقَ من أمل للناس إلا "ريفورم".
والفشل في إحداث التغيير بدا فرصة ذهبية لجميع الأحزاب الصغيرة في التنافس على أصوات هؤلاء الذين فقدوا ثقتهم بالتكتلين الرئيسين في المملكة المتحدة، فشهدنا انقساماً في صفوف اليسار الذي كثيراً ما قاده "العمال"، تماماً كما حدث في اليمين الذي انشق عدد كبير من ساسته وأنصاره عن "المحافظين" والتحقوا بصفوف حزب "ريفورم".
ينشغل اليمين البريطاني بالهجرة والاقتصاد كملفين رئيسين مرتبطين ببعضهما كثيراً، لكن اليسار منقسم تجاه القضيتين وملفات داخلية وخارجية انبثقت منهما أو برزت بصورة مستقلة، ونتيجة هذا الانقسام انعكست على حزب العمال ككل، ولكن على زعيمه ورئيس الوزراء كير ستارمر أكثر بكثير، فبات مصيره السياسي على المحك.
منذ وصوله إلى المنزل "رقم 10" وسط لندن قبل نحو 20 شهراً، والمصائب تتهاوى فوق رأس ستارمر، وتتوالى الأحداث الداخلية والخارجية التي تجبره ووزراءه على التراجع عن قراراتهم في مجالات مختلفة، حتى بات الأمر وصمة عار طبعت بها حكومة "العمال"، وجعلتها محط تهكم المعارضين ووسائل الإعلام القريبة منها والبعيدة.
والعودة عن القرارات هي تعبير واضح عن انقسام "العمال" في شأن الخطط والسياسات التي تتبناها الحكومة، والانقسام يؤخر أو يلغي التغيير الذي ينتظره الناس، بخاصة هؤلاء الذين صوتوا للحزب وصدقوا وعوده الانتخابية عام 2024. أما النتيجة، فهي النفور من ستارمر ووزرائه وتحولهم إلى فريسة تجديد ينقذ فيها "العمال" مستقبله
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يعيش ستارمر تحت تهديد الانقلاب الداخلي عليه منذ أشهر طويلة، والخشية من هذا المصير جعلته وحكومته يبحثان عن حلول وسطية لكل الملفات، وتقديم تنازلات في مواضيع مختلفة، فيما يزداد اصطفاف الناس ضد التحايل على تغيير ينتظرونه منذ أعوام، فخرجوا يدعمون الأحزاب التي تتبنى مواقف واضحة وحاسمة تجاه قضاياهم.
ثمة جملة من القضايا التي تغذي انقسام اليسار البريطاني، وتجعل أنصاره مشتتين بين أحزاب عدة تقول إنها تمثله، على رأسهم "الخضر" الذي يصعد على نحو كبير في استطلاعات الرأي ووجه أكثر من ضربة قاسية لـ"العمال" خلال الفترة الماضية، وهناك "حزبكم" الجديد الذي تشكل حديثاً بقيادة زعيم "العمال" السابق جيريمي كوربين.
الهجرة من القضايا الخلافية في أوساط اليسار كما حال اليمين، ولكن اليساريين لا يريدون تشديد قوانين الوصول والعيش والدراسة والعمل واللجوء في بريطانيا، مما يجعل الحكومة عالقة بين هؤلاء الذين يمثلهم عدد كبير من نواب حزب العمال في البرلمان، وبين الرافضين لسياسات الباب المفتوح من دون قيود أو شروط على الوافدين.
والخصومة في هذا الملف مستمرة داخل "العمال" منذ أن طرحت وزارة الداخلية ورقة بيضاء تتضمن مقترحات لتشديد قوانين الهجرة واللجوء في مايو عام 2025، وحتى اليوم لم تفلح الحكومة بتطبيقها بسبب المعارضة الداخلية لها بين نواب الحزب الحاكم، والتسوية الأقرب اليوم هي تعديل تلك المقترحات وعدم تطبيقها بأثر رجعي.
وبينما ينقسم "العمال" حول الهجرة، طرح زعيم "الخضر" زاك بولانسكي رؤية واضحة لحزبه في هذا الملف، وقال إنه لن يقفل باباً ولن يضع شروطاً على المهاجرين، كذلك لن يثقل أعباء اللاجئين ولا يريدهم أن يستعجلوا العمل حتى، فتهافت أنصار الهجرة لدعم الحزب الصغير وفاز قبل أشهر بمقعد برلماني عن منطقة بقيت "عمالية" لعقود.
وسيضاف التراجع عن قيود الهجرة إلى قائمة المرات التي عادت عنها الحكومة عن قراراتها، ولكن الأمر قد لا يستمر كذلك إلى الأبد، فهناك محك كبير ينتظرها في مايو المقبل، إذ تشهد البلاد انتخابات محلية تتوقع استطلاعات الرأي أن تضيف إلى رصيد "الخضر" نحو 250 مقعداً بلدياً، فيما سيخسر "العمال" أكثر من ألف مقعد.
ضمن الملفات الإشكالية أيضاً، هناك الحياد الكربوني وتحويل بريطانيا إلى بيئة نظيفة، فالأزمات الخارجية وأخرها حرب إيران، تجعل هذا التحول مكلفاً على الاقتصاد، وتضع الحكومة أمام استحقاق السماح بمزيد من الإنتاج المحلي للنفط والغاز تجنباً لارتفاع أسعار الطاقة في المدى الطويل، وهنا أيضاً نلمس انقساماً واضحاً داخل الحزب الحاكم.
وزير الطاقة والبيئة في الحكومة إيد ميليباند يرفض تغيير خطط الحياد الكربوني على رغم حاجة البلاد إلى النفط والغاز، مما يحرج ستارمر وسط تزايد الضغوط عليه لإيجاد حلول تمنع صعود أسعار السلع وكلفة الحياة بسبب نقص إمدادات الطاقة، وعندما تبحث عن أسباب تعنت ميليباند يقودك البحث مرة أخرى إلى أزمة القيادة في "العمال".
وميليباند قاد "العمال" عندما كان في صفوف المعارضة بين أعوام 2010 و2015، وعندما هزم في الحزب خلال الانتخابات العامة أمام "المحافظين" بقيادة ديفيد كاميرون، استقال من منصبه، لكن أحلام العودة للزعامة والوصول إلى المنزل "رقم 10" لا تزال تداعب مخيلته، وهو يرى في ضعف ستارمر اليوم فرصة مواتية وثمينة.
الحرب على إيران جددت للحكومة مشكلات خمدت فترة من الزمن مثل العلاقة مع إسرائيل و"الإسلاموفوبيا" ومعاداة السامية، وكلها باتت محط متاجرة بين ساسة "العمال" من جهة، والأحزاب اليسارية عامة من جهة أخرى. ومثل كل خلاف، حاول ستارمر وفريقه اللجوء إلى الوسطية في معالجة المشكلة، فازداد الأمر تعقيداً عليهم.
والعلاقة مع إسرائيل هي نقيض نصرة فلسطين كما يروج الذين ينافسون ستارمر وحزبه في اليسار اليوم، فحولوا القضية الفلسطينية إلى شعار تبناه أكثر من ألف مرشح للانتخابات البلدية المقبلة، وهناك من مضى في الأمر أكثر وبات يطالب الحكومة باعتذار رسمي للفلسطينيين عن الانتداب البريطاني على بلادهم خلال القرن الماضي.
خلال حديث إلى "اندبندنت عربية" قالت النائبة عن حزب "الليبراليين الديمقراطيين" ليلى موران إنه "لا ينبغي أن تكون نصرة فلسطين وحرب غزة في جوهرها قضية حزبية، فهي ليست موضوع يمين أو يسار، وإنما أزمة إنسانية يجب التفاف البريطانيين حولها من أجل التوصل إلى ’حل الدولتين‘ الذي يتيح إقامة السلام الدائم في المنطقة".
تدعو موران الحكومة إلى الاعتراف بالدور الذي قامت به المملكة المتحدة خلال فترة انتدابها على فلسطين بين أعوام 1917 و1948، حيث انتهكت سلسلة من القوانين الدولية الملزمة، وعواقب ذلك تؤثر في الفلسطينيين حتى اليوم". صحيح أن حزب موران ينتمي إلى الوسط، ولكن موقفاً مثل هذا يدعم شعبية النائبة والحزب لدى اليسار.
وتحولت القضية الفلسطينية إلى معركة سياسية بريطانية منذ أن فاز جورج غالوي في انتخابات برلمانية فرعية عام 2024، رافعاً شعار "معاقبة حزب العمال على موقفه من حرب غزة"، ثم أصبحت غزة شعاراً رفعه ساسة انشقوا عن "العمال"، وترشحوا للبرلمان كمستقلين، ففاز عدد منهم على رأسهم الزعيم السابق للحزب جيريمي كوربين.
أسس كوربين أخيراً حزباً يستهدف متشددي اليسار إن جاز التعبير، أطلق عليه بصورة مبدئية اسم "حزبكم"، وقرر أن يخوض غمار الانتخابات البلدية المقبلة دعماً للمستقلين، فإن فازوا تحولوا إلى أذرع للحزب الجديد في البلديات، وإن خسروا حفظوا لـ"حزبكم" جميل دعمه ووقوفه إلى جانبهم، لعلهم يردونه خلال الاستحقاق البرلماني.
وكوربين أُقصي من "العمال" بسبب تهمة معاداة السامية، فظن ستارمر نفسه طهر الحزب من هذه المشكلة بعدما تسلم قيادة الحزب عام 2020، ولكن الحرب على غزة ثم على إيران، فجرتا جرائم الكراهية الموجهة إلى اليهود، ووضعت رئيس الوزراء أمام احتمال عودة هذه الظاهرة لصفوف حزبه مرة أخرى وأكثر من الماضي.
وكما تصاعدت معاداة السامية ازدادت "الإسلاموفوبيا" داخل المجتمع البريطاني، فالجالية المسلمة باتت تجد نفسها مستهدفة من اليمين تارة ومن أصدقاء إسرائيل وخصوم فلسطين تارة أخرى، وبين الفريقين تضطرب الأوضاع الأمنية في البلاد، وتكبر أحلام المنافسين لكير ستارمر في حزب العمال، لعل أزماته الكثيرة تلد لهم الفرصة الذهبية.
تلوح الحكومة دائماً بيد من حديد في وجه كل من يروج للكراهية أياً كان ضحيتها، إذ نجحت في هذا الاختبار عندما قضت على أحداث الشغب التي استهدفت المهاجرين والمسلمين عام 2024، ولم تتأخر في الدفاع عن الوحدة الوطنية ونبذ التفرقة في كل مناسبة، كذلك اعترفت بدولة فلسطين وأنفقت أموالاً إضافية على حماية الأقليات الدينية.
آخر رهانات الحكومة على وسطيتها التي تتمنى أن تلقى استحسان الشارع وحزب العمال، هو "الحياد" في حرب إيران على رغم أنه بدا مكلفاً جداً، بخاصة على صعيد العلاقة مع أميركا، فاختار ستارمر اهتزاز صورة المملكة المتحدة في الخارج على إثارة نقمة شعبية في الداخل إزاء الانخراط في جبهة يتحمل الناس كلفتها مادياً وأمنياً.
وتحت بند المتاجرة السياسية، تفجرت ردود فعل كثيرة معارضة له من اليسار واليمين في هذا الشأن، ولكنه بنظر أكثرية البريطانيين تبنى موقفاً صحيحاً إذا لم تستمر الحرب وينقلب الحياد إلى تخاذل يلام عليه رئيس الوزراء، فتتسع أزمته ويقترب مجدداً من نهاية نجا منها عندما دين بخطأ تعيين السفير بيتر ماندلسون قبل أشهر قليلة.
تجاهل ستارمر تحذيرات في شأن تعيينه ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة وهو على صلة بجيفري إبستين، وعندما فضحت جرائم الأخير وارتباطاته اهتز كرسي رئيس الوزراء، لكن خصومه قرروا منحه فرصة أخيرة وأجلوا محاكمته سياسياً حتى الانتخابات البلدية المقبلة التي يتوقع أن يسجل "العمال" فيها خسارة مدوية ومؤلمة.
وشحذت شخصيات متداولة مثل إيد ميليباند وأنجيلا راينر سكاكينها لمذبحة ما بعد الانتخابات، فيما قائمة المنافسين قد تشمل أسماء ليست معروفة لكنها مناسبة، إذا اختار "العمال" استبدال زعيمهم سعياً وراء لملمة صفوف اليسار المنقسم، واستعادة الدور القيادي للحزب في بريطانيا وربما أوروبا عموماً مع الظروف الدولية الراهنة.
تسبح القارة العجوز اليوم وسط بحر من اليمين تضربها أمواجه من كل اتجاه، ولا يعرف أحد إن كانت التضحية بستارمر وحكومته هي الحل لإنقاذ اليسار البريطاني، أو أن الضمانة تكمن في انتهاء عهد الأحزاب الكبيرة والتحول إلى تكتلات صغيرة تبث أفكاراً جديدة في الحياة السياسية، وتعود بالديمقراطية لمحدداتها الأولى في الاختيار.