ملخص
قرر البنك المركزي المصري تثبيت أسعار الفائدة من دون تغيير، في خطوة تعكس متابعة دقيقة للتضخم ومحاولة تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار ودعم النشاط الاقتصادي في ظل الضغوط الحالية.
قررت لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي المصري خلال اجتماعها اليوم الخميس الإبقاء على أسعار العائد الأساس من دون تغيير، وتقرر تثبيت سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسة للبنك المركزي عند 19 و20 و19.50 في المئة على الترتيب، وأبقت على سعر الائتمان والخصم عند 19.50 في المئة.
ويأتي قرار البنك المركزي المصري بتثبيت أسعار الفائدة في سياق دورة نقدية معقدة شهدها الاقتصاد المصري خلال العامين الماضيين، إذ اتسمت السياسة النقدية بالحذر الشديد في مواجهة موجات تضخم مرتفعة وضغوط خارجية متزايدة، فمنذ عام 2023 اتجه البنك المركزي إلى تبني سياسة نقدية متشددة نسبياً عبر رفع أسعار الفائدة بصورة متدرج لمواجهة الضغوط التضخمية الناتجة من تراجع قيمة الجنيه وارتفاع أسعار السلع العالمية، وبخاصة الغذاء والطاقة.
وأسهمت هذه السياسة في احتواء جزئي للتضخم لكنها رفعت كلفة الاقتراض وأثرت في معدلات الاستثمار والنمو، وخلال عام 2025 بدأ البنك المركزي في التحول نحو نهج أكثر توازناً مع تباطؤ نسبي في وتيرة التضخم، مما فتح الباب أمام تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماعات متتالية عدة، في محاولة لدعم النشاط الاقتصادي من دون التسبب في ضغوط تضخمية جديدة.
إلا أن هذا التوجه واجه تحديات كبيرة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة وخصوصاً بعد اندلاع الحرب على إيران في فبراير (شباط) الماضي، فألقت هذه الحرب بظلال ثقيلة على الاقتصاد المصري، لا من خلال القنوات المباشرة وحسب بل أيضاً عبر تأثيراتها غير المباشرة في الأسواق العالمية وتدفقات رؤوس الأموال، ففي مقدم هذه التأثيرات يأتي الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، والذي أدى إلى زيادة فاتورة استيراد الوقود بصورة ملاحظة مما شكل ضغطاً إضافياً على الميزان التجاري واحتياطات النقد الأجنبي.
وأيضاً تأثرت إيرادات قناة السويس، أحد أهم مصادر العملة الصعبة، نتيجة اضطراب حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث دفعت الأخطار الأمنية شركات الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها مما انعكس سلباً على حجم العبور والإيرادات، ويُعد هذا التطور من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري خلال المرحلة الحالية نظراً إلى أهمية القناة كمصدر مستقر للعملات الأجنبية.
تأثر قطاع السياحة
وفي السياق ذاته تأثر قطاع السياحة بصورة غير مباشرة بعدما أدت حال عدم اليقين الإقليمي إلى تباطؤ في تدفقات السياح، وخصوصاً من الأسواق الأوروبية التي تمثل شريحة كبيرة من إجمال السياحة الوافدة إلى مصر، وعلى رغم عدم تأثر المقاصد السياحية بصورة مباشرة بالأحداث لكن الصورة الذهنية للمنطقة ككل تلعب دوراً حاسماً في قرارات السفر.
أما على صعيد الأسواق المالية فقد شهدت مصر موجة خروج ملاحظة للأموال الساخنة من السوق الثانوية للدين الحكومي، في ظل اتجاه المستثمرين العالميين نحو الأصول الآمنة مثل الدولار والذهب، وقد أدى ذلك إلى ضغوط على سعر الصرف على رغم تدخلات البنك المركزي للحفاظ على الاستقرار النسبي للعملة.
وتزامن ذلك مع ارتفاع كلفة التمويل الخارجي نتيجة تشديد الأوضاع المالية العالمية، مما يزيد من تحديات إدارة الدين العام وخصوصاً في ظل حاجات التمويل الكبيرة للاقتصاد المصري.
وفي ضوء هذه التطورات يمكن تفسير قرار تثبيت أسعار الفائدة كخطوة تهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين احتواء التضخم من جهة ودعم النشاط الاقتصادي من جهة أخرى، فرفع الفائدة في هذا التوقيت قد يزيد أعباء الدين ويؤثر سلباً في الاستثمار، في حين أن خفضها قد يؤدي إلى ضغوط إضافية على العملة والتضخم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كذلك يعكس القرار إدراك البنك المركزي لطبيعة الصدمة الحالية التي يغلب عليها الطابع الخارجي، مما يجعل أدوات السياسة النقدية أقل فاعلية في مواجهتها بصورة مباشرة مقارنة بالإجراءات الهيكلية والمالية، وعلى المدى المتوسط تبرز الحاجة إلى تسريع الإصلاحات الاقتصادية، خصوصاً في ما يتعلق بتنويع مصادر النقد الأجنبي وتعزيز الصادرات، وتقليل الاعتماد على التدفقات قصيرة الأجل، بما يعزز من قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.
وفي المجمل يعكس المشهد الحالي حالاً من الترقب الحذر، إذ تظل قرارات السياسة النقدية مرتبطة بصورة وثيقة بتطورات الأوضاع الإقليمية ومدى استمرار الضغوط التضخمية واتجاهات الأسواق العالمية، مما يجعل المرحلة المقبلة مليئة بالتحديات لكنها أيضاً تحمل فرصاً لإعادة هيكلة الاقتصاد بصورة أكثر استدامة.
وفي سياق التطورات النقدية أظهرت بيانات البنك المركزي المصري اليوم الخميس تراجع صافي الأصول الأجنبية لمصر بأكثر من ملياري دولار خلال فبراير الماضي ليسجل 27.37 مليار دولار، مقارنة بنحو 29.49 مليار دولار في يناير (كانون الثاني) السابق له، ويعكس هذا التراجع ضغوطاً ملاحظة على السيولة الأجنبية داخل القطاع المصرفي، وبخاصة لدى البنوك التجارية.
ارتفاع صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي بنحو 620 مليون دولار
وبحسب البيانات فقد ارتفع صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي بنحو 620 مليون دولار، في حين تراجع لدى البنوك التجارية بنحو 2.7 مليار دولار مما يشير إلى انتقال جزء من الضغوط إلى موازنات البنوك العاملة في السوق، وأوضح البنك أن هذا التراجع يعود بصورة رئيسة إلى انخفاض الأصول الأجنبية لدى البنوك التجارية بنحو 5.46 مليار دولار لتصل إلى 42.98 مليار دولار، في مقابل تراجع الالتزامات الأجنبية بنحو 2.7 مليار دولار لتسجل 31.2 مليار دولار، وهو ما يعكس استخداماً أكبر للموارد الأجنبية في تغطية الالتزامات.
في المقابل سجلت الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي تحسناً نسبياً على رغم انخفاض إجمال الأصول بنحو 101 مليون دولار لتصل إلى 51.3 مليار دولار، وذلك بدعم من تراجع الالتزامات الأجنبية بقيمة 721 مليون دولار إلى 35.7 مليار دولار، مما أدى إلى تحسن صافي المركز الخارجي للبنك.
وعلى صعيد الاحتياطات الدولية أعلن البنك المركزي ارتفاع صافي احتياطات النقد الأجنبي إلى 52.746 مليار دولار في فبراير الماضي، مقارنة بـ52.594 مليار دولار في يناير 2026، بزيادة بلغت 152 مليون دولار، مسجلاً بذلك أعلى مستوى في تاريخ البلاد، ويعكس هذا الارتفاع استمرار تحسن مصادر النقد الأجنبي مدعوماً بنمو الصادرات منذ بداية عام 2025، إضافة إلى تعافي إيرادات السياحة وزيادة تحويلات المصريين العاملين في الخارج، وهي عوامل أسهمت في دعم استقرار الاحتياطات على رغم الضغوط الخارجية.
في غضون ذلك خفض البنك المركزي المصري توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 4.9 في المئة للسنة المالية 2025 - 2026 نزولاً من 5.1 في المئة خلال توقعات سابقة.