ملخص
"اللاروب" رواية جديدة للكاتب المغربي حسن أوريد صدرت حديثاً عن دار نوفل، والرواية تجمع بين البعد السياسي والرؤية الواقعية والتاريخية، بغية سرد مسيرة مجتمع وأفراد.
يقول الكاتب الفرنسي ماتياس إينارد "إن الرواية سياسية بحد ذاتها، من اللحظة التي تحل في المدينة"، وفي المقام نفسه تقول الكاتبة آني إيرنو، "إن الأهمية التي أعلقها على الكتابة (الروائية)، توازي بمقدارها شعوري بمسؤوليتي الخاصة حيال ما يجري هنا والآن". لا أحسب الكاتب حسن أوريد يحيد عن هذين المفهومين، في جعل الأدب (الروائي) سياسياً، بمعنى أن يحمل تصوراً للعالم، أو آراء تتقدم على الواقع الموصوف، أو في جعله يفضح الواقع، إذ يصف بعض مظاهره النافرة وصفاً دقيقاً، أو يسقط على هذا الواقع الموصوف رؤيته الخاصة، ومن زاوية فكرية معينة، تخالف التصورات السياسية القائمة في ذاك الواقع الموصوف.
ومع ذلك، هل يعني هذا البعد السياسي للرواية، انتفاء الأبعاد الفنية التي يقوم عليها فن الرواية؟ بالطبع لا حاسمة وكبيرة. ذلك أن الرواية بنيان فني قبل أن يكون سرداً، ووصفاً، وحواراً، وآراء سياسية، ولغة أدبية متينة، ونمذجة للشخصيات، كما هي الحال في رواية "اللاروب" موضوع كلامنا.
الكباريه وزمن الاستقلال
بضربة سرد سريعة، يحدد الكاتب الإطار المكاني الضيق الذي ستتمحور حوله أحداث الرواية كلها، بل هو المسرح المكاني الذي ستجتمع على حلبته ثماني شخصيات، هي: علالو، وعلام، وحمري عنيبة، وكنفاوي، ومعاطي، وسكات، والفقيه، وعمر بن جلون، وبنيس الواشي، المكلف من السلطة بنقل أخبار كل من هذه الشخصيات، وتبين دورها في مناصرة سلطة الاحتلال الفرنسي، أو معارضتها. ولا يخفى أن إطار الرواية الزمني، يمتد من عام 1946، إلى عام 1975، الذي يسجل فيه مقتل عمر بن جلون الشيوعي والمؤمن بالحوار الديمقراطي، بيد أن متن الرواية لا يلبث أن يكشف عن تصرف الراوي بالأزمنة، ومطها إلى عام 2018، والعودة من عام 1948، تبعاً لحركة الشخصيات، ولرؤية الكاتب التي تفترض بقاء مسببات الانتكاسة الوطنية نفسها، منذ الاستقلال إلى العقد الثاني من القرن الـ21.
الحبكة الأولى
وفي ما يطلعنا الراوي العليم على شخصيات الكباريه سنترا، الكائن في الرباط، يفيدنا بحصول أمر معجب مع بنيس، المخبر لدى السلطات الفرنسية المستعمرة، إذ إنه يفاجأ بتحول زوجته المغربية، من أصول يهودية وتدعى سوليكا، من امرأة شابة وجميلة ومكتنزة، إلى امرأة عجوز و"كتلة مترهلة من اللحم والشحم" (ص:59-60)، وقد جعلت تلفظ الشين سين، وبالعكس دلالة على كهولتها، وعجزها عن التحكم بمخارج الكلام. ويتواصل الحوار الغرائبي بين بنيس غير مصدق بوجود امرأة عجوز تدعي كونها زوجة له، وباسم زوجته نفسه سوليكا، وبين الأخيرة التي تبدي انزعاجها من عدم تعرف زوجها بنيس عليها. وما أن ينفتح باب الغرابة، بهذا المشهد بين الشخصيتين المذكورتين، حتى تتعاقب المشاهد والفصول، إذ يتعرف القراء - على التوالي - على مهنة بنيس الأساسية وهي تدريس الأدب العربي في ثانوية مولاي يوسف، ثم تطلعهم المشاهد على شخصية "الفقيه" الذي راح يروي بعضاً من المعارك التي خاضها، إلى جانب الجيش الفرنسي، ضد الألمان، في الحرب العالمية الأولى. ولم يلبث أن أمرضه هذا الواقع المريب: رؤية امرأته سوليكا من غير زمنها الحقيقي، عجوزاً شمطاء بعد أن كانت لا تزال - لزمن غير بعيد خلا - شابة نضرة وجميلة، على كونها يهودية مغربية.
رواد سنترا
ولا يزال حتى يأتيه المهدي، وهو على فراش المرض، ليدلي برأيه في ما يجب أن يكون عليه الاستقلال (عن فرنسا)، "بالتربية... تربية عصرية، تعتمد على العقل... عندنا تاريخ عريق ألسي بنيس. ما تنساش... إحنا أحفاد ابن رشد وابن خلدون..." (ص:87).
وهو في هذه الحال من المرض والإبلال، انتابت بنيس الهواجس من أن تكون امرأته سوليكا هذه تقيم علاقة مع الموتشو، أي الفتى (المأخوذة من اللغة الإسبانية)، وراح يسائل نفسه عما إذا كان قد أصيب بالعنة وهو في عز شبابه. وبينما هو كذلك، بين شك ويقين، وقد صار في حانة سنترا، تتوارد في خاطره كثير من شعارات العرب، بمختلف اصطفافاتهم، وأحزابهم، من العهود القديمة، إلى زمن الاستقلال، حيث عناوين أحزاب اليسار (معشر الكادحين)، يتلوها مولى مليانة، والمجذوب يتلو حكم القدامى ("سوق الرمل لا تعليه، ولا تعمق في لساسه..")، فيرد عليه المغني السقاط وفرقته، بما تيسر من الأغاني الوطنية والحماسية التي شاعت في تلك المرحلة، من أربعينيات وخمسينيات القرن الـ20:"نروح يا بساط على بغداد، / بلاد خيرات، بلاد أمجاد / بلاد خيرات، بلاد أمجاد".
وفيما هم كذلك، يروح عنيبة، سكير الشلة، يردد مقطعاً من النشيد: "نحن هنا بالسيف نحمي أرضنا / وفي نهار الحيف نحمي عرضنا". وفي موازاة ذلك، يروق إيقاع الأغنية لمليكة، فتروح ترقص رقصاً شرقياً، وتتأود على إيقاع الأغنية بين الزبائن" (ص:94).
تداخل الأزمنة
على أن اللافت والمتواتر في مشاهدها الـ40، ولا سيما الجزء الأول من الرواية والمستغرق أكثر من 90 في المئة من متنها، هو ثيمة تداخل الأزمنة، بحيث يعصى على الشخصيات، وأولهم بنيس، مخبر السلطات، ضبط الشعارات، والأغاني، وذكرى الحوادث الجسيمة التي جرت في زمنه (الأربعينيات) وفي أزمنة لاحقة (الثمانينيات والتسعينيات، وصولاً إلى العقد الثاني من القرن الـ21)، من مثل معارك عبدالقادر الحسيني، والنكسة، ومعركة الكرامة، ومقاومة بيروت، وصولاً إلى أطفال الحجارة، وقصيدة الظل العالي (ص: 96). والشيق أن الكاتب يدع تعليل هذه الظاهرة أو الثيمة إلى شخصية الموتشو، وقد نفذ إلى ذهن معلمه بنيس، ومفاده بأن تداخل الأزمنة والأمكنة إنما يكونان حاصلين حين لا يعيش المجتمع عصره، أي يتخلف عن عصره. "حين يعيش مجتمع عصره، لا تحتاج شخصيات من الماضي إلى أن تسكن الحاضر. ولا يحتاج من هم في الحاضر إلى أن يستنجدوا بالماضي" (ص:108).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبناء عليه، تصير كل الأمثلة عن تداخل الأزمنة، في المشاهد الـ40، واستعراض خطب الأحزاب العربية الفاعلة إبان الاستقلال وبعده في بلدان المغرب والمشرق العربيين، وذلك من خلال الأناشيد التي راح يصدح بها رواد كباريه سنترا، المشار إليهم، مضافاً إليها تعليقات الراوي العليم، والشخصيات المعنية بهذه الخطب، على حد سواء، التي تنزل تهشيماً بخطابات الماركسيين والدعاة الإخوانيين، والاشتراكيين، وكل الطوباويين. "الويل للقتلة، تباً للفجرة... عليهم الخزي واللعنة. طفح الكيل... واماركساه، واإنجلزاه، والينيناه... يا موتورون تعالوا إلى كلمة سواء..." (ص:204).
وبين الجد والمزاح، في ليالي سنترا الملاح، يقتل عمر بن جلون الشيوعي المؤمن بالحوار الديمقراطي. ويموت المعطي المتدين من دون أن يكون ملتزماً، ويصيب التحول الشخصية الرئيسة بنيس أيضاً، إذ يصل إلى يقين بأن عمله الاستعلامي في سنترا لا يكاد يفضي إلى نتيجة يرجى منها، ما دام لا يسعه أن يسجل تحولات الشخصيات العميقة، وحوافزهم الجوهرية.
خلاصات وتحولات
لا تنتهي فصول الرواية، في الجزء الأول منها الذي يستغرق 281 صفحة، من أصل 315. وإنما ينشئ الكاتب جزأين؛ ثان وثالث، يكون الثاني بخمسة مشاهد، والثالث بمشهدين، في تدرج تنازلي واضح. وفيهما يصاب بنيس بجروح بليغة، بعد حادثة انفجار إطار لسيارة نقل خاصة، كانت تقله من مراكش إلى الدار البيضاء، والزمن الـ11 من أغسطس (آب) من عام 2018، بينما كان يقرأ رسالة من زوجته سوليكا تعلن له عزمها الذهاب إلى فلسطين حيث يلتم شمل عائلتها اليهودية. وإذ ينقل، في الدار البيضاء إلى مشفى ابن رشد، حيث يتعرف إلى امرأته سوليكا، وهي تمسح الدم عن جبينه، ويعاين رفيق ظله موتشو، اليهودي باسم أمين الكوهين الذي كان له الفضل في ترتيب عودة زوجته سوليكا إلى فلسطين. وعندئذ، يلفظ أنفاسه الأخيرة، وتسدل الستارة على مسيرة الشخصيات الرموز وتتلاشى وظائفهم المستعارة والأصيلة، على السواء.
للكاتب حسن أوريد عدد من الروايات أهمها: صبوة في خريف العمر، تلك الأحداث، الموتشو، يوميات مصطاف، الموريسكي، الأجمة، وسيرة حمار...