Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشمعة تنتظر اللبنانيين عند حافة العتمة

تسهم الطاقة الشمسية في تخفيف أعباء المواطنين لكنها ليست بديلاً عن المولدات الخاصة وكهرباء الدولة

يخشى اللبنانيون العودة إلى "ضوء الشمعة" بسبب الحرب الحالية (ا ف ب)

ملخص

 تزداد الخشية في لبنان من بلوغ مرحلة "العتمة الشاملة"، إذ تعاني مؤسسة كهرباء لبنان من أجل تأمين 4 ساعات تغذية كهربائية، حين تصطدم بارتفاع أسعار النفط عالمياً. وبدأ أصحاب مولدات المشاركة الخاصة برفع التعرفة إلى مستويات قياسية، تصل عتبة 50% ببعض المناطق اللبنانية، ويخلق هذا الواقع حالاً من الإرباك والهلع في أوساط الطبقات الهشة اقتصادياً والفقراء، ويبحث مواطنون عن حلول بديلة، خشية العودة إلى "الحياة على ضوء الشمعة".

على حافة العتمة يقف لبنان متفرجاً على تمدد "الظلمة" بفعل ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً مما أدى إلى تراجع التغذية الكهربائية، وفتح الباب واسعاً أمام "التقنين"، فيما أعلن رئيس تجمع "أصحاب المولدات الخاصة" عبدو سعادة، في حديث إعلامي، عن البدء بتطبيق تقنين قاسٍ يصل إلى ثماني ساعات يومياً في العاصمة بيروت ومدينة طرابلس شمالاً، في خطوة وصفها بأنها "اضطرارية" نتيجة الخسائر المتزايدة.

وقد أحيا هذا المشهد ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، إذ يتخوف المواطنون من تكرار تلك التجربة، عندما كانت تنقطع الكهرباء فترات طويلة تتجاوز 10 أيام، وهو ما كان يؤثر في توصيل المياه إلى المنازل وتوقف الخدمات الأساسية.

ويخشى اللبنانيون من العيش مجدداً على "ضوء الشموع"، لذلك بدأت شريحة لا بأس بها بالبحث عن حلول بديلة وموقتة، إذ زاد الإقبال على شراء المصابيح الكهربائية القابلة للشحن، أو حتى إصلاح بعض المولدات الصغيرة، فيما يحاول أصحاب أنظمة الطاقة الكهربائية الشمسية تحصينها من خلال فحصها أو حتى شراء بعض القطع الإضافية للحالات الطارئة. بين هذا وذاك بدأت مؤشرات أزمة التغذية الكهربائية بالظهور من خلال تراجع فترات تشغيل مولدات المشاركة الخاصة التي تعتمد عليها الغالبية العظمى من الشعب اللبناني في حياتهم اليومية.

القطاعات ذات الأولوية

تعد أزمة الكهرباء العمومية في لبنان من الأزمات العميقة، التي استعصت على الحل خلال العقدين الأخيرين، فيما يحصل اللبناني على أربع أو ست ساعات كهرباء فقط من مؤسسة "كهرباء لبنان" يومياً، ويعتمد في بقية الساعات على المولدات الخاصة.

ومع اتساع نطاق الحرب الإقليمية بين إسرائيل وأميركا من جهة وإيران من جهة ثانية، وضربها الشريان الحيوي للطاقة العالمية، ازدادت المخاوف من بلوغ مرحلة "العتمة الشاملة" وإعلان عجز مؤسسة كهرباء لبنان عن تشغيل معاملها، أو اللجوء إلى زيادة التعرفة "المدولرة" (أي بالدولار الأميركي).

في المقابل، تزداد المخاوف من استهداف المحولات الكهربائية في المناطق المختلفة، بعدما استهدف الجيش الإسرائيلي أحدها في منطقة بنت جبيل – جنوب لبنان مما أدى إلى حرمان العشرات من القرى القريبة من الكهرباء، وزاد الضغط الحياتي على الشريحة التي تمسكت بالبقاء في قراها ورفضت الاستجابة لضغوط إعلانات الإخلاء والنزوح.

وقد خلق تدمير المحولات حالاً من الهلع في أنحاء مختلفة، وسادت الخشية من توقف قطاعات حيوية، ووجه أبناء القرى الحدودية نداءً للدولة اللبنانية من أجل استمرار الخدمات الأساسية، وفتح ممر إنساني دائم.

وتدخلت مؤسسة كهرباء لبنان عبر بيان لتخفيف حدة الاستقطاب، وأعلنت العمل على ضمان استمرارية التغذية للمرافق العامة، لا سيما مرفأ العاصمة، ومطار رفيق الحريري الدولي، ومضخات المياه، والصرف الصحي، وقصور العدل، والسجون. وأكدت أن "التغذية مؤمنة لفترة تزيد على الشهر على النحو الذي هو عليه"، معلنة عن "توفر مخزون مقبول من المحروقات" وتواصل الإمدادات إلى لبنان.

من جهة أخرى نفت التوجه إلى رفع التعرفة في الفترة الحالية، على رغم ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.

الاشتراكات في خطر

من أجل تأمين الكهرباء، يلجأ اللبناني من أعوام طويلة إلى "الاشتراك" أي إلى قطاع توليد الكهرباء الرديف الذي يديره القطاع الخاص لتغطية العجز في خدمة الكهرباء العمومية، وقد تمكنت المولدات الخاصة من تحقيق استقرار في التغذية الكهربائية للمؤسسات والمنازل، على رغم الآثار البيئية والصحية الخطرة، والكلفة المالية المرتفعة على الطبقة الفقيرة والمحدودة الدخل.

وبدوره تأثر قطاع المولدات الخاصة بصورة مباشرة بارتفاع أسعار المازوت والمحروقات بفعل الحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية في المنطقة، وعرقلة عبور حاملات النفط عبر مضيق هرمز للتجارة الدولية الذي يقع بين سواحل الخليج العربي وإيران.

ويشكو مواطنون من ارتفاع فاتورة مارس (آذار) الجاري بمعدل يفوق 35 في المئة، وقد بدأ بالفعل أصحاب مولدات خاصة بإطفاء مولداتهم لساعات محددة، ضمن ما يعرف بسياسية "التقنين"، على رغم رفع التعرفة.

وتشكو إحدى السيدات في مدينة طرابلس الشمالية "كنت أدفع 90 دولاراً مقابل الحصول على اشتراك 3 أمبير، وتغذية 16 ساعة يومياً، ولكن أبلغني صاحب المولد برفع التعرفة بمعدل 50 في المئة، من خلال إضافة 15 دولاراً على كل أمبير، وتخفيض ساعات التغذية".

تجد تلك السيدة نفسها مضطرة إلى تحمل الكلفة الإضافية، وهي كانت تفكر جدياً بتخفيض الاشتراك، وتضيف "تزداد الخشية مع اقتراب فصل الصيف، إذ نختنق في منازلنا عند إطفاء المشاركة وعدم إمكان تشغيل المراوح"، وهي انتقلت بالفعل إلى الخطة باء، إذ اشترت مروحة قابلة للشحن، إضافة إلى إصلاح المصابيح القابلة للشحن من أجل مقاومة الظلمة إن حلت ضيفة ثقيلة قريباً.

بدوره يؤكد فايز صاحب محل للألبسة أنه "بدأ بتنظيم جدول فتح محله والإغلاق على ضوء ساعات التقنين، إذ تراجعت ساعات التغذية، وهو ما يؤثر مباشرة في الإنارة، وعملية كي الملابس، والبيع والشراء، والتبريد والتدفئة".

على ضفة أصحاب الاشتراكات، يدرك هؤلاء أن "التأثير الشديد لارتفاع تعرفة المشاركة والتقنين إنما يقع على عاتق الطبقة الفقيرة وأصحاب الدخل المحدود"، حسب ماهر طرابلسي صاحب شركة للمولدات الخاصة، ويلفت إلى أنه "منذ 20 عاماً بدأ هذا القطاع، وهو مستمر على رغم عدم تنظيمه من قبل الدولة اللبنانية، وبات يعاني بفعل ارتفاع أسعار المحروقات، والزيوت، وقطع التبديل، واستهلاك المولدات بفعل التشغيل ساعات طويلة"، ويأسف أن "الدولة لم تتعلم من دروس الماضي، ولم تضع استراتيجية للخروج من انقطاع الكهرباء، فكان يفترض بها إعفاء أنظمة الطاقة الشمسية من التعرفة الجمركية من أجل السماح للطبقة الفقيرة والمهمشة بتركيب تلك الأنظمة والتخلص من أعباء الاشتراك"، معتبراً أن "أصحاب المولدات مضطرون إلى اعتماد التقنين، وزيادة التعرفة من أجل مواكبة الأعباء المفروضة عليهم بفعل ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً"، ويتخوف ماهر من استمرار الحرب طويلاً، لأن تأثيرها سيكون شديداً في الجميع، وقد يصل لبنان إلى مشهد العتمة، وهو ما يحصل بالفعل في كثير من الدول المستوردة للنفط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أزمة مركبة

لا يمكن تصنيف أزمة الكهرباء ضمن خانة "الأزمة المستجدة"، فلبنان يعاني منذ أعوام فشلاً عميقاً على مستوى الكهرباء العمومية، وتحول القطاع إلى "كتلة من العقد" التي استعصى فكها خلال العهود المتعاقبة.

يشير مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه المهندس غسان بيضون إلى أن "لبنان يعيش خطراً مستمراً لانقطاع التيار الكهربائي، ولم تكن تنقصه أزمة إضافية أو حرب لبلوغ العتمة الواسعة النطاق"، ويضيف "تفتقر مؤسسة كهرباء لبنان إلى القدرة والملاءة المالية لشراء الفيول بكميات كافية، حيث كنا نعيش العتمة بين باخرة غير مطابقة أفرغت حمولتها، وباخرة تأخرت في قدومها، وازدادت التهديدات مع ارتفاع أسعار الوقود، والتضييق على عمليات الاستيراد، وتركز النزوح إلى مناطق بعينها في بيروت وجبل لبنان". يستبعد بيضون وهو خبير لدى المعهد اللبناني لدراسات السوق، بلوغ الإنتاج مرحلة التصفير بفعل وجود مصادر مستدامة على غرار الإنتاج الكهرومائي على مجاري نهر الليطاني، مستدركاً "قد نصل إلى مرحلة توقف الحياة الاقتصادية بفعل تأثر المرافق العامة المختلفة بشح التيار الكهربائي، وصعوبة الاستيراد من الخارج بفعل عدم توفر الموارد المالية"، منوهاً "ستعاني كهرباء لبنان صعوبات في تأمين الأموال لشراء الفيول أويل على أسعار عالية، فهي كابدت كثيراً لشراء المحروقات عندما كان سعر النفط لا يتجاوز 70 دولاراً أميركياً، فكيف الحال بها مع تجاوز عتبة 110 دولارات، وهو مرشح للارتفاع".

ويعتقد بيضون أن "المعاناة ستنسحب على المولدات الخاصة بفعل نزوح كتلة بشرية هائلة، أي أكثر من مليون إنسان إلى مناطق جديدة، وهو ما يزيد الضغط على البنية التحتية لتلك المناطق، حيث تحاول الهيئة العليا للإغاثة ووزارة المالية ووزارة الطاقة تأمين النفقة التشغيلية لبعض المولدات من أجل تخفيف الأعباء"، معبراً عن أسفه لعدم تعلم الدولة من تجربة الحرب السابقة عام 2024، إذ كان يمكن اتباع إجراءات احترازية لإضاءة المؤسسات العامة، والمدارس المعتمدة مراكز للإيواء، والملاعب من خلال تركيب أنظمة للطاقة النظيفة لتجنب الانقطاع، والحد من الإنفاق بفعل الاعتماد على المحروقات.

في المقابل، يتخوف بيضون من عتمة شاملة في أنحاء المنطقة الكهربائية في حال اتسعت دائرة الاستهدافات لتشمل البنية التحتية للطاقة، وهو ما سيزيد من أعباء الدولة المنتجة والكلفة على الدول المستوردة، متحدثاً عن "نزف الدولارات والعملة الأجنبية الصعبة من أجل الاستيراد".

يأمل بيضون بنهاية سريعة للحرب وعدم زيادة الكلفة على العالم، ناصحاً "الدولة اللبنانية بالانتقال إلى لا مركزية الإنتاج والتوزيع، ومنح البلديات واتحادات البلديات بالتعاون مع القطاع الخاص من أجل تقسيم دوائر الإنتاج بالطاقة الشمسية، إذ يمكن تأمين ثماني ساعات طاقة نظيفة بالحد الأدنى، فيما يتركز إنتاج مؤسسة كهرباء لبنان لتزويد المؤسسات العامة بالطاقة النهارية، وتوجيهها ليلاً إلى المدن والوحدات السكنية".

القلق من المستقبل

لا تقتصر أزمة الكهرباء في لبنان على الجانب "التمويلي"، وإنما تنسحب على سلسلة طويلة من الإشكالات بفعل قدم الشبكة، وعدم كفاءة النظام المؤسسي والإنتاجي. تحذر المتخصصة في مجال الطاقة ديانا قيسي من استمرار استهداف البنى التحتية للطاقة في لبنان، إذ تعرضت محطة للتحويل في مدينة بنت جبيل جنوب لبنان، وهو ما يؤدي إلى حرمان القرى المحيطة من التيار الكهربائي. ومن جهة أخرى تنوه قيسي إلى أن "لبنان دولة مستوردة للنفط، لذا فإنه بلد هش، ولا يمتلك رفاهية الصدمات، وهو سيعاني كثيراً من ارتفاع أسعار النفط، كذلك فإنه يعتمد في الإنتاج على محطات حرارية قديمة، وتحتاج الشبكة إلى إصلاحات واسعة".

تتطرق قيسي إلى الاعتماد المتزايد على الطاقة الشمسية في لبنان بحدود الثلث، إذ ارتفعت القدرة الإنتاجية إلى قرابة 1200 ميغاواط بفعل طفرة الطاقة النظيفة، ولكن يؤخذ عليها أنها "غير منظمة"، و"لا يمكن اعتبارها حقلاً بديلاً، بدليل استمرار الاعتماد على الكهرباء المولدة من النفط المستورد وعلى مولدات المشاركة الخاصة". وتستغرب قيسي "عدم قيام لبنان بأي إجراءات لضبط استهلاك النفط والكهرباء المنتجة على غرار ما فرضته دول مثل مصر والأردن من ضوابط لمواجهة ارتفاع أسعار النفط وهو ما ينعكس على كلفة الإنتاج".

من جهة أخرى يتكرر الحديث عن مشاريع "الربط الكهربائي" بين الدول المجاورة، ويأمل اللبناني منذ عقد من الزمن بتحقيق مشروع ربط الشبكة مع سوريا والأردن. وتلفت ديانا قيسي إلى اجتماع ثلاثي عقد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، من أجل إحياء مشروع ربط الشبكات وخط الغاز العربي، معتبرة إياه جزءاً من الحلول المستقبلية التي توقفت موقتاً بفعل الحرب الحالية.

وتشدد على أهمية الربط الكهربائي الإقليمي لأنه "يخفف من أخطار عدم استقرار الشبكة، كذلك فإنه يتيح الاستيراد الطارئ ما بين البلدان، ويحقق المرونة في الإنتاج والتوزيع"، ويسهم الربط العابر للحدود في تبادل الطاقة المنتجة بأنظمة الطاقة الشمسية والطاقة المتجددة، وصولاً إلى حقبة "الأمن الطاقوي الإقليمي".

تجزم قيسي أنه في "غياب الحلول الطويلة الأمد والتعاون الإقليمي سيبقى لبنان أسير مشكلة ثلاثية الأضلاع، تقوم على تقنين الكهرباء العمومية، وارتفاع كلفة المولدات الخاصة، وتقلبات الأسعار في أسواق النفط العالمية". وتقترح حزمة طارئة من الحلول الآنية لمواجهة المشكلة في لبنان، حيث تبدأ بحماية "العقد الحساسة" أي محطات التحويل الرئيسة، ومحيط معامل الإنتاج، وخطوط التوزيع، وتأمين خطط تشغيلية بديلة، وتعزيز مخزونات قطع الغيار ومحطات التحويل، ودعم مخزون الفيول، ناهيك باللجوء إلى الحلول اللامركزية المنظمة، والاعتماد الإضافي على الطاقة الشمسية، وتنظيم عملية التبادل الطاقوي بين الطاقة النظيفة والاشتراكات لتخفيف استهلاك الفيول، وتأكيد الربط الطاقوي مع المحيط العربي وتحديداً الأردن. وتتحدث عن حسن استخدام القرض مع البنك الدولي لدعم الشبكة العامة وطريقة إدارتها، للحفاظ على استمرار واستقرار قطاع الطاقة في لبنان. 

عولمة المشكلة

لا يمكن فصل أزمة لبنان عما يدور في ميدان الشرق الأوسط المتفجر. وتلفت قيسي إلى مجموعة من الأخطار التي تواجه قطاع الطاقة والكهرباء في البلاد العربية والشرق الأوسط، مشيرة إلى أربعة مصادر، يأتي في مقدمها استهداف البنية التحتية للطاقة، إن على مستوى محطات التوليد والتحويل، والنقل والمرافئ ومحطات التحلية، أما المشكلة الثانية فهي ناجمة عن عرقلة عملية انسياب المحروقات والوقود، إذ يؤدي الصراع على مضيق هرمز إلى عرقلة وصول 30 في المئة من النفط و20 في المئة من الغاز المسال إلى وجهاته النهائية لإنتاج الطاقة والكهرباء، وهو ما أدى إلى رفع الأسعار وتهديد سلاسل الإمداد، أما المشكلة الثالثة فهي تأتي من الترابط بين محطات الكهرباء ومحطات تحلية المياه في الخليج، أما المشكلة الرابعة فهي ناجمة عن "هشاشة شبكات التوزيع نفسها"، فهي شبكات قديمة، وتفتقر إلى الصيانة المستمرة، وستتعرض لأضرار كبيرة في حال استمرار الهجمات العسكرية والتصعيد المتبادل.   

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات