ملخص
يبدو أن المسؤولين في طهران أمام خيارين، إما تأخير دفن جثمان المرشد أو دفنه سراً
في الثقافة الشعبية بإيران يوجد اعتقاد أن جسد الإنسان بعد الموت يجب أن يدفن بسرعة. ترجع جذور هذا الاعتقاد إلى طقوس الدفن في إيران القديمة. وازداد هذا التصور قوة بعد دخول الإسلام إلى إيران، لأن الإسلام أيضاً يؤكد ضرورة دفن الميت بسرعة.
وعلى رغم أن منطق النظام الإيراني لا ينسجم مع تقاليد إيران القديمة، فإن بقاء الجسد على الأرض والتأخر في دفنه غير مبرر وفق تعاليم الإسلام التي يدعي هذا النظام تمثيلها. ومع ذلك، فقد مر الآن ما يقارب 40 يوماً على مقتل علي خامنئي، مرشد النظام السابق، ولم يدفن حتى الآن.
في إيران القديمة كان هناك اعتقاد أن روح الإنسان عندما تغادر الجسد يسيطر "أهريمن" (روح الشر) على الجسد، ولذلك كان ينقل إلى ما يسمى "الدخمه" (مكان مخصص لوضع جثث الموتى عند أتباع الديانة الزرادشتية) لحماية الناس من النجاسة الناتجة من ذلك. وكانت "الدخمه" أو ما يسمى "أبراج الصمت" منصات مفتوحة توضع عليها الجثث.
الاعتقاد أن جسد الإنسان يصبح نجساً بسبب سيطرة "أهريمن" (روح الشر) عليه يجد اليوم تفسيراً صحياً وعلمياً أيضاً، لأن تحلل الجسد بعد الموت يبدأ بسرعة ويوفر بيئة مناسبة لنمو البكتيريا والميكروبات المسببة للأمراض. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى انتشار التلوث وزيادة خطر انتقال بعض الأمراض.
تقليد دفن الموتى
بعد دخول الإسلام إلى إيران تغيرت طقوس الدفن. فالمسلمون، بخلاف الزرادشتيين، لا ينقلون جثث موتاهم إلى "الدخمه" بل يدفنونها في التراب. ومع ذلك يشترك الطقسان في مبدأ الإسراع بالدفن.
وقد انعكس تقليد دفن الموتى لاحقاً في الأدب الفارسي شعراً ونثراً، واستخدمه كثير من الشعراء لنقل مفاهيم عن الحياة والمعاناة والدنيا والحسرة والزمن. مثل حافظ الشيرازي الذي قال "بعد 100 عام إذا مررت على قبري، ينهض من طيني عظم بال راقصاً". وكذلك فروغ فرخزاد التي تحدثت عن "التراب المحتضن".
في الإسلام يوجد اعتقاد أن الإنسان خُلق من التراب وبعد موته يجب أن يعود إلى التراب. وقد تعمق هذا التصور لاحقاً في الثقافة الشعبية الإيرانية، حتى نشأت فكرة أن التراب يمنح جسد الميت الراحة. وتطور هذا المعنى حتى صار يُقال إن الإنسان الطيب إذا مات فإن التراب يتقبله بسرعة. وربما واجه كثير منا مثل هذه المعتقدات أثناء مراسم الدفن. فمثلاً عندما تنظم مراسم دفن شخص بسرعة يُقال "مات خفيفاً"، أو "التراب تقبله"، أو "كان إنساناً طيباً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا التصور لا يستند إلى مصدر أو دليل علمي، لكنه اعتقاد راسخ في الثقافة الشعبية. أيضاً تحدث دعاة الدين الإسلامي عنه كثيراً. وهناك أحاديث منسوبة إلى النبي محمد تقول إنه إذا مات شخص في الصباح يجب دفنه ليلاً، وإذا مات في الليل يجب دفنه قبل طلوع الفجر.
كان علي خامنئي، القائد السابق للنظام، يعد نفسه مرجعاً وقائداً لشيعة العالم الإسلامي، كذلك يدعي المقربون منه أنهم يطبقون مبادئ الإسلام في إيران. لذلك فإن تأخير دفن جثمانه لا يمكن تبريره لا دينياً ولا في الثقافة العامة. ومع ذلك يقف النظام أمام خيارين، إما تأخير دفن خامنئي أو دفنه سراً، وكلا الخيارين يحمل في طياته فضيحة.
ظروف الحرب
فمن جهة، يمكن أن يفسر الدفن السري على أنه علامة ضعف وأزمة، مما قد يؤدي إلى فضيحة سياسية واسعة. ومن جهة أخرى، فإن إقامة مراسم "مهيبة" تواجه عملياً عقبات كبيرة. فقد كان طموح مسؤولي النظام الإيراني تنظيم مراسم تشييع ودفن تعيد تصوير تشييع "قائد العالم الإسلامي" وفق تصوراتهم، بل وتكون أوسع وأكثر فخامة من المراسم التي أقيمت قبل 36 عاماً لمؤسس النظام الخميني.
لكن تحقيق هذا السيناريو يحتاج إلى مقدمات واسعة، من حشد القوات الحليفة في دول مختلفة التي تلقت لأعوام دعماً مالياً وسياسياً من النظام، إلى حضور قادة دول العالم ومشاركة واسعة من المسؤولين داخل إيران. غير أن أياً من هذه الشروط غير متوافر عملياً.
فإرسال القوات الحليفة يحتاج إلى تنظيم لا يمكن تحقيقه في ظروف الحرب. كذلك حضور قادة الدول صار شبه مستحيل بسبب إلغاء الرحلات الجوية. إضافة إلى ذلك، امتنع كثير من قادة الدول، بسبب سياسات خامنئي المتوترة، حتى عن إرسال رسائل تعزية، ناهيك بالمشاركة في مراسم دفنه داخل طهران.
أما داخل البلاد فالوضع متأزم أيضاً. فقد اختبأ عدد من كبار المسؤولين خوفاً من الاغتيال، ولا يستطيعون حضور مراسم علنية، أيضاً توجد تقارير غير مؤكدة عن احتمال مقتل بعضهم. فالرئيس الأميركي ذكر مرات عدة أن اجتماع مجلس خبراء القيادة تعرض لهجوم وأن أعضاءه قتلوا. وأثارت هذه التصريحات، مع الغموض حول مصير بعض شخصيات النظام، تساؤلات كثيرة.
كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى بقاء جثمان علي خامنئي من دون دفن حتى الآن، وهو وضع يتعارض حتى مع المعايير الفقهية الشيعية.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"