Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تثير صلاة المسلمين قلق بعض السياسيين في بريطانيا؟

لطالما كانت الصلاة في الأماكن العامة جزءاً من الحياة المدنية في بريطانيا، لذا لا بد أن نسأل: لماذا لا تُعد مثاراً للجدل إلا حين يؤديها المسلمون؟

" تكمن قوة المجتمع البريطاني ليس في صفاء المجتمع، بل في قدرته على التوفيق بين الأصوات المتنوعة والمعتقدات والتقاليد من دون خوف ومن دون محاباة" (أكاسيا ديانا/ مشروع خيمة رمضان)

ملخص

تصوير صلاة المسلمين في الفضاء العام بوصفها تهديداً أو "فعل هيمنة" لا يعكس حقيقة العبادة بقدر ما يكشف استمرار الشك في انتماء المسلمين وحقهم الكامل في الوجود العلني داخل الحياة العامة البريطانية. والدفاع عن حرية الصلاة لا يخص المسلمين وحدهم، بل يتعلق بحماية التعددية نفسها، وصون مبدأ المساواة في تطبيق الحريات الدينية والمدنية، ومنع تحويل الاختلاف الديني إلى ذريعة للإقصاء والشيطنة.

أثارت تصريحات النائب في حزب المحافظين البريطاني نيك تيموثي الأخيرة، التي وصف فيها صلاة المسلمين في ميدان ترافالغار بأنها "فعل هيمنة"، انتقادات واسعة ومبررة. فعندما يلمّح أشخاص في مواقع بارزة إلى أن عبادة المسلمين في الأماكن العامة تتعارض، بطريقة ما، مع القيم الوطنية، فإنهم يرسلون رسالة مؤذية توحي بأن المسلمين البريطانيين أقل حقاً من غيرهم في أن يكون لهم حضور ظاهر في الحياة العامة.

ومثل هذه الادعاءات، التي تُقدَّم كثيراً بوصفها تعبيراً عن "قلق عام"، تعيد إنتاج نمط مألوف من الشك الموجه إلى المسلمين خلال السنوات الأخيرة. أما تأييد كيمي بادينوك لهذه المشاعر الانقسامية، إلى جانب الخطاب السام لنايجل فاراج، الذي لمح إلى فرض قيود على كل أشكال الصلاة الجماعية في الأماكن العامة، فيشكل لحظة مقلقة. فهو يثير أسئلة جدية حول ما إذا كانت الحريات الأساسية، من حرية الدين والتعبير إلى حرية التجمع، تُطبق على نحو غير متكافئ.

وفي وقت يحتفل فيه ملايين البريطانيين بعيد الفطر هذا الأسبوع، برز غياب الرسائل الجامعة من بعض قيادات حزب المحافظين. فعندما تُفوَّت مثل هذه اللحظات الوطنية، التي كان يمكن أن تكون مناسبة للتضامن والاعتراف بغنى تنوعنا، فإن ذلك يعزز الانطباع بأن انتماء المسلمين إلى هذا البلد لا يزال انتماء مشروطاً.

عندما يجتمع المسلمون للصلاة، سواء في مسجد أو حديقة أو ساحة عامة، فهم لا يفرضون هيمنة ولا يطرحون مطالب سياسية. فالأذان، أي النداء إلى الصلاة، ليس إعلان قوة، بل دعوة إلى الصلاة موجهة إلى المسلمين، من دون أن تُكره أحداً. والقرآن واضح في ذلك": لا إكراه في الدين" (البقرة: 256). ويؤدي المسلمون صلاة يومية عند وقت الإفطار حيثما كانوا. ولو كانوا في منازلهم أو في المساجد لأدوها هناك. فالصلاة، في جوهرها، فعل تعبّد وخشوع، لا فعل تفوق أو استعلاء.

ولا ينبغي أن يُعاد تصوير تجمع قانوني ومنظم، يُحيي مناسبة دينية مهمة بصورة سلمية، ويحضره أناس من خلفيات متعددة، على أنه أمر مثير للجدل. إن استبعاد المسلمين على نحو انتقائي لن يعزز التماسك الاجتماعي، ولن يواجه الإسلاموية، التي لا أزال أتصدى لها، بل سيضفي شرعية على الفكرة الخطيرة القائلة إن المسلمين لا يستطيعون ممارسة دينهم ممارسة كاملة في وطنهم.

ولا تقل عن ذلك ضلالاً الادعاءات التي تزعم أن صلاة المسلمين تقوض الإرث المسيحي لبريطانيا. فقد رفض كثير من القيادات المسيحية هذا الطرح بوضوح، ولفتوا بدلاً من ذلك إلى القيم الجوهرية في تقاليدهم. وعلى امتداد عقود من العمل المشترك بين أتباع الأديان في أنحاء بريطانيا، ثبت أن الاحترام المتبادل بين الأديان يعزز النسيج الأخلاقي للمجتمع ويصون الكرامة الإنسانية.

لقد فتحت الكنائس والمساجد والمعابد اليهودية والهندوسية والسيخية أبوابها لبعضها بعضاً في لحظات تضامن، وصلاة، وتأمل مشترك. ولم تُفهم هذه المبادرات على أنها تمييع للعقيدة، بل على أنها تأكيد لالتزام أعمق بالتعايش. والإسلام بدوره ينطق بهذه الروح؛ فالقرآن يصف المسيحيين بأنهم من "أقربهم مودة" إلى المسلمين (المائدة: 82)، بما يؤكد وجود أرضية أخلاقية مشتركة وقيم جامعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والمفارقة أن ميدان ترافالغار كان، منذ زمن طويل، فضاء للتعبير الجماعي، الديني وغير الديني على السواء. فقد أحيا فيه المسيحيون واليهود والسيخ والهندوس مناسبات وأعياداً دينية مهمة. ومن ثم، فإن مشاركة المسلمين في هذه الحياة المدنية المشتركة ليست استثناء، بل هي جزء من التقليد نفسه القائم على التعبير الديمقراطي المفتوح.

فما الذي يجعل صلاة المسلمين مثاراً للجدل إذاً؟ ليس الفعل نفسه، بل هوية من يؤدونه. ولهذا تحديداً يجب التصدي لهذا الخطاب المعادي للمسلمين؛ لا من أجل إسكات النقاش، بل من أجل ضمان بقائه قائماً على الإنصاف. فالمجتمع الملتزم بالتماسك لا بد أن يدرك متى تُخضع جماعة بعينها لقدر غير متناسب من الشك والشيطنة.

ويُعد تبني الحكومة تعريفاً للعداء تجاه المسلمين اعترافاً مرحباً به بوجود ظاهرة حقيقية ومستمرة من الكراهية الموجهة إليهم. وعلى رغم أن صياغته قد لا تكون حظيت بقبول كامل من الجميع، فإنه يوفّر إرشاداً للمؤسسات في مواجهة المستويات المقلقة من المشاعر المعادية للمسلمين. غير أن قيمته ستبقى رهناً بكيفية تطبيقه. وينبغي أن يدفع الشخصيات العامة والمؤسسات إلى التفكير في أثر كلماتها وأفعالها. فهذا التعريف لا يحصّن الأفكار من النقد، ولا يمرر "قوانين تجديف" خِفيةً، كما يزعم البعض. بل يضع تمييزاً ضرورياً بين نقد الدين واستهداف الناس بسبب دينهم.

في هذه المرحلة، يجب حماية التعددية بصورة فاعلة من التآكل. فعندما يبدأ الخطاب العام في تصوير التعبير الديني السلمي لجماعة بعينها بوصفه موضع ريبة، فإن الضرر لا يقتصر على تلك الجماعة، بل يتجاوزها بكثير. فالديمقراطية الواثقة لا تخشى المظاهر العلنية للإيمان، بل تستوعبها. ومصدر قوة المجتمع البريطاني لا يكمن في التجانس، بل في قدرته على أن يجمع بين أصوات ومعتقدات وتقاليد متنوعة، من دون خشية أو محاباة لأحد.

 

الدكتور قاري عاصم هو إمام مسجد مكة في مدينة ليدز، ومستشار مستقل سابق للحكومة البريطانية في شأن تعريف الإسلاموفوبيا، وعضو مجلس أمناء المنتدى المسيحي الإسلامي.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء