ملخص
مع ازدياد القمع في النظام وتصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية والنفسية على الجماهير الإيرانية، تحولت الكراهية للنظام إلى بغض شديد، وحل الانتقام محل الانتقاد. وفي تلك الأجواء طُرحت أطروحة أكثر راديكالية منها الانهيار أو إسقاط النظام.
من أية زاوية تنظر، فإن وطننا إيران اليوم ليس في حال جيدة. كيف وصلنا إلى هنا؟ هذا السؤال طُرح مراراً خلال العقود الأربعة أو الخمسة الماضية، وقد تقول إنه لا حاجة إلى إعادة ذكر المآسي.
مع ذلك، أعتقد بأنه ينبغي طرح هذا السؤال من جديد في ضوء ظروف إيران اليوم، كيف وصلنا إلى هنا؟
إن الوصول إلى هنا بدأ في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1978 عندما اشتعلت الحمى الثورية في مدن عدة من البلاد، وأثارت هذه الحمى مجموعات صغيرة لكنها صاخبة من أعداء شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي، على أساس تصور أن إقصاءه من الساحة السياسية في إيران سيحل جميع مشكلاتهم المتصورة.
في تلك الأيام، كان هناك أشخاص يحاولون السيطرة على تلك الحمى بالاعتماد على الحكمة السياسية ومصلحة المجتمع. وكان رأيهم بإيجاز كالتالي، لقد قرر محمد رضا شاه مغادرة إيران، بالتالي فإن رغبتكم أيها المعارضون له ستتحقق. لذلك لا يوجد سبب للتخلي عن النظام الملكي الدستوري بأكمله والقفز في هستيريا ثورية نحو المجهول.
إن المواد الأساسية للنظام الملكي الدستوري تمنحنا إمكان أن نحافظ على البنية السياسية القائمة على ثقافتنا أو نغيّرها بعد إجراء النقاشات اللازمة وبعد التدقيق في المصالح الكبرى للأمة، ومن خلال الرجوع إلى إرادة الشعب. إن اللاقانونية هي أسوأ الآفات لأنها تؤدي في النهاية إلى الاستبداد.
لكن يا للأسف، فإن النشطاء السياسيين في ذلك الوقت، من اليسار إلى اليمين أو الوسط، فضّلوا المقامرة بمستقبل إيران، ومن خلال خلق مناخ خارج إطار القانون، أتاحوا الفرصة للخميني ليفعل ما يشاء.
لكن الأمر لم يدُم طويلاً حتى ظهرت أخطار ما قدمه آية الله. فالنظام الذي يتشكل بلا قانون، سينتهي به الأمر إلى الحكم بلا قانون. وأدرك بعض المشاركين في الثورة الإيرانية هذه الحقيقة بسرعة.
واعترف الراحل مهدي بازركان، أول رئيس وزراء لـخميني، خلال مقابلة مع صحيفة سويسرية، بصورة غير مباشرة بأن اللبنة الأولى للجمهورية الإسلامية وُضعت معوجّة، ولذلك فإن بنيانها سيبقى معوجاً بالضرورة.
لكن في ذلك الوقت، لم يكُن من الممكن التفكير في هدم ذلك البناء. ونتيجة لذلك، بدأ بعض المشاركين في الثورة البحث عن خيارات أخرى له. وكان أحدهم أكبر هاشمي رفسنجاني الذي طرح للمرة الأولى مفهوم "الانحلال" ويقصد منه التحول التدريجي.
وضمن إطار "الانحلال"، كانت الجمهورية الإسلامية ستحتفظ ببنيتها السياسية، لكنها ستجري بعض التغييرات الاقتصادية والاجتماعية، وبالاستفادة من الموارد البشرية والطبيعية الهائلة لإيران، ستحصل على شرعية تتجاوز الشرعية الثورية.
مع ازدياد القمع في النظام وتصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية والنفسية على الجماهير الإيرانية، تحولت الكراهية للنظام إلى بغض شديد، وحل الانتقام محل الانتقاد. وفي تلك الأجواء طُرحت أطروحة أكثر راديكالية منها الانهيار أو إسقاط النظام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن برنامج "الانحلال" الذي طُبق بطرق مختلفة لما يقارب عقداً من الزمن، لم يتمكن أبداً من تقويم البناء المعوج لجمهورية خميني. فجلبت هذه المبادرة بضعة أعوام من النمو والتطور الاقتصادي، وأوجدت طبقة جديدة من الأثرياء الجدد، من دون أن تغيّر الطبيعة المعادية لإيران في النظام.
في تلك السنوات، كان بعض المثقفين اليساريين، ومن بينهم الراحل باقر برهام، يعتقدون بأنه يجب الانتظار حتى تعطي هذه الوتيرة نتائجها.
انتظرنا أعواماً، لكن "التطور التدريجي" لم يسفر عن نتيجة سوى تضخيم السمان أكثر، وإنهاك النحفاء أكثر. وفي الوقت نفسه، انجرف البلد سياسياً بسرعة أكبر نحو الخنق والقمع والاغتيالات.
وبعد فشل التحول التدريجي، ظهر مصطلح مفتاحي آخر، الإصلاحات. وكان أشهر بائع لهذا المنتج الجديد الرئيس السابق محمد خاتمي الذي كان يظن أنه يمكن تقليم شجرة جذورها مرة، فتعطي ثماراً حلوة.
لكن "الإصلاحات" مثل "الانحلال"، فقدت بريقها بعد بضعة أعوام. فلم يتمكن خاتمي، أو لم يُرِد، حتى من تقديم أصغر مشروع لإصلاح جزئي، وكان عذره أن أية خطة إصلاح ستواجه بمعارضة "أولئك ولن تصل إلى نتيجة. لكنه لم يجرؤ حتى على تعريف من هم "أولئك".
أما "الإصلاحات" في أكثر أشكالها ابتذالاً، فعرضت في شكل المفتاح الذي رفعه حسن روحاني شعاراً له، إذ كان هو ومن يطلق عليهم "أولاد نيويورك" (مجموعة من المسؤولين الذي درسوا وعاشوا في نيويورك) يأملون في جذب دعم الولايات المتحدة الأميركية، واستخدام الإمكانات الاقتصادية الكامنة في البلاد لتحويل انتباه الناس عن ضرورة الانتقال إلى ما بعد "الثورة الإسلامية"، نحو إغراء "الحياة المرفهة".
لكن مفارقة التاريخ المريرة أظهرت أن أوسع عمليات القتل وأشد حملات القمع ضد المواطنين حدثت في زمن "الإصلاحات".
وبعد فشل "الإصلاحات"، طُرحت أطروحة أخرى، تغيير النظام. لكن المروجين لهذه الأطروحة، ومن بينهم أنا نفسي، للأسف لم يتمكنوا من تقديم برنامج واضح لتحقيق هذا التغيير.
إن تغيير النظام يمكن أن يحدث بطرق متعددة:
يمكن تغيير نظام ما عبر هجوم عسكري خارجي، كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وكما رأينا في الشرق الأوسط في حربي أفغانستان والعراق.
وقد يحدث التغيير عبر حرب أهلية، كما رأينا في المكسيك خلال القرن الـ19 وفي إسبانيا خلال القرن الـ20.
وهناك طريق آخر، وهو تغيير توازن القوى داخل النظام نفسه، كما حدث في الصين عندما تمكن الجناح البراغماتي بقيادة دنغ إكسوبين من السيطرة على الحزب والجيش والبيروقراطية وإقصاء الماويين المتشددين.
ويمكن أن يحدث تغيير النظام أيضاً عندما تنضم القوات العسكرية في البلاد إلى المعارضين، كما حدث في بولندا خلال عهد الجنرال ياروزوسكي.
وشهدنا نوعاً آخر من التغيير في التشيك عندما قام البرلمان الذي كان خاضعاً لهيمنة الحزب الشيوعي، بتسليم السلطة إلى أحد أقدم معارضي الحزب فاتسلاف هافل.
وأوردنا كل هذه الأمثلة لنذكّر بأن الترويج لفكرة تغيير النظام من دون أن نقول أي نوع من التغيير نقصد، وبأي طريق سيتم، ليس سوى شعار قد ينتهي في النهاية إلى الفراغ.
إن دعاة أطروحة تغيير النظام اقترحوا، في أفضل الأحوال، إعادة إيران إلى إطار الدستور الملكي المشروط، لكنهم هم أيضاً لم يقولوا كيف وبأي طريق يريدون تنفيذ هذا البرنامج. في رأيي، فإن أطروحة العودة للملكية الدستورية أصبحت الآن الخطاب السياسي الأبرز في إيران، غير أن الانتصار في الخطاب، حتى من وجهة نظر أنطونيو غرامشي، لا يكفي لتحقيق مضمون ذلك الخطاب.
ومع مرور الأعوام وازدياد وضوح الزوايا المظلمة للنظام المخيف للجمهورية الإسلامية، طُرحت خيارات أكثر راديكالية. فالتطور التدريجي والإصلاحات والعودة للملكية الدستورية والتغيير كلها تُعد خيارات "ناعمة". وأدى فشلها في الميدان العملي إلى أن تصبح الخيارات أكثر صلابة يوماً بعد يوم. وهكذا طُرحت قبل نحو عقد من الزمن أطروحة "إسقاط النظام". وبدهشة كبيرة رأينا أن شعار "أنا أيضاً من دعاة إسقاط النظام" جذب بعض الدعاة المعروفين لثورة 1979.
في ذلك الوقت جاء أحدهم، ولا أريد ذكر اسمه، إلى لندن وطلب اللقاء. قال إنه يعمل الآن أستاذاً في جامعة أميركية، لكنه يريد أن يكرس نفسه لإسقاط الجمهورية الإسلامية. وعندما سألته متى وكيف ستقومون بهذا الإسقاط؟ وصل حديثنا إلى طريق مسدود، وجاءت الحلوى إلى طاولتنا في مطعم "غاليريا"، فغيّر الموضوع.
لكن الحقيقة أن الإسقاط أيضاً يمكن أن يحدث بطرق متعددة، ومن أكثر هذه الطرق شيوعاً الانقلاب العسكري. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية شهد العالم أكثر من 200 انقلاب عسكري أدت إلى تغيير الأنظمة في أكثر من 50 دولة، وهي انقلابات شرح تفاصيلها التقنية كتاب مثل الإيطالي كورتسيو مالابارته والأميركي إدوارد لوتواك.
وكان أحد وجوه حركة "أنا أيضاً من دعاة إسقاط النظام" أحد مؤسسي الحرس الثوري الإيراني، أو في الأقل يدّعي ذلك. وخلال حديث جمعني معه ومع عدد من أبناء الوطن، سألته ما برنامجكم العملي لإسقاط النظام؟ وقبل أن يُقدَّم الشاي والبقلاوة قال الاستفتاء!
ولأكثر من عقد من الزمن ظل هذا الـ"كليشيه" المبتذل، أي الاستفتاء، في مركز تصريحات كثير من ناشطينا السياسيين، خصوصاً في المنفى. لكنهم، مثل دعاة التطور التدريجي والإصلاحات والتغيير والعودة للملكية الدستورية، لم يستطيعوا أبداً أن يوضحوا:
من الذي سيجري هذا الاستفتاء؟
وبأي قانون؟
وتحت إشراف أية جهة؟
وما السؤال الذي سيُطرح فيه؟
ومع ازدياد القمع في الجمهورية الإسلامية وتصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية والنفسية على الجماهير الإيرانية، تحولت الكراهية للنظام إلى بغض شديد، وحل الانتقام محل الانتقاد. وفي تلك الأجواء طُرحت أطروحة أكثر راديكالية، الانهيار.
لكن داعية "الانهيار" يشبه شخصاً يقف على شرفة بيت مشتعل بالنار، وهو مستعد أن يقفز إلى الأسفل لينجو بنفسه أو لتحقيق أوهام يتخيلها.
كثير من أبناء وطننا، بخاصة الشباب، رأوا الأفق المغلق للمستقبل والاختناق المتزايد والاعتداء المتصاعد على الكرامة الإنسانية في الجمهورية الإسلامية، فاستقبلوا أطروحة الانهيار بالترحيب.
لكن كيف يحدث الانهيار؟
الخطوة الأولى في هذا المسار المشؤوم اتخذها قادة النظام عندما حوّلوا إيران إلى قاعدة للإرهاب في خدمة أعداء "الإمبريالية" و"الصهيونية".
والخطوة الثانية كانت تحويل حلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة وإسرائيل إلى أعداء لإيران.
والخطوة الثالثة كانت وضع إيران، أي جمهوريتهم الإسلامية، إلى جانب القوى التي تتحدى الولايات المتحدة أو إسرائيل.
أما الخطوة الرابعة، فكانت تقييد الرأي العام في إيران، رأي عام وشعب لا يريان أي سبب لصناعة الأعداء بذريعة شعارات زائفة.
الأعداء الذين صنعتهم الجمهورية الإسلامية لإيران التي لم يكُن لها أعداء، قرروا بعد أعوام من الصبر أن سياسة المهادنة بهدف احتواء حكام طهران وصلت إلى طريق مسدود، وأن السبيل الوحيد لكسر هذا الجمود هو العمل العسكري ضد الجمهورية الإسلامية.
لكن مهما نظرنا إلى الأمر، فإن الحرب التي بدأت منذ الصيف الماضي، وبعد وقف إطلاق نار قصير لا تزال مستمرة الآن، هي حرب بين خصمين أجنبيين على أرض إيران.
فالنظام الإيراني والحرس الثوري أكدا مراراً أنهما ينظران إلى إيران فقط على أنها قاعدة لقواتهما ووسيلة لحفظ الثورة وتصديرها.
ومن جهة أخرى فإن القوات العسكرية للولايات المتحدة وإسرائيل هي بطبيعة الحال قوات أجنبية.
ورأينا وضعاً مشابهاً خلال الحرب العالمية الثانية، عندما كان جيش ألمانيا النازية يقاتل الجيش الأحمر السوفياتي على أرض بولندا، من دون أن يكون للشعب البولندي دور، مع أنه دفع الثمن الأكبر.
وفي الحرب الجارية بين خصمين أجنبيين على أرض وطننا، لا شك في أن الشعب الإيراني سيدفع الثمن الأثقل. فالولايات المتحدة تواجه فقط خسائر اقتصادية وربما رمزية. أما إسرائيل فلديها القدرة على تقليل كلفة الحرب، مالياً وبشرياً.
في بداية هذه الحرب كان يمكن تصور أن الهدف النهائي هو إجبار قادة النظام الإيراني على الاستسلام أو نوع من التسوية. لكننا نرى الآن أن الهدف لم يعُد ترويض النظام، بل أصبح انهيار الدولة ــ الأمة الإيرانية، في الأقل في شكلها الحالي.
ولهذا السبب توسعت خلال الأيام الأخيرة حملة القصف الجوي التي كانت تستهدف سابقاً فقط البنى التحتية العسكرية أو المنشآت ذات الاستخدام المزدوج، لتشمل أيضاً البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد.
فالهجوم على المنشآت النفطية ومحطة بوشهر النووية والملاعب الرياضية ونقاط الحدود أمثلة على هذا التغيير في تكتيك الولايات المتحدة وإسرائيل.
كما أن تهديد بعض المتشددين الأميركيين بأنهم "سيعيدون إيران للعصر الحجري" يبدو أنه بدأ يتحقق. أما ما بقي من قيادة النظام الإيراني فاختار، على ما يبدو، خيار شمشون، أي المقاومة حتى الدفن تحت أنقاض الدولة الإيرانية نفسها.
نحن الآن في أخطر مرحلة من هذه اللعبة السوداء. فإسرائيل التي يبدو أنها اخترقت معظم مؤسسات النظام الإيراني، استطاعت حتى التأثير في مركز اتخاذ القرار في طهران، وتشجيع صناع القرار على مهاجمة منشآت جيراننا العرب، النفطية والسياحية والاقتصادية وحتى محطات تحلية المياه، على أمل إدخال الأراضي الواقعة عبر الخليج في شعار "كل المدن كربلاء، وكل يوم عاشوراء".
وبذلك من الممكن أن تتحول منطقة الخليج بأكملها إلى ميدان حرب لا نهاية له لأن ما يحدث قد يحول شعوب الجانبين التي لا سبب لها للعداء، إلى أعداء دائمين. وفي تلك الحال ستصبح إسرائيل القوة العظمى الوحيدة في المنطقة ونقطة الاستقرار الوحيدة والقوة الشرق أوسطية الوحيدة.
إن نتائج خطة الانهيار تتضح يوماً بعد يوم. لكن أليس من مصلحة العالم كله ألا يحدث هذا الانهيار وألا يُعاد أكبر بلد في الشرق الأوسط للعصر الحجري؟
والأهم من ذلك، هل سيسمح الشعب الإيراني الذي أظهر عبر آلاف السنين عبقريته في تجاوز أصعب المحن، بأن يصبح ضحية صراع بين طرفين أجنبيين النظام من جهة، وثنائي الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى؟
وفي عيد النوروز هذا العام، ما العهد الذي سيقطعه كل واحد منا على نفسه؟
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"