ملخص
يندرج الحضور الإسرائيلي في أفريقيا ضمن رؤية استراتيجية ممتدة، تشكلت عبر عقود من التفاعل المتدرج الذي انتقل من أدوات الاختراق الناعم إلى أنماط أكثر تركيباً، تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والتقنية والاقتصادية.
يمكن فهم الاندفاع الإسرائيلي نحو أفريقيا، ولا سيما محاولات التطبيع المتسارعة أو الدخول في كيانات هشة وشبه معترف بها مثل صوماليلاند، باعتبارها انتقالاً نوعياً من "دبلوماسية الحضور" إلى "هندسة الفراغات".
في سياق تحولات متراكمة سبقت أحداث أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بأعوام طويلة، لم تكُن الجغرافيا الأفريقية يوماً بعيدة من الحسابات الإسرائيلية، بل شكلت امتداداً مبكراً لمحاولات إعادة تموضع تتجاوز المجال الإقليمي الضيق. فمنذ عقود، برزت القارة السمراء كساحة يعاد عبرها توزيع النفوذ بهدوء، مستفيدة من سيولة مواقفها وتباين أولويات دولها. ومن هذا المنظور، تبدو أفريقيا مجالاً حيوياً تكثفت فيه مساعي ترسيخ الحضور الإسرائيلي، عبر مزيج من الأدوات الأمنية والتقنية والدبلوماسية، في ظل حاجة متنامية لدى عدد من الدول إلى شركاء جدد. ولم يقتصر الرهان على بناء التحالفات، بل يمتد إلى اختراق بيئات تقليدية وإعادة توجيهها تدريجاً. فالقارة، بتعقيداتها وتنوعها، لم تكُن هامشاً في هذه الاستراتيجية، بل أحد مساراتها الهادئة التي تعكس عمقها واستمراريتها.
ويندرج الحضور الإسرائيلي في أفريقيا ضمن رؤية استراتيجية ممتدة، لا تنفصل عن سعي دائم إلى إعادة تموضع خارج المجال الإقليمي المباشر، فالعلاقة مع القارة لم تكُن يوماً طارئة، بل تشكلت عبر عقود من التفاعل المتدرج الذي انتقل من أدوات الاختراق الناعم إلى أنماط أكثر تركيباً، تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والتقنية والاقتصادية. ومع التحولات التي أعقبت أحداث أكتوبر، اكتسب هذا الحضور زخماً إضافياً، كاشفاً عن عمق شبكاته وقدرته على التكيف مع بيئات متغيرة، غير أن أفريقيا بطبيعتها المتعددة لا تسمح بإسقاط نماذج جاهزة عليها، فهي ليست وحدة متجانسة، بل فسيفساء من الدول والأنظمة، تتباين أولوياتها بين اعتبارات الأمن الداخلي ومتطلبات التنمية وضغوط البيئة الدولية، مما يفرض على أي فاعل خارجي أن يتحرك ضمن هوامش دقيقة، حيث لا يكفي بناء العلاقات الرسمية، بل يتطلب الأمر فهماً عميقاً للبنى المحلية وتوازناً حذراً بين المصالح المتعارضة.
ضمن هذه المعادلة، استطاعت إسرائيل أن توسع نطاق حضورها عبر شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية، مدعومة بتعاون أمني وعسكري متصاعد وشراكات تقنية تستجيب لحاجات ملحة في عدد من الدول. كذلك برزت محاولات لاختراق بيئات كانت تُعد تقليدياً أقرب إلى مواقف داعمة للقضية الفلسطينية، في مؤشر على تحولات أعمق في أنماط الاصطفاف داخل القارة.
ومع ذلك، فإن هذا التمدد لا يجري في فراغ، فالقارة تشهد تنافساً متزايداً بين قوى دولية وإقليمية، لكل منها أدواتها ومقارباتها الخاصة، مما يجعل منها ساحة توازنات دقيقة لا تحسم بسهولة. وبين ديناميات الداخل وضغوط الخارج، يتحدد مستقبل هذا الحضور، ليس فقط بقدرته على التوسع، بل بمدى قدرته على التكيف مع قارة تعيد، تدريجاً، تعريف موقعها في العالم.
طوق جيوسياسي
تشكلت جذور أهمية أفريقيا في التصور الإسرائيلي كهاجس مركزي يتمثل في كسر العزلة وبناء عمق يتجاوز حدود الجغرافيا. ففي أعقاب عام 1948، بقي الحضور محدوداً ومحصوراً في علاقات مع إثيوبيا وليبيريا، تحت ظل نظام استعماري كان لا يزال يقيد حركة القارة، غير أن التحول الحاسم جاء مع موجة الاستقلال خلال خمسينيات القرن الماضي، حين تزامن صعود دول أفريقية جديدة مع حاجة إسرائيل إلى توسيع اعترافها الدولي.
في هذا المناخ، بلورت تل أبيب مقاربة تقوم على الجمع بين الرمزية والبراغماتية، بتقديم نفسها كنموذج لكيان ناشئ نجح في تحويل الهشاشة إلى قدرة، مقابل الدخول العملي عبر أدوات تنموية وأمنية. وبين عامي 1958 و1972، أُرسل نحو 1300 بعثة من الخبراء والمستشارين إلى أفريقيا، شملت مجالات الزراعة والري والتعليم والصحة، بالتوازي مع برامج تدريب عسكري وأمني استهدفت بناء جيوش وأجهزة شرطة لدول حديثة الاستقلال. ففي غانا وتنزانيا، ارتبط الحضور بمشاريع تحديث الدولة، وفي أوغندا، أصبح التدريب العسكري مدخلاً لبناء علاقات مع النخب الحاكمة منذ عهد زعيم استقلالها ميلتون أوبوتي.
لكن البنية الأعمق لهذا الانتظام تبلورت ضمن ما عُرف باستراتيجية "شد الأطراف" التي سعت إلى بناء طوق جيوسياسي يحيط بالعالم العربي. هنا اكتسبت إثيوبيا موقعاً محورياً منذ أواخر الخمسينيات، حيث أسهمت إسرائيل في إنشاء وحدات "كوماندوز" وتدريب آلاف الجنود وبناء أجهزة استخبارات، مما منحها نفاذاً مباشراً إلى فضاء البحر الأحمر ومنابع النيل. وفي زائير (الكونغو الديمقراطية لاحقاً)، تحول التعاون مع موبوتو سيسي سيكو منذ منتصف الستينيات إلى نموذج لعلاقة تبادلية بدعم عسكري وتقني مقابل فتح قنوات نفوذ في قلب أفريقيا الغني بالموارد.
بالتوازي، لم يقتصر الحضور على القنوات الرسمية، إذ شمل تصدير نماذج تنظيمية مثل "الجدناع" (كتائب الشباب) و"الناحال" (الشباب الريادي المقاتل)، وتكوين شبكات ارتباط مع ضباط أفارقة تلقوا تدريبهم في إسرائيل، بعضهم صعد لاحقاً إلى مواقع الحكم، مما خلق روابط غير مرئية ممتدة في بنية السلطة. كذلك دخلت تل أبيب في علاقات أكثر تعقيداً مثل شراكتها مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا خلال الستينيات والسبعينيات، حيث تداخل التعاون العسكري مع المصالح النووية والموارد الاستراتيجية. ومع هزيمة عام 1967 ثم قطيعة 1973، انهارت البنية العلنية لهذه العلاقات، لكن القنوات غير الرسمية مثل التجارة والسلاح والاستخبارات، استمرت، خصوصاً في إثيوبيا وأنغولا وأفريقيا الوسطى.
هندسة الفراغات
يمكن فهم الاندفاع الإسرائيلي نحو أفريقيا، ولا سيما محاولات التطبيع المتسارعة أو الدخول في كيانات هشة وشبه معترف بها مثل صوماليلاند، باعتبارها انتقالاً نوعياً من "دبلوماسية الحضور" إلى "هندسة الفراغات"، فإسرائيل لم تعُد تتحرك فقط امتداداً لسياسات تقليدية حيث توجد الدول، بل عند دول تتآكل سيادتها، أو تتشقق بنيتها الداخلية.
وفي هذا الإطار، تتحول أفريقيا من فضاء للتنافس إلى مختبر استراتيجي، فالقارة بما تحمله من هشاشة مؤسسية وتفاوت في قدرات الحكم، تتيح نمطاً من النفوذ منخفض الكلفة وعالي العائد. هنا، لا يكون الهدف السيطرة المباشرة، بل يتمثل في بناء نقاط ارتكاز مرنة وعلاقات مع نخب أمنية وحضور تقني في البنية التحتية، أو حتى انضمام إلى كيانات غير مكتملة السيادة. من هذا المنظور، تبدو صوماليلاند حالة كاشفة، فهي كيان غير معترف به دولياً، لكنه يتمتع باستقرار نسبي وموقع جيوسياسي حاكم على خليج عدن. والانفتاح عليه، ولو بصورة غير رسمية، يوفر لإسرائيل ما يشبه "الاعتراف العكسي"، ليس اعتراف دولة بها، بل اعترافها بكيان يمنحها موطئ قدم في ممر بحري بالغ الحساسية.
أيضاً التطبيع مع دول مثل تشاد أو السودان أو المغرب لم يكُن مجرد اختراق دبلوماسي، بل جزءاً من دبلوماسية الأصوات، إذ تتحول أفريقيا إلى كتلة ترجيح داخل المؤسسات الدولية. لكن المفارقة أن هذا المسار لا يعتمد فقط على الدول الكبرى في القارة، بل على الأطراف أو الدول الصغيرة، أو الأنظمة الهشة، أو الكيانات الرمادية، حيث تكون كلفة التأثير أقل وقابلية إعادة التوجيه أعلى.
في الوقت نفسه، يتداخل الأمن بالاقتصاد بطريقة تجعل من التكنولوجيا أداة نفوذ صامتة، فالمشاريع الزراعية والطاقة الشمسية وأنظمة المياه ليست فقط استجابة لحاجات تنموية، بل بنى تحتية للارتباط طويل الأمد. وعندما تضاف إليها صادرات السلاح، على رغم أنها لا تمثل سوى نسبة محدودة من الإجمال العالمي، تتحول العلاقة إلى شبكة متكاملة في دول مثل نيجيريا والكاميرون وإثيوبيا، يتجاوز تأثيرها حجم الصفقات إلى إعادة تشكيل كيفية إدارة الأمن نفسه.
ويمكن ملاحظة أن هذا الحضور يجري في ظل تنافس محتدم مع قوى أخرى مثل الصين وتركيا وإيران، لكن ما يميز المقاربة الإسرائيلية هو تركيزها على "المناطق البينية"، حيث لا تصل هذه القوى بكثافة، أو حيث تتردد، وهنا تحديداً يُبنى النفوذ الأكثر ثباتاً.
تداعيات النفوذ
يشير الحضور الإسرائيلي المتصاعد في أفريقيا وتداعياته على العالم العربي، إلى محاولة حثيثة لإعادة رسم الهندسة الجيوسياسية التي تربط المشرق العربي بعمقه الأفريقي، حيث تتحول الأطراف إلى مراكز والممرات إلى أدوات قوة والتحالفات إلى شبكات مرنة تتجاوز الدولة الوطنية.
وأول هذه التداعيات يتمثل في تعقيد المجال الأمني العربي، خصوصاً الخليجي في ظل الحرب الإسرائيلية- الأميركية مع إيران. فالتغلغل الإسرائيلي في القرن الأفريقي وسواحل البحر الأحمر لم يعُد مجرد حضور بعيد، بل أصبح امتداداً مباشراً للتوازن الاستراتيجي، فتتقاطع مصالح إسرائيل مع خطوط الممرات الحيوية، بما يخلق بيئة أمان بحرية وإقليمية أكثر هشاشة. ويُشار إلى أن هذا التحرك غالباً ما يحدث بدعم ضمني أو مباشر من الولايات المتحدة، مما يجعل التحديات أمام دول الخليج أقل قدرة على المناورة.
ثانياً، التحركات الإسرائيلية عبر التطبيع مع دول أفريقية أو الاعتراف الانتقائي بمناطق مثل صوماليلاند، تعيد فتح الفضاءات الحيوية ومضايق وموانئ القرن الأفريقي أمام فاعلين جدد، بما يضعها أمام واقع جديد من المنافسة الإقليمية والدولية على النفوذ.
ثالثاً، التأثير الأكثر تعقيداً يتمثل في إعادة تشكيل ديناميات التحالفات العربية، فبدلاً من القدرة على التحكم في عمق أفريقيا، تجد هذه الدول نفسها مضطرة إلى التعامل مع واقع يتم فيه النفوذ الإسرائيلي الذي تسانده الولايات المتحدة، كعامل مؤثر في الأمن والاقتصاد والسياسة داخل القارة.
رابعاً، التداعي الأعمق، هو تحول أفريقيا إلى مرآة للقدرة الاستراتيجية غير المباشرة، فإسرائيل تبني نفوذاً عبر التكنولوجيا والأمن والاعترافات الانتقائية، وهذه الديناميات تتسع لتظهر اندفاع القوة الأميركية والإسرائيلية نحو إعادة تشكيل الواقع الأفريقي متجاوزة الإمكانات العربية في التعامل مع هذا النفوذ.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مسارات محتملة
إذا كانت إسرائيل طوال عقود تعمل على تعزيز حضورها في القارة الأفريقية لتحصين نفسها من العزلة الدولية وكسب التحالفات، فإن سياق حربها مع إيران يضيف إلى هذا الدور أبعاداً أكثر تعقيداً وأبعد أثراً مما كان يعتقد سابقاً، فهذه الحرب التي اتسعت لتشمل تدخلات غير مباشرة مثل هجمات الحوثيين على الممرات البحرية والتحولات في مضيق باب المندب، جعلت من أفريقيا جزءاً من ساحة الاهتمام الأمني.
ووسط تصاعد النشاط الإيراني في أفريقيا، ترى تل أبيب أن تعزيز وجودها هو رد استراتيجي على محاولات طهران استغلال الفراغات السياسية والاقتصادية في القارة. وهذا أمر لم يتبدل مع الحرب الحالية، بل أصبح دافعاً أقوى لإعادة تعريف أولويات النفوذ على تخوم الشرق الأوسط وإلى ما هو أوسع من ذلك. وهناك سياق أوسع يمزج الأمن بالدبلوماسية والاقتصاد، فالعلاقات الأفريقية تتيح لإسرائيل منصة لخلق عمق استراتيجي تقوده مقاربة شبيهة بتصور بن غوريون القديم حول حماية الممرات، ومعها شبكة دعم سياسي ودبلوماسي في الهيئات الدولية. وعلى صعيد الاقتصاد والديموغرافيا، يُنظر إلى أفريقيا أيضاً على أنها سوق صاعدة وفرصة اقتصادية ضخمة للتكنولوجيا الإسرائيلية، من الطاقة المتجددة إلى الأمن السيبراني، مما يعزز علاقات طويلة الأمد تستند إلى تبادل مصالح عملية، لا فقط إلى اعتبارات دبلوماسية شكلية.
ويمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسة، الأول، شبكة نفوذ طويلة الأمد، إذ تصبح أفريقيا جزءاً دائماً من الاستراتيجية الإسرائيلية بعيداً من أزمات الشرق الأوسط المباشرة. والثاني، استثمار في عمق جيوسياسي موازٍ للغرب عبر بناء علاقات متوازنة تتيح لإسرائيل نفوذاً مستقلاً في القارة. أما المسار الثالث، فهو تكامل استراتيجي إقليمي أوسع، فتُستخدم علاقات أفريقيا كجزء من شراكات أكثر تعقيداً تشمل دولاً إقليمية وغربية لتأمين الممرات ومواجهة التحديات الإنمائية.
بناءً على ذلك، تفهم السياسات الأميركية التي دفعت إلى دعم التوسع الإسرائيلي في أفريقيا، كجزء من محاولة واشنطن لتعويض تراجع مكانتها في النظام الدولي عبر توسيع نفوذ حلفائها التقليديين، وتثبيت موطئ قدم في أفق جيو- اقتصادي يمتد من أفريقيا إلى أميركا اللاتينية، مما ينعكس في اتفاقات تتعلق بالموارد الطبيعية وشبكات البيانات وضغوط على دول منتجة للطاقة، ويظهر أن التحالفات الراهنة ليست محض ردود فعل لحرب آنية، بل إعادة بناء لخرائط النفوذ في نظام دولي أكثر تنافساً وتعقيداً.