ملخص
أدى ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة النزاع إلى زيادة عوائد السندات، مما يقلل من جاذبية الذهب كأصل لا يدر عائداً، كذلك يشكل ارتفاع الدولار عامل ضغط إضافي على المستثمرين الذين يشترون الذهب بعملات أخرى.
بعد موجة بيع حادة تُعد الأكبر منذ أعوام، بدأت بوادر عودة تدريجية لما يوصف بـ"المشترين الانتهازيين" في سوق الذهب، في محاولة لاقتناص الفرص عند المستويات المتراجعة، وهو ما أسهم في الحفاظ على المسار الصعودي القياسي للمعدن النفيس الممتد منذ ثلاثة أعوام.
تراجعت أسعار الذهب بنسبة 15 في المئة خلال هذا الشهر، مما شكل اختباراً لثقة المستثمرين المتفائلين بالذهب، وأثار ذلك تساؤلات حول مكانة المعدن بوصفه ملاذاً آمناً، في ظل تهديد الحرب مع إيران بزعزعة الاقتصاد العالمي.
ما أسباب الانهيار الأخير في أسعار الذهب؟
جاء هذا الانهيار في ظل موجة بيع أوسع طالت الأسهم والسندات والعملات، مما دفع المستثمرين إلى بيع الذهب لتغطية خسائرهم في أماكن أخرى، ولجأت تركيا إلى تسييل جزء من احتياطاتها لدعم عملتها، وعلى رغم أن هذه المبيعات لم تكن العامل الوحيد في الضغط على الأسعار، فإن هناك مخاوف من أن يؤدي تصاعد الحرب إلى لجوء عدد أكبر من البنوك المركزية إلى البيع.
هل اقترب الذهب من دخول سوق هابطة؟
انخفضت أسعار الذهب بنسبة 19 في المئة من ذروتها في يناير (كانون الثاني) الماضي حتى نهاية تداولات الأسبوع الماضي، مقتربة من مستوى 20 في المئة الذي يُعد تقليدياً بداية سوق هابطة. لكن الجمعة الماضي شهد عودة المستثمرين، لترتفع الأسعار بنحو ثلاثة في المئة، مع تأكيد بعض مديري الأموال والبنوك أن العوامل الأساسية، مثل تضخم الديون الحكومية وتدهور المشهد الجيوسياسي، لا تزال قائمة.
قال المحلل في "فيدليتي إنترناشونال"، جورج إفستاثوبولوس، إن هذا التصحيح يمثل "فرصة شراء" بمجرد تراجع التوترات في الشرق الأوسط، مضيفاً أن "أخطار التضخم والضغوط المالية وتراجع مصداقية السندات لا تزال عوامل هيكلية داعمة للذهب".
ما الذي قاد موجة الصعود القوية منذ 2023؟
كان صعود الذهب بنحو 150 في المئة منذ بداية عام 2023 مدفوعاً بالبنوك المركزية، التي زادت مشترياتها بعد تجميد احتياطات روسيا من العملات الأجنبية، وهو ما سلط الضوء على أخطار الاعتماد المفرط على الدولار، ثم تبعتها صناديق التحوط، ولاحقاً موجة من المستثمرين الأفراد.
وقال الاستراتيجي السابق في أسواق العملات لدى "بريفان هوارد" و"غولدمان ساكس"، والباحث في معهد "بروكينغز"، روبن بروكس، إن "الضجة الكبيرة التي شهدتها السوق خلال الأشهر الستة الماضية جذبت كثيراً من المستثمرين"، وهو ما مهد الطريق لموجة البيع الحالية.
أشار محللون إلى أن من العوامل الضاغطة أيضاً احتمال أن تؤدي الحرب مع إيران إلى بيع البنوك المركزية للذهب، أو على الأقل إبطاء وتيرة الشراء، فبعض الدول التي راكمت الذهب هي دول مستوردة للطاقة، مما يعني أن ارتفاع فاتورة النفط والغاز يقلص الفوائض التي يمكن توجيهها لشراء المعدن.
ما دور تركيا في الضغط على الأسعار؟
تركيا، من بين هذه الدول التي باعت وبدلت أكثر من 8 مليارات دولار من الذهب خلال أسبوعين بعد اندلاع الحرب، في محاولة لدعم الليرة. وغالباً ما تنفذ البنوك عمليات مبادلة الذهب مقابل العملات مع الاتفاق على إعادة شرائه لاحقاً، وهو ما شكل الجزء الأكبر من هذه العمليات.
يرى المتداول السابق في المعادن الثمينة لدى "جي بي مورغان"، روبرت غوتليب، أن عمليات مبادلة الذهب لا ينبغي أن يكون لها تأثير يُذكر على الأسعار، لأن البنك التجاري الذي يدخل في الصفقة لا يبيع عادة المعدن الذي يحتفظ به كضمان.
ماذا عن المبيعات المباشرة للذهب؟
تركيا باعت أيضاً جزءاً من الذهب بشكل مباشر، وهو ما قد يكون له تأثير أكبر على الأسعار إذا جرى على نطاق واسع، إضافة إلى تأثيره السلبي على معنويات السوق، نظراً لأن البنوك المركزية كانت الداعم الرئيس للطلب خلال السوق الصاعدة.
في الوقت الحالي، يُرجح أن يتمثل الاتجاه العام في تباطؤ وتيرة تراكم الذهب لدى البنوك المركزية، بدلاً من التحول الكامل إلى البيع، بحسب استراتيجي السلع في "تي دي سيكيوريتيز" دانيال غالي.
كيف تؤثر أسعار الطاقة والدولار على الذهب؟
أدى ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة النزاع إلى زيادة عوائد السندات، مما يقلل من جاذبية الذهب كأصل لا يدر عائداً، كذلك يشكل ارتفاع الدولار عامل ضغط إضافي على المستثمرين الذين يشترون الذهب بعملات أخرى.
جاءت معظم عمليات البيع عبر الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب، والتي شهدت تدفقات إيجابية خلال 13 شهراً من أصل 14 شهراً الماضية، مما عزز صعود الذهب بنسبة 70 في المئة خلال تلك الفترة، إلا أن هذه الصناديق تتجه هذا الشهر نحو تسجيل أكبر تدفقات خارجة منذ عام 2022، مما محا جميع المكاسب المسجلة منذ بداية العام. ويُعرف عن مستثمري هذه الصناديق حساسيتهم الكبيرة لتغيرات أسعار الفائدة.
هل انضمت صناديق التحوط إلى موجة التخارج؟
انضمت صناديق التحوط إلى موجة البيع الأسبوع الماضي، إذ خفضت انكشافها على الذهب إلى أدنى مستوى منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بحسب أحدث البيانات، ومع ذلك، يرى بعض المستثمرين أن معظم خسائر الذهب حدثت.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال مدير استراتيجية الاستثمار في الصناديق لدى "أبردين للاستثمارات" روبرت مينتر، إن "تراجعات أسواق الأسهم تؤدي دائماً إلى انخفاض طفيف في أسعار الذهب في البداية، إذ يُستخدم الذهب كضمان لتلبية طلبات الهامش، لكن هذا التراجع يكون محدوداً، قبل أن تستقر الأسعار وتعود للارتفاع".
قال الرئيس العالمي لأبحاث السلع في "سيتي غروب"، ماكس لايتون، إن البنك سيكون "متفائلاً بقوة" تجاه الذهب بمجرد خروج المستثمرين المضاربين من السوق، مؤكداً ثقته بأن الأسعار ستكون أعلى بعد عام من مستوياتها الحالية.
ما قصة "تآكل قيمة العملات" التي دعمت الذهب؟
كان من أبرز العوامل التي دعمت صعود الذهب خلال عام 2025 ما يُعرف بـ"تآكل قيمة العملات"، ووفقاً لهذه النظرية، فإن الدول ذات الديون المرتفعة مثل اليابان وفرنسا والولايات المتحدة خرجت من الجائحة من دون رغبة واضحة في ضبط أوضاعها المالية، مما يجعل التضخم وضعف العملات المسار الأقرب للاستدامة المالية، وهو ما يصب في مصلحة المعادن النفيسة.
قال بروكس، إنه أصبح "مقتنعاً على مضض" بهذه النظرية، مشيراً إلى العلاقة السابقة بين الذهب وعملات الملاذ الآمن مثل الفرنك السويسري دليل على صحتها.
كيف غيرت الحرب أولويات المستثمرين؟
مع تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتصعيد عسكري ضد إيران، وتباطؤ طهران في الرد على مقترحات السلام، تحول تركيز المستثمرين موقتاً من قضايا الديون والعجز إلى تطورات الحرب في الشرق الأوسط، وبرز الدولار بوصفه ملاذاً آمناً رئيساً، مرتفعاً مقابل سلة من العملات مع تصاعد النزاع.
قال كبير الاستراتيجيين في مجلس الذهب العالمي، جون ريد، إن "المستثمرين بدأوا في جني بعض الأرباح لأن السردية التي دعمت الذهب في 2025 تراجعت موقتاً"، مضيفاً أن "ذلك لا يعني اختفاء العوامل طويلة الأجل، بل فقط إنها لم تعد الأكثر إلحاحاً في الوقت الراهن".