Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معركة صامتة بين السيد "لا أحد" وبوتين في فيلم وثائقي رائج

المقاومة العارية اليدين تناضل في كاراباش بصبر واصرار وأدوات بسيطة

عندما يتعرض الأطفال لغسل الدماغ في المدراس الروسية (ملف الفيلم)

ملخص

عندما عرض فيلم "السيد لا أحد ضد بوتين" للأميركي ديفيد بورنستين والروسي بافل تالانكين، خلال دورة العام الماضي من مهرجان تسالونيك للفيلم الوثائقي، لم يتصور أحد أن هذا العمل سيحظى بكل هذا الصدى، أو أنه سيتحوّل إلى أحد أبرز الأصوات السينمائية المناهضة للحرب.

شقّ فيلم "السيد لا أحد ضد بوتين" طريقه بثبات، من العروض الهامشية إلى واجهة النقاش العالمي، ليُتوَّج في نهاية مسيرته بجائزة "أوسكار" أفضل فيلم وثائقي، بعد فترة وجيزة من فوزه بـ"بافتا" في الفئة نفسها.

ولمواكبة هذا الزخم، قرر المهرجان اليوناني إعادة عرضه في ختام دورته الأخيرة، التي أسدل الستار عليها قبل أيام، في خطوة بدت كأنها تأكيد متجدد لقيمته، في لحظة تاريخية يحتاج فيها العالم الليبرالي إلى استعادة شجاعة قول "لا" في وجه الحروب. بين هاتين المحطتين، جاب الفيلم شاشات العالم، مستفيداً من الزخم الذي ولّدته الحرب الروسية على أوكرانيا، وإن كان الاهتمام بها قد تراجع مؤخراً تحت وطأة تحولات جيوسياسية أخرى، لا سيما بعد "طوفان الأقصى"، التي أعادت ترتيب أولويات المتابعة والاهتمام على الساحة الدولية.

تجري أحداث الفيلم في كاراباش، وهي مدينة لا يزيد عدد سكانها عن عشرة آلاف نسمة. هنا يعيش تالانكين الملقب بـ"باشا"، ثلاثيني يجمع بين أدوار عدة: منسّق حفلات، بيداغوجي، ومصور يوثق أبرز لحظات الحياة في إحدى أهم المدارس. المدينة صناعية، تدور حياة سكانها حول مسبكة النحاس. يقول باشا عنها في مطلع الفيلم أنها ساهمت في شهرتها، وجذبت سياحاً يأتون إليها لالقاء نظرة على هذه البقعة التي صنفتها اليونيسكو كواحدة من أكثر المناطق تلوثاً في العالم، حيث تتسبب السموم البيئية بأمراض خطيرة، من بينها السرطان، ولذلك يبلغ متوسط العمر فيها حوالى أربعين عاماً لا أكثر.

البيئة المسمومة

رغم هذه البيئة التي لا ترحم، يسعى تالانكين، كأي مصلح، إلى بث لمحات من السعادة في مكان تتطلب البهجة فيها جهداً يومياً لخلقها، ومن ثم المحافظة عليها. يجد في التلامذة الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة والعاشرة مادة خصبة لتحقيق ذلك، لكن أحداثاً سياسية غير مسبوقة تقلب الأمور رأساً على عقب. فمع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، تتغير مهام تالانكين جذرياً، بعد أن تتلقى المدرسة توجيهات حكومية لتأهيل الطلاب على قيم المواطنة، بما في ذلك إلقاء أبيات شعر وطنية وحفظ تحليلات جيو سياسية تتجاوز وعيهم السياسي. ويقع على عاتقه توثيق هذه اللحظات وإرسال الشرائط إلى وزارة التعليم لإثبات التزام المدرسة بالتعليمات الرسمية. إضافة إلى هذا، يُدرَّس الطلاب مواد تصور حكام أوكرانيا على أنهم "نازيون جدد" يسعون إلى تفكيك اللحمة الوطنية الروسية، فيما تُقدَّم روسيا على أنها القوة التي جاءت لإصلاح الأحوال.

كل هذه المهام الدعائية والتعبئة العقائدية الداعمة للحرب التي يتعرض لها الأطفال على مدار اليوم، تثقل كاهل تالانكين، فلا يجد في نهاية المطاف سوى الهرب وانقاذ نفسه، مسجلاً لحظة فراره التي تنطلق منها رحلة الفيلم ثم تعود بنا إلى الوراء، أي إلى قبل عامين ونصف العام من تلك اللحظة المصيرية في حياة رجل يتخلى عن ناسه وبلاده وماضيه من أجل فكرة الحرية. 

من دون أن تتحول في أي لحظة من اللحظات إلى درس في التاريخ أو تقرير ممل، تغدو المقاطع التي وثّقها تالانكين على مدى 30 شهراً مادة حيوية، تجعلنا نشعر بالمكان والزمان متلمسين صعوبة الأحوال ولكن بلا أي نَفَس تهويلي. الحياة تجري في دربها المعتاد ونظرة تالانكين تجيد كيفية اقتناص الخطر الإيديولوجي. قد لا يكشف الفيلم عن كل خبايا المسألة، مكتفياً بزاوية نظر محددة وضيقة، هي نظرة تالانكين، لكنه يضعنا في قلب المأزق الذي يُعنى به المواطن الروسي: حذار، التوتاليتارية تزحف بخطوات بطيئة ولكن أكيدة نحو مراكز التأهيل، وصيدها المفضل هو الأطفال الذين لم يتكون وعيهم بعد. هؤلاء الصغار سيخضعون بالكامل للتربية الوطنية، فيما يلتزم تالانكين بتصوير كل ذلك. وهكذا، نجد أنفسنا أمام طرفين: الطفل والمرجعية العليا التي تعرف مصلحة المواطن أكثر من نفسه، وبينهما فيلم يطرح الأسئلة ويستمر في التساؤل بلا نهاية، بأسلوب يتظاهر بالصمت والحكمة. لكن هذا الصمت ليس علامة رضا، بل صرخة داخلية عاجزة أمام الواقع.

لا شيء استثنائياً في الفيلم من الناحية البصرية. أهمية المادة تأتي من كونها وثيقة، بعيداً من الجماليات السينمائية. لا يمر وقت طويل قبل أن يتخلص المُشاهد من هاجس الشكل، ليتركز بالكامل على الموضوع الذي من المتوقع أن يطغى على كل شيء آخر. ندرك بسرعة أن الفيلم ليس سوى رد اعتبار لمعركة صامتة بين داود وجالوت، الأول متمثل في السيد لا أحد، أي الموظف المتواضع في مدرسة لا سلطة لها، والثاني في بوتين. ومع ذلك، فالنصر المعنوي والرمزي هو لمن يخطط ويصبر ويتصرف بحنكة.  

المقاومة السلمية

نعم، "السيد لا أحد ضد بوتين" فيلم عن المقاومة العارية اليدين، التي تناضل بصبر وإصرار وبأدوات بسيطة جداً، متحديةً آلة دعائية لا تخفي ضراوتها وخطورتها. كل ما يملكه تالانكين كاميرا صغيرة يستلها، يتسلل بها إلى كل زاوية، ليس فقط إلى زوايا المدرسة، بل إلى زوايا الأرواح التي تُستغَل كدروع بشرية في حرب من المفترض أن تحمي الأطفال لا أن تورطهم، ولن يكونوا فيها سوى وقود لصراع طاغية ينتهج الكذب. ويشير الفيلم إلى هذه الكذبة من خلال الملصق الذي يظهر فيه تالانكين جالساً على أنف بوتين، الذي تمتد خيوط الأكاذيب في شخصيته كما امتد أنف بينوكيو، كعلامة على التضليل والافتراء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من أقصى بقاع الأرض إلى لحظة تتويج استثنائية، اعتلى تالانكين، البالغ من العمر 35 عاماً والمقيم حالياً في براغ، خشبة مسرح "دولبي" في لوس أنجليس ليتسلّم جائزة الـ"أوسكار" المرموقة خلال حفلة تابعه فيها نحو 18 مليون متفرج، في مشهد أوصل صوته إلى العالم بأسره. هذا الرجل، الذي عارض الحرب منذ بدايتها وسعى إاى لتخطيط لفراره، حاملاً معه حقائب مليئة بالتسجيلات، قدّم شهادة صادقة تكشف ما يجري داخل روسيا.

رأى البعض في قصته نجاحاً على الطريقة الهوليوودية، إلا أن هذه الخلاصة تخفي كثيراً من العذابات والتضحيات التي عبرها ليصل إلى ما وصل اليه اليوم. ومع ذلك، قد تكون هذه تجربته السينمائية الأولى والأخيرة. فالتاريخ السينمائي يزخر بأمثلة لأشخاص كانوا مخرجين مشاركين قبل أن يبتلعهم النسيان، أبرزهم المصوّر الفلسطيني عماد برناط، الذي أخرج وثائقياً بعنوان "خمس كاميرات محطمة" (2011) بالتعاون مع الإسرائيلي غاي دافيدي. وصل الفيلم إلى ترشيحات الـ"أوسكار"، لكن ضعف إلمامه بالإخراج جعله يختفي عن المشهد تماماً، ليبقى فيلمه هذا عمله اليتيم.

بين ليلة وضحاها، تحول تالانكين إلى رمز من رموز الاعتراض السلمي من خلال الصورة، وعند تسلمه الجائزة، قال: "منذ أربع سنوات ونحن نراقب السماء بحثاً عن الشهب التي تسمح لنا بتحقيق أمنية غاية في الأهمية. لكنّ هناك بلداناً، تُسقَط فيها بدل الشهب، القنابل والطائرات المسيرة. باسم مستقبلنا، وباسم كل أطفالنا، أوقفوا كل هذه الحروب، الآن!". 

بعد أمسية الـ"أوسكار"، لم تجد جهة روسية معنية بحقوق الإنسان ما تقوله سوى التنديد بظهور تلامذة قصّر دون موافقة الأهل، لتذكّرنا بالمقولة الصينية الشهيرة: "أنا أشير إلى القمر، والأحمق ينظر إلى إصبعي"“.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما