ملخص
بعد التحقيق والبحث الاستخباراتي تبين أن العناصر ينتمون لعصابة مسلحة كان عناصرها فروا سابقاً إلى غزة الشرقية ضمن مناطق سيطرة إسرائيل، وعادوا أدراجهم تحت غطاء حماية طائرات الجيش التي تدخلت لحمايتهم وتأمينهم.
إلى قلب مدينة غزة تسللت قوة تتبع للميليشيات المسلحة، ونفذت عملية خطف لقيادي ميداني في حركة "حماس"، وفور تسرب أو كشف الحادثة انتشرت قوة أمن كبيرة في الشوارع لملاحقة مركبة الخاطفين ودارت اشتباكات عنيفة بين الطرفين، لكن المهمة نجحت لمصلحة العصابة.
عمليات عسكرية على يد العصابات
هذه ليست الحادثة الأولى التي تنفذ فيها العصابات المسلحة عمليات عسكرية داخل غزة الغربية الخاضعة لسيطرة "حماس"، إذ سبقتها مهام كثيرة لوحظت زيادتها بصورة ملحوظة في مارس (آذار) الماضي، وبحسب المراقبين العسكريين فإن الأمر تحول إلى تنفيذ الميليشيات عمليات عسكرية بالنيابة عن إسرائيل.
خلال منتصف مارس الماضي، تسللت مجموعة مسلحة بملابس مدنية تستقل شاحنة نقل مياه استخدمتها للتمويه إلى وسط مخيم النصيرات المكتظ بالنازحين، وقامت المجموعة باختطاف مسؤول محلي، وعندما حاولت قوة أمنية تابعة لـ"حماس" محاصرة المنزل الذي تحصنوا فيه، اندلعت اشتباكات عنيفة داخل أزقة المخيم الضيقة.
بعد التحقيق والبحث الاستخباراتي تبين أن العناصر ينتمون لعصابة مسلحة كان عناصرها فروا سابقاً إلى غزة الشرقية ضمن مناطق سيطرة إسرائيل، وعادوا أدراجهم تحت غطاء حماية طائرات الجيش التي تدخلت لحمايتهم وتأمينهم.
الانشغال في إيران من بين دوافع إسرائيل
من المفروض أن غزة تعيش في مرحلة انتقالية بعد دخول المرحلة الثانية من خطة السلام والازدهار حيز التنفيذ، تتوقف خلالها العمليات العسكرية الإسرائيلية وذلك بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، لكن إسرائيل لم تهدأ عملياتها في القطاع وبدأت تصعد عسكرياً بطريقة الاعتماد على العصابات المسلحة وهذا ليس مجرد صدفة.
يقول الباحث الأمني صهيب أبو جبل "في الوقت الحالي تنشغل إسرائيل بحربها مع إيران ولبنان، وأكثر قواتها تعمل على هاتين الجبهتين. وحتى لا تدع غزة تستقر، باتت تعتمد بصورة كبيرة على العصابات المسلحة لتنفيذ هجمات وعمليات عسكرية ومداهمات بالنيابة عنها، في قلب المناطق المأهولة والتي تسيطر عليها ’حماس‘".
ويضيف أبو جبل "منذ اندلاع المواجهة المباشرة مع إيران تركزت موارد تل أبيب العسكرية على هذه الجبهة الاستراتيجية، مما جعل تنفيذ عمل عسكري كثيف ومكلف داخل أزقة غزة عبئاً، لذلك لجأت إسرائيل لتمكين العصابات المحلية للقيام بهذه المهام".
ويوضح المتحدث أن استخدام العصابات المسلحة لتنفيذ هذه العمليات العسكرية يمنح إسرائيل إنكاراً معقولاً، فهي تدعي التزامها في اتفاق وقف إطلاق النار وقرار 2803 الصادر عن مجلس الأمن بعدم تنفيذ عمليات عسكرية داخل القطاع، بينما تترك الميليشيات تقوم بتصفية المقاتلين واستهداف البنية التحتية للفصائل.
ويشير أبو جبل إلى أن إسرائيل تستخدم العصابات كستار دخاني، فبينما ينشغل العالم بحرب إيران تترك هؤلاء المسلحين يدمرون غزة من الداخل، لتجنب كسر شروط السلام رسمياً مع تحقيق أهدافها العسكرية بالوكالة.
توتر ميداني
ميدانياً، تغلغلت هذه العصابات في عمق مناطق سيطرة "حماس"، وأخيراً حاولت ميليشيات اغتيال ضابط في أمن حكومة "حماس" لكنها فشلت بعد كشف أمرها، واندلعت اشتباكات عنيفة بين الطرفين مما أدى لإصابته بجروح طفيفة، بينما اعتقل أحد المنفذين بعد ملاحقته.
تعيش غزة حالاً من التصعيد والتوتر المتزايد ويشهد الميدان عمليات تصفية واشتباكات مستمرة، وهذا يمثل تحولاً خطراً في صورة المواجهة داخل غزة، فالتصعيد لم يعد يقتصر على قتال بين جيش إسرائيل والفصائل، بل دخلت العصابات المسلحة كطرف ثالث ومحرك أساس للفوضى الميدانية بدعم من تل أبيب، إذ أعلن الجيش أخيراً تنفيذ عمليات استهدفت مسلحين في وسط القطاع للتغطية على عمليات الميليشيات.
كيف تُوظف العصابات؟
وعن كيفية توظيف هذه العصابات في التصعيد العسكري الحالي، يجيب الباحث في الأمن الاستراتيجي خميس السويسي "من طريق خلق جبهة داخلية موازية. إن استراتيجية الجيش تعتمد على تسليح هذه المجموعات المحلية للقيام بمهام أمنية بهدف استنزاف قوة ’حماس‘ والفصائل من الداخل، عبر اشتباكات فلسطينية-فلسطينية تغني تل أبيب عن التدخل المباشر".
ويقول السويسي "إسرائيل المدير الاستراتيجي، هي المحرك الأساس والمخطط لهذا المشهد، وتستخدم استراتيجية الفوضى المدارة، إذ توفر المظلة العسكرية بتدخل الطيران والمدفعية فوراً لقصف أي تجمع لعناصر الفصائل يحاول مهاجمة أو تصفية هذه العصابات".
ويضيف "الجيش الإسرائيلي هو من يحدد الممرات الآمنة للعصابات من طريق هندسة الميدان للتحرك بحرية، ويهدف من تمكين هذه الميليشيات إلى إرهاق الفصائل في حرب استنزاف داخلية. إن العصابات والميليشيات باتت المقاول الميداني لكنها لا تدير الحرب بمعناها العسكري الشامل، بل تدير حرب العصابات الإجرامية ومهامها محددة".
يؤكد السويسي أن القيادة والسيطرة الكبرى تظل بيد إسرائيل، فهي التي تقرر متى تسمح لهذه العصابات بالنمو ومتى تقيد حركتها، أما الميليشيات فهي أداة تنفيذية تعمل كقوة موازية للمهام التي لا يريد الجيش الإسرائيلي خسارة جنوده فيها، مشيراً إلى أن غزة تعيش الآن حال فوضى مسلحة مُدارة عبر دمج العصابات الإجرامية في المجهود الحربي الإسرائيلي، لتقويض السيطرة المدنية والأمنية لـ"حماس".
حصانة من الجو
تسعى إسرائيل عبر توكيل العصابات المسلحة بتنفيذ مهام بالنيابة عنها إلى تقليل الفاتورة البشرية لقواتها، وترى أن ذلك يحمي جنودها من المكامن والعبوات الناسفة، وأيضاً للهرب من المحاسبة الدولية، فغزة الآن أمام حرب استنزاف بالوكالة حيث لا يعد الجيش الإسرائيلي أن العمليات العسكرية انتهت، بل انتقلت من الصدام المباشر الشامل إلى الاستئصال الموضعي عبر أداة العصابات المسلحة.
كل ما توفره إسرائيل للعصابات المسلحة الحصانة من الجو، إذ تراقب طائرات الدرون هذه العصابات وفي حال تعرضهم لأي خطر تتدخل، ولا يبدو أن حرب الوكالة سرية، إذ يقول وزير الدفاع يسرائيل كاتس "ندعم أي جهة محلية مستعدة لإدارة الشؤون المدنية ونوفر لأفرادها الغطاء اللازم طالما أنهم لا يرفعون سلاحاً ضد قواتنا".
موقف إسرائيل
في الواقع، لا تتبنى إسرائيل رسمياً فكرة التصعيد العسكري داخل غزة من طريق العصابات المسلحة، بل تتبع سياسة الغموض الممنهج والإنكار المعقول لأن الإعلان الرسمي عن دعم الميليشيات سيعرضها لإدانات دولية وقانونية بتهمة نشر الفوضى وتقويض القانون الدولي، ومع ذلك يمكن رصد مستويات مختلفة للتعامل الإسرائيلي مع هذا التوجه.
يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "نتعامل مع قوى محلية غير مرتبطة بالإرهاب لإدارة غزة، وندعم تسليحها لأنها تعارض نفوذ ’حماس‘، بما يدعم حماية لجنودنا ويعزز تنفيذ خطتنا لخلق إدارة مدنية بديلة لا تتبع ’حماس‘ ولا السلطة الفلسطينية".
ويقول رئيس الأركان إيال زامير "استخدام أي قوة محلية هو وسيلة تكتيكية وضرورة أمنية، إنهم يساعدونا في تفكيك قدرات ’حماس‘ البشرية وحتى تدمير البنية التحتية".
تحركات غزة للمواجهة
تشهد غزة حالياً موجة اشتباكات دموية وعنيفة هي الأولى من نوعها من حيث النوع، تدور بين الأجهزة الأمنية للفصائل وبين هذه العصابات المدعومة إسرائيلياً في قلب المناطق المأهولة، ولمواجهتها أسست وزارة الداخلية التابعة لـ’حماس‘ قوة أمنية خاصة عرفت إعلامياً بـ’قوة رادع‘ مهمتها التصفية الجسدية لعناصر العصابات والميليشيات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تخوض هذه القوة اشتباكات مسلحة عنيفة أسفرت العملية عن مقتل أكثر من 20 عنصراً من العصابات وضبط كميات من الأسلحة وأجهزة اتصال مرتبطة بالطرف الإسرائيلي، وبحسب المعلومات المتوافرة فإن ’رادع‘ تمكنت من تفكيك خلايا كبرى لهذه الميليشيات، لكن هذا الرد الأمني دفع تل أبيب لاستهدف مراكز الشرطة الموقتة وسيارات القوة الأمنية أثناء ملاحقتها للعصابات.
تعد "حماس" أن نشاط هذه العصابات يثبت مسؤولية إسرائيل المباشرة عن إشاعة الفوضى، وأن عمليات المواجهة مع الميليشيات تعد جزءاً من معركة الدفاع عن القطاع ضد المخططات الإسرائيلية. ويؤكد متحدث الحركة سامي أبو زهري "هذه المجموعات المسلحة ليست حالات جنائية عفوية، بل وحدات أمنية مستحدثة تعمل بتوجيه مباشر من جهاز الشاباك".
ذريعة لمنع تسليم السلاح
ومن جانبه، يقول مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة "عناصر العصابات هم أهداف عسكرية مشروعة لقوات وزارة الداخلية وسيُتعامل معهم كميدان قتال، إذ لا حصانة لمن يرفع السلاح في وجه أبناء شعبه، ولدينا وثائق واعترافات مسجلة لعناصر اعتُقلوا، تثبت تلقيهم تعليمات مباشرة من ضباط في الشاباك".
ويضيف الثوابتة "عمليات تدمير المنظومة الشرطية في غزة تهدف صراحة لإفساح المجال أمام البلطجية والميليشيات لإدارة المشهد، وهو ما نعتبره جريمة حرب مركبة".
تشكل هذه العمليات العسكرية التي تنفذها العصابات المسلحة بغطاء إسرائيلي الحجة والدافع الأقوى لدى "حماس" لرفض فكرة نزع السلاح في المرحلة الحالية، إذ يقول متحدث الحركة أسامة حمدان إن "السلاح هو الضمانة الوحيدة لمنع تغول العصابات التي تدعمها إسرائيل، فغياب السلاح يعني ترك المواطن الأعزل فريسة لهذه العصابات"، مضيفاً "إسرائيل لم تعد تقاتل بجيشها فحسب، بل أنشأت جيشاً موازياً من الميليشيات المحلية، ولا يمكن تسليم السلاح ما دامت هناك أدوات مسلحة لإسرائيل".