ملخص
تحولت كاميلا إلى أحد أبرز وجوه القوة الناعمة في بريطانيا، مستثمرة حضورها الهادئ لدعم قضايا شائكة من العنف ضد النساء إلى محو الأمية، وبانضمامها إلى نادي "غاريك" تكرّس مكانتها كقوة تغيير اجتماعي مؤثرة قادرة على تحريك المياه الراكدة بهدوء وثبات.
بلغت خطوات كاميلا حداً من الأهمية حين لم يعد ذكر كلمة "الملكة" يستدعي تلقائياً اسم إليزابيث، فيوم الأربعاء، 24 مارس (آذار) الجاري، أصبحت الملكة كاميلا أول امرأة من العائلة المالكة تنضم إلى نادي "غاريك" Garrick Club، النادي النخبوي الخاص العريق في لندن الذي ظل حكراً على الرجال حتى عام 2024، مواصلة بذلك مساراً هادئاً من التغيير تنتهجه منذ أعوام.
يقول مصدر مطلع من داخل النادي إن علاقة الملك تشارلز السابقة بالمكان، حيث اعتاد استخدام قاعاته الخاصة، ربما مهدت الطريق لها، لكن انضمامها يتجاوز فكرة العثور على مائدة عشاء في غياب الملك، فمثل هذه الخطوات تحمل وزناً أكبر مما يبدو، ولا بأس أن يجتمع الرجال معاً، بل من الجيد أن يفعلوا ذلك، لكن لم يعد هناك مبرر لفكرة "الهرب من الزوجة" التي نشأت عليها مثل هذه الأندية.
لم يعد الزواج القائم على المصالح موجوداً إلا لدى فئة محدودة من الأثرياء، فلقد نشأنا في بيئة تجري فيها معاملة النساء والرجال على قدم المساواة، وقطعنا شوطاً طويلاً منذ ذلك الحين، ومع ذلك، وعلى رغم كل النيات الحسنة، لا يزال الرجال يتفوقون بفارق كبير، ويكفي النظر إلى عدد الرؤساء التنفيذيين في شركات المدرجة في مؤشر "فتسي" الذين يحملون أسماء مثل أندرو أو جون، مقارنة بنظيراتهم من النساء، فالأندية مثل "غاريك" ليست مجرد أماكن اجتماعية، بل فضاءات يجري داخلها نسج العلاقات وإبرام الصفقات، ومن الطبيعي أن يكون للنساء، إن أردن، موطئ قدم فيها أيضاً، بخاصة أنه من الضروري طيّ أي تصور دوني عنهن نهائياً.
لكن عضوية الملكة تمثل مثالاً آخر على القوة الناعمة التي أحسنت توظيفها بفعالية كبيرة، ومنذ زمن طويل قبل انضمامها إلى أسرة ويندسور، فهي عنصر حيوي في صنع التحول الاجتماعي وفي الدبلوماسية الواسعة، ولقد اضطرت زوجات الملوك، مستخدمين هذا الوصف الجماعي المقيت، تقليدياً إلى ممارسة القوة الناعمة بأساليب غير مباشرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن اللافت ما يمكن تحقيقه حين تمتلكين إطلالة أنيقة ومصفف شعر بارعاً وابتسامة آسرة، إذ يمكنك إرضاء قرّاء صفحات المشاهير بصورة واحدة، ونقل رسالة مهمة في الوقت نفسه.
أما كاميلا، التي نشأت في أوساط صاخبة سريعة الإيقاع المجبولة بالشراب والتدخين، فقد راكمت تجربة حياتية ثرية ونجحت في توظيف هذا الرصيد في دعم قضايا خيرية ترتبط بها شخصياً، إذ فقدت والدتها وجدتها بسبب هشاشة العظام، مما دفعها إلى العمل بلا كلل منذ تسعينيات القرن الماضي على تعزيز الوعي بهذا المرض، عبر مبادرات عدة شملت مشاركات إعلامية، مثل ظهورها في برنامج "ذي آرتشر" The Archers وتعاونها مع برامج جماهيرية مثل "الرقص مع النجوم" Strictly Come Dancing.
لكن بثقة راسخة وإحساس ثابت بالذات، نابعين ربما من أنها لم تنشأ منذ الصغر داخل بيئة ملكية مغلقة، واصلت كاميلا بثبات دعم قضايا قد يتجنبها بعض المولودين في كنف الملكية لصعوبتها الشديدة، باستثناء الأميرة آن التي لا مثيل لها.
من مناشدتها الواضحة للرجال البريطانيين اتخاذ موقف بعد مقتل سارة إيفرارد إلى كشفها العلني عن تعرضها لاعتداء جنسي في برنامج "توداي" على إذاعة "راديو 4" العام الماضي، تثبت أن تسليط الضوء هو أفضل وسيلة لكسر الوصمة، تماماً كما فعل هاري وويليام في ملف الصحة النفسية، وقد كانت سباقة عام 2013 حين جمعت كير ستارمر، مدير الادعاء العام آنذاك، ووزيرة الداخلية تيريزا ماي، مع ضحايا الاغتصاب في أول اجتماع رفيع المستوى يُخصص بالكامل لمناقشة الاغتصاب والاعتداء الجنسي.
وبأسلوب يجمع بين الرقة والحزم الذي لا يلين، توضح كاميلا أن العادة البريطانية المتمثلة في إخفاء القضايا الحساسة تحت البساط واعتبار بعض السلوكيات مرتبطة بفئة أو جيل أو تربية معينة لم تعد مقبولة، وفي سن الـ 78، ولكونها أرستقراطية بالميلاد وملكة بالزواج، تمثّل الملكة جوهر المؤسسة التقليدية مما يمنح دعمها المطلق للفنون ومحو الأمية وإنهاء العنف ضد النساء والفتيات معنى بالغ العمق، وقد تكون عضويتها في "نادي غاريك" رمزية قبل أي شيء آخر، ربما لأنها ستكون مشغولة بما يكفي عن حضوره، لذا كان من الحكمة البليغة أن تدعو دار "كلارنس هاوس" للنشر المؤلفين الناجحين للغاية، جيفري آرتشر وريتشارد أوزمان وروبرت هاريس ولي تشايلد وجوجو مويس، لحضور الحفل الافتتاحي لميدالية قاعة القراءة الملكية يوم الأربعاء (24 مارس الجاري)، في تذكير بأن الكتّاب يساهمون بملايين الجنيهات في الاقتصاد البريطاني، وهو ما يعد إشارة إلى أصحاب العقلية التجارية، وفي الوقت نفسه تجري مكافأة العاملين على المستوى الشعبي.
القوة الناعمة التي توافرها الفنون لبريطانيا أمر حيوي، ولحسن الحظ أن الحكومة، في ظل تقليصات كثيرة، ستزيد تمويل الخدمة العالمية لـ "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي) بمقدار 11 مليون جنيه إسترليني سنوياً خلال الأعوام الثلاثة المقبلة.
يعد محو الأمية أساساً لبناء الاستقلال والفهم الاجتماعي ومواجهة التضليل وتنمية التعاطف، ودعم كاميلا لهذا المجال وتشجيعها القراءة من أجل المتعة وليس للأغراض التعليمية فقط تحرك مثالي، فلقد جعلت الملكة الراحلة إليزابيث الثانية من الصمت المدروس فضيلة طوال حكمها المديد، ويجب على تشارلز الآن أن يتبنى هذا النهج الهادئ والحازم، لكن كاميلا تستطيع بهدوء واستمرار إحداث تغيير ملموس في المجتمع من خلال تعديل المواقف الاجتماعية، سواء بصفتها ملكته أو ملكة للشعب.
© The Independent