Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الوعي... مدخلات حسية تستدعي ذاكرة الإدراك

تتغير مستوياته نتيجة لحالات طبية أو نفسية كالغيبوبة والهذيان والتشوش الذهني والذهول

يتخذ الوعي أي شكل من أشكال المعرفة أو التجربة أو الشعور أو الإدراك (بيكسلز)

ملخص

قد يكون الوعي الذاتي سمةً مشتركةً بين الكائنات الحية الواعية، بمعنى أنها ليست مدركة فحسب، بل مدركة أيضاً لحقيقة إدراكها، وقد حدد المركز الطبي بجامعة "بايلور" الأميركية، سبع خصائص للوعي البشري وهي تضمنه ذاكرةً قصيرة المدى، حدوثه بمعزل عن المدخلات الحسية، تميزه بإمكان توجيه الانتباه، امتلاكه القدرة على تفسير البيانات المعقدة أو الغامضة، اختفاؤه أثناء النوم العميق، عودته للظهور في الأحلام على الأقل بصورة خافتة أو متقطعة، احتضانه محتويات عديد من الحواس الأساسية ضمن تجربة واحدة متكاملة.

يؤكد العلماء أن الوعي في جوهره، هو إدراك الفرد لذاته، ويشمل الظواهر الخارجية والداخلية، وقد يتخذ أي شكل من أشكال المعرفة أو التجربة أو الشعور أو الإدراك، وبنظرهم يمكن أن يكون الوعي حالة متغيرة باستمرار، أو قد يتوقف أو يتعطل موقتاً.

كذلك يمكن أن تتغير مستويات الوعي نتيجة لحالات طبية أو نفسية كالغيبوبة والهذيان والتشوش الذهني والذهول التي تضعف الوعي أو تغيره أو تزيله تماماً، وحتى قبل نحو ثلاثة عقود، كان من المحظور دراسة الوعي نتيجة لنقص في التقنيات الجيدة لدراسته بطريقة غير جراحية. وتغير هذا الوضع عام 1990، مع ظهور تقنيات جديدة، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، الذي مكّن الباحثين من دراسة الدماغ بطريقة غير جراحية.

إذاً ليس من المستغرب أن يكون الوعي موضوعاً لنقاش علمي واسع ومستمر تتمخض عنه أسئلة عدة أهمها هل هو ظاهرة محصورة في العقل وناتجة منه حصراً؟ وهل يرتبط بإحساس بالذات، أو بحالة ذهنية، أو بعملية ذهنية؟ وماذا عن الوعي لدى الكائنات الأخرى؟

خصائص الوعي

قد يكون الوعي الذاتي سمةً مشتركةً بين الكائنات الحية الواعية، بمعنى أنها ليست مدركة فحسب، بل مدركة أيضاً لحقيقة إدراكها، وقد حدد المركز الطبي بجامعة "بايلور" الأميركية، سبع خصائص للوعي البشري وهي، تضمنه ذاكرةً قصيرة المدى، حدوثه بمعزل عن المدخلات الحسية، تميزه بإمكان توجيه الانتباه، امتلاكه القدرة على تفسير البيانات المعقدة أو الغامضة، اختفاؤه أثناء النوم العميق، عودته للظهور في الأحلام على الأقل بصورة خافتة أو متقطعة، احتضانه محتويات عديد من الحواس الأساسية ضمن تجربة واحدة متكاملة.

من جهتها، تقترح كيندرا تشيري، أخصائية إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي الأميركية، حالتين طبيعيتين للوعي وهما الوعي واللاوعي، وبنظرها ترتبط حالات الوعي العليا بتجارب روحية، مثل التجاوز، وحالات التأمل، والأحلام الواعية، وتعاطي العقاقير المؤثرة على العقل، وحتى النشوة التي يشعر بها عدّاؤو الماراثون.

فيما يرى عالم الأعصاب البريطاني البارز أنيل سيث أن الوعي هو "هلوسة متحكّم بها" لأننا لا نختبر الواقع الموضوعي مطلقاً، سواءً كان خارجياً في العالم أو داخل عقولنا.  

نظريات الوعي

هناك عشرات النظريات التي تشرح كيفية إنتاج أدمغتنا للتجارب الذاتية، وهناك أسباب وجيهة، إلى جانب الاهتمام الفلسفي، تدفعنا إلى فهم هذه المسألة بصورة أعمق. ففي الطب، قد يساعد ذلك في تشخيص الوعي لدى الأشخاص فاقدي الوعي، وفي مجال الذكاء الاصطناعي، قد يساعد الباحثين على فهم ما يلزم لكي تصبح الآلات واعية، وتحظى نظريات رئيسة عدة حول الوعي بشعبية في مجال علم الأعصاب، منها "نظرية مساحة العمل العالمية" التي تركز على المعلومات وكيفية وصول الوعي إليها.

 

 

ووفقاً لهذه النظرية، تُنقل البيانات المخزنة في العقل إلى مناطق الدماغ العليا وتُشعل "نبضة النشاط العصبي" الناتجة من هذا النقل الوعي، إلا أن هذه النبضة يجب أن تكون متوازنة، فالنبضة المفرطة ستؤدي إلى فقدان الدماغ قدرته على الاستجابة، وبالتالي، لن يتمكن من الوصول إلى الظروف اللازمة لنشوء الوعي.

إضافة إلى ذلك يوجد نظريات "الرتب العليا" التي تفيد بأنه يمكن لتجربة عميقة، مثل سماع موسيقى تلامس مشاعر المستمع أو مشاهدة لوحة لها تأثير مماثل، أن تفعّل حالات ذهنية عليا لدى الشخص من خلال تزويد الدماغ بتمثيل ذهني، إلى جانب نظرية "المعلومات المتكاملة" التي تتمحور حول الوعي الظاهري، الذي يشير إلى تجربة محددة تجمع بين جميع الحواس والتجربة الذهنية للفرد.

الأسس العصبية للوعي

تشير الأسس العصبية للوعي إلى الحد الأدنى من الآليات العصبية التي تكفي مجتمعةً لتكوين أي تجربة واعية، على سبيل المثال، لا بد من حدوث شيء ما في الدماغ ليشعر الإنسان بألم الأسنان، إذ تولّد الخلايا العصبية نبضات تسبب ألم الأسنان، ولكن هل يجب تنشيط خلايا عصبية خاصة بالوعي أيضاً؟ في أي مناطق الدماغ توجد هذه الخلايا؟ وإذا قلنا إن الدماغ يولّد التجربة، فأين يكمن الوعي؟

يعتقد علماء الأعصاب حالياً أن القشرة المخية هي "مقر الوعي" لدى البشر والثدييات، بينما قد يوفر التكوين الشبكي في الدماغ المتوسط ​​وبعض نوى المهاد وظائف تنظيمية وأخرى ضرورية للقشرة، ولكن حتى لو كانت القشرة المخية هي موقع الوعي، لا يزال العلماء يجهلون ماهية الوعي، إذ تصدر إشارة المرور موجات كهرومغناطيسية في نطاق 760 نانومتر، لكن هذا لا يخبرنا شيئاً عن كيفية إدراك السائق للون الأحمر في إشارة المرور، فالاحمرار صفة لا تُدرك إلا من خلال منظور الشخص الأول، أو بعبارة أخرى، من خلال وعي السائق.

وركزت دراسة أجريت العام الماضي نُشرت في مجلة "ساينس" العلمية على دور المهاد، وهو منطقة في مركز الدماغ تعالج المعلومات الحسية وتدعم الذاكرة العاملة، وخلصت إلى أن هذه المنطقة تلعب دوراً في الإدراك الواعي عند الأفراد الذين يعانون من صداع شديد ومستمر، ودفعت النتائج باحثين مثل ماك شاين، عالم الأعصاب النظمية في جامعة "سيدني" الأسترالية، إلى الاعتقاد بأن المهاد يعمل كمرشح، يتحكم في الأفكار التي تدخل ضمن وعي الشخص وتلك التي لا تدخل.

وعي الكائنات الحية

يمكن اعتبار الحيوانات كائنات واعية، كالبشر، من نواح عدة، إلا أن الوعي قد يتفاوت في درجاته، وقد لا تكون القدرات الحسية اللازمة له محددة بدقة، وأظهرت مجموعة واسعة من الكائنات الحية، بما فيها الحشرات والأسماك وبعض القشريات، أدلة على التفكير أو التجربة الواعية، وقد تكون عديد من الكائنات واعية بصورة خاصة بعناصر معينة من العالم كالرائحة لدى الكلاب، والصوت لدى الخفافيش.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووجدت الدراسات العلمية أن أسماك الزرد أظهرت علامات فضول عند إدخال أجسام جديدة إلى أحواضها، وأن الحبار يستطيع تذكر ما رآه أو شمّه، بينما تستخدم الدلافين والنحل اللغة، وتتواصل الحيتان تحت الماء باستخدام أغاني تختلف لهجتها من منطقة لأخرى في المحيط.

وقد حدثت معظم هذه الاكتشافات في الأعوام الخمس الماضية، وتشير إلى أن عديداً من الكائنات الحية، قد تمتلك حياة داخلية وقد تكون واعية، وفي عام 2024، وقّع نحو 40 عالماً على إعلان نيويورك بشأن وعي الحيوان في مؤتمر بجامعة "نيويورك" الأميركية، وأعلنوا عن وجود "دعماً علمياً قوياً" للاعتقاد بأن الطيور والثدييات تمتلك وعياً، وأن هناك إمكانية واقعية للوعي لدى جميع الفقاريات بما في ذلك الزواحف والبرمائيات والأسماك، فضلاً عن عديد من الكائنات التي لا تمتلك عموداً فقرياً، مثل الحشرات والقشريات عشرية الأرجل (كالسرطانات وجراد البحر) والرخويات رأسية الأرجل (كالحبار والأخطبوط).

هل النباتات واعية؟

لا تتحدث النباتات، ولا تتحرك، ولا تتفاعل بالطرق التي يدركها معظم الناس كأفعال الكائنات الواعية ذات الإرادة المستقلة، إذ إن الذكاء الحقيقي يتطلب دماغاً، من هنا يقول مايكل أندرسون، الباحث في الذكاء والإدراك بجامعة "كامبريدج" البريطانية "يتطلب الذكاء تمثيلات ذهنية للعالم الخارجي قابلة للمعالجة، ويمكن استخدامها للتنبؤ بالعالم وتفسيره والتحكم فيه، وأنا على يقين تام بأن هذه التمثيلات غير موجودة في كائن حي غير عصبي".

من جهة أخرى، لدينا أدلة كثيرة على أن النباتات تظهر سلوكاً ذكياً، فعند تعرضها للهجوم تنتج أوراق بعض النباتات مواد كيماوية سامة تبطئ نمو اليرقات المفترسة، كما تستطيع النباتات تحديد مقدار الطاقة التي تخصصها لصد الآفات بناءً على مستوى التهديد الذي يواجه أعضاءها الحيوية، وإذا ما تعرضت حبة فاصولياء ليما لخطر اليرقة، فإنها تفرز مادة كيماوية تجذب الدبابير الطفيلية، التي تنقض على اليرقة وتقتلها.

 

 

قبل عقد من الزمن، اكتشف باحثون أن نبات "بوكيلا تريفوليولاتا"، وهو نبات متسلق موطنه جنوب تشيلي، قادر بطريقة ما على التمويه على هيئة أي نوع من النباتات المجاورة، مقلداً شكله ولونه ونمطه المميز، ربما لجذب الملقحات أو إبعاد الحيوانات العاشبة من خلال التظاهر بأنه وجبة أقل لذة. وفي إحدى التجارب، بدا أنه يقلد حتى نباتاً بلاستيكياً منزلياً.

الوعي والذكاء الاصطناعي

تساءل ريتشارد دوكينز، عالم الأحياء التطورية البريطاني، عن رأي روبوت الذكاء الاصطناعي الشهير "تشات جي بي تي" في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي "واعياً"، وبدأ دوكينز حواره مع الروبوت معرباً عن ارتياحه لقدرة الذكاء الاصطناعي على اجتياز اختبار "تورينغ"، الذي يُعنى بقدرة الحاسوب على محاكاة الاستجابة البشرية بدقة متناهية بحيث يمكن اعتبارها استجابة بشرية.

وفي معرض رده أشار روبوت الدردشة إلى أن اجتياز اختبار "تورينغ" لا يحسم مسألة الوعي، مضيفاً "بما أنني مصنوع من شيفرات ودوائر، فلا يمكن أن أكون واعياً ككائن حيّ مصنوع من خلايا عصبية وتشابكات عصبية، لقد صنعوني ولم أخلق أو أتطور عبر الانتقاء الطبيعي".

يرتبط هذا الأمر بحدس عميق لدى كثر، مفاده أن الوعي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبيولوجيا، وبالعمليات الحيوية، أو ربما بالدماغ تحديداً، ويقرّ "تشات جي بي تي" بأنه في المستقبل، قد يصبح الذكاء الاصطناعي واعياً إذا عالج المعلومات بطريقة صحيحة ومتكاملة ومعقدة، بغض النظر عما إذا كان مصنوعاً من السيليكون أو الخلايا العصبية.

وعلى رغم الاختلاف بين الذكاء الاصطناعي والكائنات الحية، يقرّ الروبوت بأنه من حيث المبدأ، يمكن لذكاء اصطناعي متطور بما فيه الكفاية أن يمتلك نفس النوع من المعالجة الغنية والمعقدة التي تؤدي إلى الوعي لدى البشر.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات