ملخص
أثارت هذه التعديلات موجة احتجاجات واسعة، لم تقتصر على الفضاء الرقمي بل امتدت لتصريحات رسمية وحقوقية، وانطلقت حملة على وسائل التواصل الاجتماعي اتهم فيها الناشطون الموسوعة بالمشاركة في إبادة رقمية ومحاولة محو الوجود الفلسطيني من الذاكرة العالمية، ودعوا لمقاطعة التبرع للمؤسسة احتجاجاً على ما اعتبروه تواطؤاً وانحيازاً للرواية الإسرائيلية في توثيق الصراع.
عندما عدلت الموسوعة الحرة "ويكيبيديا" في نسختها الإنجليزية وصف مدن وبلدات قطاع غزة مستخدمة صيغة الماضي في تعريفها وربطها بالقضية الفلسطينية، أثارت جدلاً واسعاً، إذ اعتبر محتجون أن في ذلك تماهياً مع الرواية الإسرائيلية، لكن سرعان ما تنصلت تل أبيب من المصطلحات الجديدة بدل تبني الفكرة. فما القصة؟
فجأة ظهرت صفحات لمدن وبلدات قطاع غزة في "ويكيبيديا" النسخة الإنجليزية بصيغة الماضي، إذ عمل كبار محرري الموسوعة على تغيير زمن الأفعال من المضارع الذي يفيد الاستمرار والوجود، إلى استخدام الفعل الماضي في الجمل الافتتاحية للمقالات التي تخص الأحياء والمناطق الغزية.
في العادة تتبع "ويكيبيديا" نمطاً موحداً في صفحات المدن، يبدأ بالتسمية ويشمل أصل اسم المدينة ومعناه التاريخي، ثم التاريخ، وخلاله يتطرق المحرر لتطور المدينة عبر العصور وأبرز الأحداث السياسية والعسكرية التي مرت بها، وبعد ذلك الجغرافيا والمناخ، ويتضمن موقعها الطبيعي وتضاريسها ودرجات الحرارة وهطول الأمطار.
تعديلات على المدن
وتمثلت التعديلات التي أدخلتها "ويكيبيديا" على صفحات مدن القطاع بأنها وصفت المناطق بصيغة الماضي، إذ ظهرت صفحات لمدن وبلدات مثل رفح وأم النصر، وكأنها لم تعد موجودة أو كانت قائمة في الماضي، مما أثار انتقادات حول تزييف الواقع والإيحاء باندثار هذه المناطق.
التغييرات الأساسية التي أثارت الجدل في النسخة الإنجليزية من "ويكيبيديا" كانت في وصف مدينة رفح، فقبل التعديل كانت (رفح هي مدينة فلسطينية)، وبعد التعديل (رفح كانت مدينة فلسطينية)، ولم يقتصر الأمر على هذه المنطقة، بل شمل أماكن كبيرة ورئيسة في القطاع.
غيرت "ويكيبيديا" وصف بلدة بيت حانون إلى (كانت مدينة في شمال شرقي قطاع غزة)، وقرية أم النصر عدلتها لتصبح (أم النصر كانت قرية فلسطينية)، والقرية السويدية وهي منطقة ساحلية في أقصى جنوب القطاع شملها التعديل ذاته. وطاولت التعديلات مواقع أخرى أبرزها مخيم جباليا ومخيم الشاطئ، إذ ظهرت جمل تشير إليها بصيغة (كانت مخيمات لاجئين).
في الجمل الاستهلالية لمقالات "ويكيبيديا" طاولت التعديلات أحياء دمرت أجزاء واسعة منها خلال الحرب، إذ تم تغيير التوصيف القانوني والجغرافي لها من أحياء قائمة إلى أحياء سابقة وأبرزها التجمعات البدوية مثل قرية المصدر ووادي السلقا، والتي نظر إليها في التعديلات كأنها معالم تاريخية وليست مناطق مأهولة حالياً، وأيضاً المناطق الزراعية خزاعة وعبسان تم تصنيفها بصيغة الماضي بناء على تقارير الدمار الميداني.
احتجاج سياسي وحقوقي
أثارت هذه التعديلات موجة احتجاجات واسعة، لم تقتصر على الفضاء الرقمي بل امتدت لتصريحات رسمية وحقوقية، وانطلقت حملة على وسائل التواصل الاجتماعي اتهم فيها الناشطون الموسوعة بالمشاركة في إبادة رقمية ومحاولة محو الوجود الفلسطيني من الذاكرة العالمية، ودعوا لمقاطعة التبرع للمؤسسة احتجاجاً على ما اعتبروه تواطؤاً وانحيازاً للرواية الإسرائيلية في توثيق الصراع.
اعتبر المحتجون على تعديلات "ويكيبيديا" أن استخدام صيغة الماضي ليس مجرد خطأ لغوي، بل أداة سياسية خطرة تخدم أهدافاً محددة. يقول الناشط الرقمي مهند الأستاذ "وصف المدن بالماضي يعطي انطباعاً بأن هذه المناطق انتهت ولم تعد موجودة، مما يمهد الطريق لتقبل فكرة عدم عودة السكان إليها وتحويلها إلى مناطق عسكرية إسرائيلية أو استيطانية دائماً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف "تخفي (ويكيبيديا) الهوية الفلسطينية رقمياً بالتوازي مع تدميرها مادياً على الأرض، إن هذا التعديل يشرعن المحو الجغرافي ويمهد الطريق لتغيير الوضع القانوني بحيث تصبح بعد ذلك مدناً إسرائيلية".
ويشرح أن "المدن الفلسطينية معترف بها دولياً ككيانات قائمة تحت الاحتلال، وتحويلها إلى مدن سابقة في كبرى الموسوعات قد يضعف الموقف القانوني الفلسطيني في المحافل الدولية والمطالبات بإعادة الإعمار وحق العودة، كذلك فإن استخدام صيغة الماضي يوحي المطلع بأن الصراع في تلك المناطق قد حسم، وأن وجودها أصبح جزءاً من التاريخ".
ويؤكد أن تغيير زمن الفعل من "هي مدينة" (مضارع يدل على الوجود) إلى "كانت مدينة" (ماض يفيد الانتهاء) لم يكن مجرد تصحيح لغوي لوصف مبانٍ دمرت، بل اعتبر خطوة تخدم أهدافاً سياسية أبعد من مجرد الكتابة، وفيها انحياز لرواية إسرائيل عن طريق تبني الموسوعة نتائج القوة العسكرية كحقائق مطلقة، وتجاهل أن المدينة تظل قائمة بشعبها وشرعيتها حتى لو دمرت مبانيها.
ويشير الباحث الرقمي إلى أن "التعديلات تسهل تقبل فكرة اختفاء مدن نهائياً، مما يقتل المدينة لغوياً بعد أن قتلت عمرانياً، وهذا تطبيق عملي للإبادة الرقمية".
لماذا فعلتها "ويكيبيديا"؟
وسط هذا الجدل، يبرز تساؤل مهم: لماذا قامت موسوعة "ويكيبيديا" بهذه التعديلات؟ وهل هناك حملة إسرائيلية خلف ذلك لخدمة رواية تل أبيب؟ وبالبحث عن الإجابة تبين أن مؤسسة "ويكيميديا" (الجهة المسؤولة عن الموسوعة) لم تتبن رسمياً هذه التعديلات، بل جاء التغيير من المحررين المتطوعين نتيجة نظام التحرير المفتوح.
يقول المحرر في "ويكيبيديا" Iskandar323 "قمنا بهذه الخطوات لأننا نتبع سياسة التوصيف الدقيق للواقع، هناك مساحات شاسعة من هذه المدن مثل بيت حانون ورفح قد دمرت بالكامل ولم تعد صالحة للسكن أو قائمة بمعالمها القديمة، فاستخدمنا صيغة الماضي لوصف وضعها الميداني الحالي".
تعتمد "ويكيبيديا" في تحرير مقالاتها على محررين متطوعين، والغالبية العظمى منهم يعملون بأسماء مستعارة، وأثناء تتبع التعديلات تبين أن كثيراً من محاولات تغيير صيغة الأفعال إلى الماضي تمت من خلال عناوين (IP) غير مسجلة.
ويضيف Iskandar323 "في (ويكيبيديا) قاعدة تنص على أن المقالات المتعلقة بالنزاعات المسلحة هي مسودات حية، المبرر هنا هو أن التغيير لصيغة الماضي قد يكون موقتاً لوصف حال الشلل التام للحياة الحضرية، مع إمكانية العودة لصيغة الحاضر عند إعادة الإعمار".
يوضح المحرر أن التعديلات جاءت بناء على التحديث الفوري، وتم الاعتماد على تقارير منظمات دولية وحقوقية مثل "هيومن رايتس ووتش" وصور الأقمار الاصطناعية للأمم المتحدة، مما دفع لتصنيفها كمناطق سابقة بناءً على معيار الوجود الفيزيائي للمباني.
ويظهر محرر "ويكيبيديا" أن مدناً مثل بيت حانون ورفح وأحياء مثل الشجاعية قد دمرت بنسبة تتجاوز 80 في المئة، بالتالي لم تعد موجودة ككتلة عمرانية مأهولة، فاستخدموا صيغة الماضي لوصف الحال الإنشائية للمباني.
في تطبيع الإبادة
أثارت التعديلات مخاوف حقوقية. يقول مدير "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان"، رامي عبده "تغيير التوصيف القانوني والجغرافي للمدن خطوة خطرة، واستخدام صيغة الماضي هو مشاركة في تطبيع الإبادة، إن هذا التغيير اللغوي يمهد لشرعنة التهجير القسري، هناك انحياز بنيوي، وقصور في حماية الرواية الفلسطينية من التلاعب الممنهج، تدمير المباني لا يسقط صفة المدينة عن الحيز الجغرافي والسكان المهجرين، وتدمير الحجر لا يلغي الوجود القانوني للمدن".
من جانبه، يقول الباحث في الجغرافيا السياسية، سلمان أبو ستة إن "محو اسم المكان هو المرحلة الأخيرة من محو الشعب، إسرائيل تسعى لتحويل مدننا من حقائق جغرافية نابضة إلى مجرد ذكريات في أرشيفات الماضي، إن السيطرة على الأرض تبدأ بالسيطرة على تسميتها وتاريخها، تحويل المضارع إلى ماض هو نفي للحق في الوجود والعودة".
وجدت تعديلات "ويكيبيديا" رفضاً رسمياً فلسطينياً كذلك. يقول متحدث وزارة الخارجية أحمد الديك "مدن غزة هي حقائق جغرافية وسياسية ثابتة بموجب القانون الدولي والقرار الوطني الفلسطيني، ولا تلغي وجودها آلات الدمار، وأية محاولات لتغيير وصفها رقمياً هي إسهام في جريمة التطهير العرقي التي تمارسها إسرائيل على الأرض، ومحاولة لشطب الوجود الفلسطيني من الخريطة والوعي الدوليين".
حركة "حماس" اعتبرت هذه التعديلات جزءاً من حرب الرواية التي تستهدف الوجود الفلسطيني. يقول عضو المكتب السياسي عزت الرشق "هذه محاولة مكشوفة لتزييف الواقع وتمرير مخططات إسرائيل الرامية لمحو المدن والقرى الفلسطينية من الخريطة، التعديلات اللغوية مرتبطة بالضغوط الميدانية للتهجير القسري، وهذا تمهيد لفرض واقع سياسي جديد على الأرض".
ويضيف الرشق "ما يجري تزييف مفضوح للواقع وحرب رواية تهدف لإيهام الرأي العام العالمي بأن هذه المدن أصبحت جزءاً من التاريخ لتسهيل مخططات شطبها من الخريطة، إن مدن غزة وقراها ومخيماتها ضاربة في عمق التاريخ، ولا يمكن لمحرر في موسوعة إلكترونية أن يشطب وجودها بكلمة".
هل إسرائيل وراء التعديل؟
ما دفع الحقوقيين والفلسطينيين لهذا الاعتقاد أن بيئة العمل في "ويكيبيديا" مشحونة، وهناك جهات مؤيدة لإسرائيل تهدف للتأثير على المحتوى، إذ سبقت ذلك حملات تحرير منظمة، وكشفت تقارير صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن وجود متطوعين لمراقبة وتعديل مقالات "ويكيبيديا" المتعلقة بالصراع، لضمان توافقها مع السردية الإسرائيلية.
وأيضاً أطلق مجلس المستوطنات الإسرائيلي مشروع "ويكيبيديا" الإسرائيلي، وأقام دورات تدريبية لتعليم الإسرائيليين كيفية التحرير بـ"روح صهيونية"، وهو ما يخلق كتلة من المحررين الذين يميلون لوصف المناطق الفلسطينية كمناطق متنازع عليها أو سابقة بدلاً من محتلة.
وسط هذا الجدل والاحتجاج والحديث عن أن التعديلات تخدم أو تتسق مع الرواية الإسرائيلية، لم تتبن تل أبيب الفكرة وبالأساس لم تعجبها، وركزت على دحض الروايات التي اعتبرتها معادية. يقول وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر "تقارير الدمار التي استند إليها بعض المحررين في (ويكيبيديا) لتغيير الصيغة إلى الماضي هي نتاج لواقع ميداني خلقته الحرب من أجل القضاء على التهديدات الأمنية وتدمير بنية (حماس) التحتية. إن استخدام مصطلحات مثل (الإبادة) يعد ترويجاً لأخبار زائفة".
في الواقع، لا تنظر إسرائيل إلى هذه التعديلات كمحو ثقافي كما يراها الجانب الفلسطيني، بل تعتبرها توثيقاً لاستمرار العمليات العسكرية التي تستهدف تقويض مقومات الحياة في تلك المدن. ويضيف ساعر "ترفض إسرائيل استخدام مصطلح مدن فلسطينية مدمرة، وإنما يجب وصفها بمعاقل إرهاب تم تفكيكها".
لكن لماذا تجنبت إسرائيل تبني التعديلات على رغم أنها تخدم الرواية العسكرية. يقول الباحث في الجغرافيا السياسية خميس أبو طويلة، إن "استخدام صيغة الماضي في موسوعة عالمية يعد دليلاً قانونياً قوياً أمام محكمة العدل الدولية على تهمة الإبادة الجماعية، وإسرائيل تحاول الدفاع عن نفسها بأنها تدمر أهدافاً عسكرية وليس وجوداً مدنياً، ووصف المدن بأنها بادت أو انتهت يدعم تهمة المحو المنهجي للهوية والجغرافيا الفلسطينية".
ويضيف "إذا اعترف العالم بأن المدينة انتهت، فإن المسؤولية القانونية تقع على عاتق إسرائيل كقوة احتلال وفقاً للقانون الدولي، بالتالي تصبح تل أبيب مسؤولة قانوناً عن توفير البديل أو إعادة الإعمار أو مواجهة تبعات المحو الجغرافي".
ويوضح أبو طويلة أن إسرائيل ترى القول إن "المدينة كانت" قد يوحي بأن المهمة انتهت، بينما تصر الحكومة على أن الحرب مستمرة، وأن الواقع في غزة لا يزال قيد التشكيل، إذ الاعتراف بانتهاء وجود المدن قد يضغط على إسرائيل لتقديم خطة اليوم التالي، وهو ما يتهرب منه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
حاولت مؤسسة "ويكيميديا" النأي بنفسها عن هذا الجدل، وأكدت استقلالية المحررين، وأنها لا تتدخل في المحتوى، ولا تملك رئيس تحرير يقرر الصيغ اللغوية، بل إن القرارات تتخذ عبر توافق آراء المتطوعين حول العالم، وتتبع سياسة الحياد في التعامل مع الصراعات السياسية والعسكرية.