ملخص
يكشف "مجهول يتحدى بوتين" كيف تتحول المدارس الروسية إلى أدوات دعاية تغسل وعي الأجيال، فيما يثير الفيلم جدلاً واسعاً بين الأوكرانيين والمعارضين الروس. وعلى رغم صورته القاتمة، يبرز العمل حقيقة أكثر إرباكاً: الاستبداد يتغذى على الامتثال اليومي وتفاهة الشر.
يكمن أحد معايير الحكم على قيمة فيلم وثائقي في طبيعة الهجوم الذي يتعرض له، ولماذا يثير قدراً كبيراً من العداء لدى نقاده. فيلم "مجهول يتحدى بوتين" Mr Nobody Against Putin، الفائز حديثاً بـ"جائزة الأوسكار" عن فئة أفضل فيلم وثائقي طويل، يقدم شهادة لافتة على الكيفية التي أعادت بها دعاية الحرب تشكيل ملامح مدرسة روسية في بلدة نائية، عبر كاميرا أحد معلميها داخل مكان عمله.
يرفض الكرملين العمل بسبب رسالته الصريحة المناهضة للنظام، إلى حد أن وكالة الأنباء الرسمية "ريا نوفوستي" تجاهلت فئة الأفلام الوثائقية بالكامل عند تغطية نتائج "الأوسكار". في المقابل، يكن له كثير من الأوكرانيين الكراهية لأنهم يرون أنه يضفي طابعاً إنسانياً على عامة الشعب الروسي، ويقدم سردية مضللة عن "روس طيبين" يقفون في وجه نظام بوتين.
وتكتب المترجمة الأدبية المقيمة في كييف، ياروسلافا ستريخا: "الناس العاديون الذين يقفون في وجه الديكتاتوريين هم الأوكرانيون الذين التحقوا بالقتال"، منتقدة تجاهل لجنة "الأوسكار" للفيلم الأوكراني "2000 متر إلى أندرييفكا" 2000 Meters to Andriivka لمخرجه مستيسلاف تشيرنوف، واصفة إياه بأنه "مذهل ومفجع"، في حين "يحظى هذا العمل الهزلي عن أشخاص يصفقون للفاشية ولا يفعلون شيئاً لوقفها بالتمجيد".
في المقابل، يرفض الفيلم بعض الروس المعارضين للكرملين الموجودين في المنفى، معتبرين أنه يقدم صورة مشوهة ومحملة بنظرة استشراقية عن الحياة في روسيا تحت حكم بوتين. ويذكر إيليا بير، مدقق الحقائق ومؤسس مشروع "وسائل إعلام موثقة" Verified.Media الذي غادر موسكو إلى إستونيا بعد غزو عام 2022: "يقول المخرج إن الفيلم عن الحب، حب الوطن والناس والمدينة... لكنني أرى أن بافل تالانكين صنع فيلماً عن حب الذات، عن شخص يرى نفسه مختلفاً عن الآخرين، وأكثر شجاعة وموهبة منهم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قضى تالانكين، بطل الفيلم، معظم حياته داخل جدران المدرسة رقم 1 في كاراباش، تلك البلدة الصناعية الصغيرة في منطقة الأورال الروسية. هناك، حيث كان طالباً في صغره، عاد ليعمل منسقاً للأنشطة في المدرسة الثانوية، موثقاً بكاميرته تفاصيل الحياة اليومية، الرسمية منها والعفوية، ومشرفاً على أنشطة الطلاب. لكن في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، تلقت المدرسة تعليمات بفرض منهج "وطني" جديد يهدف إلى تبرير الحرب وتعزيز الولاء للدولة.
تلتقط عدسة تالانكين مشاهد لطلاب يتنافسون في رمي القنابل، فضلاً عن حصص دراسية توصم فيها أصوات المعارضة بـ"الطفيليات" و"عملاء الخارج". ويجري استدعاء مقاتلين من مجموعة "فاغنر" إلى طوابير الصباح، لتعليم الأطفال كيفية التعرف إلى الألغام والتعامل مع فقدان الأطراف. في المقابل، يكافح المعلمون لحفظ نصوص دروس أسبوعية مفروضة بعنوان "حديث في القضايا المهمة"، تتناول ما يسمى "اجتثاث النازية من أوكرانيا" والحيطة والحذر من "الخونة".
ومن خلال منشور على الإنترنت يبحث عن مواد وثائقية، يتواصل تالانكين مع صانع أفلام غربي يعمل في برنامج "ستوريفيل" Storyville على شبكة "بي بي سي"، ليوافق على مواصلة التصوير، حتى مع التحاق طلابه السابقين بما تسميه موسكو "العملية العسكرية الخاصة"، وعودتهم لاحقاً محملين في توابيت. وتبلغ ذروة التأثير في الفيلم خلال جنازة أحد هؤلاء الطلبة، إذ يلتقط بكاميرته صرخات الأم الثكلى المدوّية وهي تنهار من شدة الفاجعة.
يقول الملياردير الروسي السابق ميخائيل خودوركوفسكي، السجين السياسي سابقاً والمقيم حالياً في لندن والذي ساهمت مؤسسته جزئياً في تمويل العمل: "إنه تحذير مما يحدث حين تعلّم المؤسسات الأطفال أن القتل أمر طبيعي، وحين يتحول الصمت والتكيف والرقابة الذاتية إلى سلوك يومي لا إلى خيارات".
كل هذا صحيح. فوثائقي "مجهول يتحدى بوتين" يقدم نظرة نادرة إلى تفاصيل الحياة الروسية في زمن الحرب، ويكشف أيضاً كيف يعيد الكرملين تشكيل وعي مجتمعه، ولا سيما الأجيال الصاعدة. لكن أبرز ما يؤخذ على الفيلم هو اعتماده على معالجات إخراجية مقصودة من صانعيه الغربيين، تسعى إلى إضفاء طابع قاتم على وقائع ليست في جوهرها على هذا القدر من التهديد.
فيبرز أستاذ مادة التاريخ ذو الوجه الجاد في المدرسة كمتعصب حقيقي لنظام بوتين الجديد، معلماً طلابه عن "خطة الغرب لغزو روسيا". وحين يُصور هذا المعلم وهو يلوح بجهاز الكشف المعدني فوق الطلبة الواقفين في طابور لدخول قاعة الاحتفالات، يُقدَّم المشهد كعلامة على حقبة سلطوية جديدة.
ويعلق الراوي: "منذ العام الماضي، لم تعُد هناك أية حرية هنا". لكن الحقيقة أن الطلاب كانوا متجهين لأداء امتحانات الشهادة الثانوية النهائية، وإخضاعهم للتفتيش بحثاً عن الأجهزة الإلكترونية المخفية إجراء روتيني في روسيا منذ عام 2014. وفي مشهد آخر، يظهر الفيلم طلاباً يرتدون قبعات "الرواد الصغار" على الطراز السوفياتي وهم يسيرون ويغنون بطريقة عسكرية، لكن ما قد لا يدركه المشاهد غير الروسي هو أن الأغنية التي يرددونها هي "نجمة تُدعى الشمس"A Star Called Sun، من أداء أسطورة الروك السوفياتي المعارض فيكتور تسوي، وهي أغنية احتجاجية سلمية تتناول حرب أفغانستان.
نحن نرى تالانكين وهو يخفي أقراص ذاكرة خلف ورق الجدران في شقته، كأنه يتوقع تفتيش السلطات لها، وتتحول فكرة "تهريب الأقراص" عند مغادرته روسيا إلى عنصر درامي في الحبكة. لكن في عصر الاعتماد على السحب الإلكترونية للتخزين، يبدو هذا التصوير غير منطقي (بخاصة أن قسم الصوت والصورة في المدرسة الممول من الدولة مجهز بأحدث المعدات، بما في ذلك كاميرتان احترافيتان وجهاز تثبيت الكاميرا).
ويجري تصوير سيارة شرطة متوقفة في فناء شقة تالانكين كإشارة إلى رقابة مفترضة عليه، على رغم أنه لا يوجد أي دليل على أن تالانكين واجه خطراً حقيقياً من السلطات، حتى مع تصريحه العلني بمعارضة الحرب.
وبصورة عامة، لا يبدو أن زملاءه يولون أي اهتمام لتصرفاته الاحتجاجية الصغيرة. فحتى عندما قام بتشغيل نسخة من النشيد الوطني الأميركي بصوت ليدي غاغا بدلاً من النشيد الروسي خلال أحد التجمعات المدرسية، اكتفت السلطات بهز الرؤوس بلا مبالاة. ويظل الشخص الذي يصور معظم اللقطات التي يظهر فيها تالانكين لغزاً قائماً، إذ يقضي البطل نحو نصف الفيلم أمام الكاميرا بدلاً من الوقوف خلفها.
وتستعرض غالبية لقطات الفيلم أنشطة مدرسية وحفلات طلابية وتوديع أحد طلاب تالانكين للالتحاق بالجيش، مما يوحي بأن مصور الفيلم (الموهوب جداً) كان على الأرجح طالباً في المدرسة نفسها أو خريجاً فيها. ونظراً إلى عدم ذكر اسمه في الشارة، من المنطقي افتراض أنه لا يزال في روسيا، وربما في كاراباش نفسها. ولو كانت حياته وحريته في خطر حقيقي كما يوحي الفيلم بأن تالانكين مهدد، لحرصت "بي بي سي" على إخراجه من البلاد بأمان. لكن الاستمرار في إبقاء هويته مجهولة يشير إلى أن المصور والمنتجين لم يروا أي تهديد حقيقي. وهذه الحقيقة تتناقض مع الصورة المبالغ فيها التي يقدمها الفيلم عن الرقابة الصارمة وتهريب المواد المصورة والسيطرة الشمولية.
ليست الصورة التي تظهر في النهاية لروسيا بوتين كديكتاتورية مرعبة، بل لأمر أكثر إرباكاً: شيء يشبه تفاهة الشر. وتكمن القيمة الحقيقية للفيلم في تصوير كيف أن الأشخاص العاديين الذين لا يهتمون كثيراً بالحرب أو الوطنية أو السياسة، يقدمون يومياً تنازلات صغيرة. الامتثال والرغبة في تجنب المشكلات، الجبن الصريح - كل من حول تالانكين يمثلون بطرق مختلفة أمثلة حية على كيف يمكن للامبالاة وضغط الأقران أن يتحولا إلى لبنات أساسية في بناء الاستبداد.
ويبدو المشروع بأكمله كرحلة باتجاه المنفى، ليس لأن "مجهول يتحدى بوتين" يقوم بأي فعل مباشر ضد بوتين، بل لأنه تجرأ على توثيق الطرق البسيطة التي يتحرك بها مجتمع نحو العسكرة.
يقول المخرج المشارك ديفيد بورنستاين، الأميركي المقيم في الدنمارك، مخاطباً جمهور "الأوسكار" في الولايات المتحدة: "كان الفيلم عن كيفية خسارتك لبلدك عبر عدد لا يحصى من الأعمال الصغيرة من التواطؤ. أنت تخسره... عندما تقتل الحكومة الناس في شوارع مدننا الكبرى، وعندما نصمت بينما يسيطر الأوليغارشيون على الإعلام ويحددون ما يمكننا إنتاجه واستهلاكه. نحن جميعاً أمام خيار أخلاقي".
وتكمن مأساة الفيلم - والأمر الذي أغضب كثيراً من المشاهدين الأوكرانيين - في أن ما يوثقه ليس تحدياً حقيقياً، بل إنه امتثال يومي. ومن المحتمل أن يكون تالانكين معارضاً لـبوتين، لكن ليس أمامه الآن سوى الانضمام إلى مجتمع من المنفيين الروس في الخارج الذين يمتلكون فكراً مماثلاً. ويضيف بورنستاين أن الفيلم يبيّن كيف أن "حتى الشخص المجهول أقوى مما تظن".
لكن الرسالة الحقيقية والمحزنة هي أنه داخل روسيا، بالكاد هناك من يعارض بوتين فعلياً.
© The Independent