Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مايكل راتني: رؤية 2030 للسعوديين ولا تستهدف إرضاء الغرب 

السفير الأميركي السابق لـ"اندبندنت عربية": لو قرر عمدة أميركي تنظيم حدث رياضي فسيقولون رائع إنه يجلب الترفيه لمدينته فما الذي يجعل الأمر مختلفاً حين تقوم الرياض بالشيء نفسه؟

ملخص

حلقة جديدة من "حوارات أميركية" مع السفير الأميركي السابق لدى السعودية مايكل راتني تتناول تجربته الدبلوماسية ورؤيته لمستقبل العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة، وكيف أصبحت الشراكة بين البلدين راسخة على المستوى المؤسسي وشاملة لقطاعات غير تقليدية.

عندما اختار جو بايدن السيد مايكل راتني ليتولى منصب السفير لدى السعودية، اعتبر مراقبون هذا التعيين مؤشراً إلى تراجع العلاقات الأميركية – السعودية. لم تكن تلك القراءة تستهدف راتني نفسه، فهو دبلوماسي محترف يتحدث العربية بطلاقة ويمتلك خبرة طويلة في الشرق الأوسط، لكنها كانت نابعة من عرف امتد عقوداً وتمثل في إسناد هذا المنصب إلى سياسي أو عسكري من خارج السلك الدبلوماسي.

لكن راتني تولى المنصب في 2023 في ظل توتر العلاقة السعودية – الأميركية وغادره بعد سنتين وعلاقة البلدين في وضع أفضل من سابقه. وخلال الفترة اللاحقة لم تنقطع صلاته بالسعودية، سواء عبر حضور الفعاليات مثل المنتدى السعودي للإعلام أو الكتابة بوسائل الإعلام لكسر الصور النمطية عن السعودية وتحولاتها الجارية، التي يؤكد أنها لا تستهدف إرضاء الغرب، بل تأتي في مسار التحول لمجتمع طبيعي. 

"اندبندنت عربية" استضافت راتني في حلقة جديدة من "حوارات أميركية"، تحدث خلالها عن تجربته الدبلوماسية في السعودية، البلد التي يصفها بـ"الأكثر إثارة للاهتمام في الشرق الأوسط"، وتناول الحوار رؤيته لمستقبل العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة، وطرق تعزيزها.

من الخلاف إلى التعاون

يستحضر راتني لحظة تعيينه قائلاً، "لم يتولَّ دبلوماسي محترف هذا المنصب منذ أكثر من 30 عاماً، وكشخص قضى معظم مسيرته المهنية في الشرق الأوسط، وجدتها فرصة مذهلة للذهاب إلى السعودية، في وقت تعد فيه البلد الأكثر إثارة للاهتمام في الشرق الأوسط. الحصول على هذه الفرصة كان مهماً ليس فقط لتمثيل بلدي، بل أيضاً لأن أكون في الصف الأمامي لمواكبة التغيرات بالغة الأهمية في المملكة".

 

وصل راتني إلى الرياض في أوائل 2023، والعلاقة الثنائية خارجة لتوها من مرحلة مضطربة في بدايات إدارة بايدن، تخللتها تصريحات ومواقف لم تُستقبل بترحيب في السعودية. وبحلول 2022، كانت العلاقة تمر بمرحلة صعبة، وإن لم تصل إلى حد القطيعة. إلا أن الأشهر اللاحقة شهدت، وفق وصفه، تحسناً تدريجاً، تجلى في مفاوضات حول اتفاق دفاعي محتمل، إضافة إلى حراك أوسع لإعادة ضبط العلاقة.

يقول السفير السابق، إن العلاقة السعودية – الأميركية، رغم دورات الصعود والهبوط، أكبر من أن تنهار، نظراً إلى تشابك المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، مشيراً إلى أنه ركز لدى وصوله الرياض على الانتقال من إدارة الخلافات إلى توسيع مساحات العمل المشترك، مع إدراكه أن هذا التوجه لم يكن محل إجماع كامل داخل واشنطن، وخصوصاً في الكونغرس وبعض الدوائر السياسية والإعلامية.

وأضاف، "لدينا كثير من المصالح المشتركة، ومصالح قوية تدفعنا إلى إعادة الأمور إلى مسارها الصحيح.عندما وصلت إلى الرياض في أوائل 2023، شعرت أننا بدأنا فعلاً صفحة جديدة. بقيت بعض القضايا العالقة، لكن على المستوى المؤسسي كانت العلاقة قد استقرت في وضع أفضل. وأصبح بالإمكان الانتقال من التركيز على الخلافات والمشكلات إلى بحث ما يمكن أن ننجزه معاً".

وأوضح راتني أن جزءاً من عمله كان إدارة التباينات في واشنطن إزاء العلاقة السعودية والأميركية، مشيراً إلى أن البلدين وصلا إلى مرحلة لم تعد فيها العلاقة رهينة أحزاب سياسية أو أفراد، بل أصبحت أكثر رسوخاً على المستوى المؤسسي. وقال "شهدنا زيارات من أعضاء في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، واستقبلنا وفوداً من القطاع الخاص، ليس فقط من المجال المالي، بل أيضاً من مجالات الفنون والثقافة والسياحة والتقنية والقطاعات المترددة في السابق تجاه الانخراط بقوة في السعودية".

وتابع، "للإنصاف، فإن جانباً مهماً من ذلك يعود إلى ما كانت السعودية نفسها تقوم به. كنت أقول دائماً إن قضاء 36 ساعة في السعودية كفيل بتغيير الصور النمطية عن البلد بالكامل. لذلك ركزنا كثيراً على تشجيع الناس ليس بالضرورة على الاستماع لكلامي بل على ركوب الطائرة وزيارة السعودية ومشاهدتها بأنفسهم، وأعتقد أن هذا الأمر أحدث أثراً كبيراً في تغيير كثير من الانطباعات".

السعودية لا تستهدف إرضاء الغرب

أطلقت السعودية رؤيتها 2030 في 2016، ومنذ ذلك، وسعت استثماراتها لتشمل قطاعات غير تقليدية مثل الرياضة والسياحة والترفيه، وهو ما أسهم في خطاب غربي مخطئ في الافتراض بأن كل خطوة تقوم بها الرياض لمصلحة رؤيتها ومجتمعها مدفوع بأجندة خفية غير تنويع مصادر دخلها. كتب راتني في أكتوبر 2025 مقالاً في "وول ستريت جورنال" بعنوان "السعوديون يريدون فقط أن يستمتعوا بحياتهم"، أشار فيه إلى أن التحول الذي تشهده السعودية لا يهدف إلى إرضاء الغرب، بل إلى خدمة المجتمع السعودي نفسه. 

يرد السفير الأميركي السابق على سؤال حول عجز بعض الدوائر الغربية عن فهم هذه الفكرة، قائلاً، "هذا من أكبر مصادر الإحباط بالنسبة لي، فكلما قامت السعودية بخطوة موجهة أساساً إلى مجتمعها نحو بناء حياة طبيعية وتوفير الترفيه، كان البعض في الغرب يسارع إلى افتراض وجود أجندة خفية وأن الأمر يتعلق بتحسين الصورة"، مشيراً إلى أن هذا أمر خطأ وأن على الجميع أن يتقبل أن "السعودية لا تقوم بهذه الخطوات لإرضاء الولايات المتحدة أو الغرب، أو لتحسين صورتها، بل لأنها تريد مجتمعاً طبيعياً".

وأضاف، "تساءلت كثيراً عن سبب بطء البعض في استيعاب ذلك، وأظن أن أحد الأسباب، بصراحة، هو أن كثيرين ممن يبدون هذه الأحكام لم يزوروا السعودية قط، أو لم يزوروها منذ 10 أعوام أو أكثر. وعندما يأتون إلى السعودية، يكتشفون أن الصورة مختلفة. يرون السعوديين يستمتعون بالحفلات الموسيقية والمهرجانات ومدن الملاهي وسباقات "فورمولا 1" وهي أمور يعدها الغرب بديهية، لكنها كانت غائبة عن المملكة لفترة طويلة.وعندما تسافر إلى السعودية تدرك أن أهلها لا يستمتعون بهذه الأنشطة لأنها تغير نظرة الآخرين إليهم، بل لأن هذا ببساطة ما يفعله الناس في أي مجتمع طبيعي".

عن ازدواجية المعايير، قال راتني، "في الولايات المتحدة، لو قرر عمدة مدينة كبرى تنظيم مهرجان موسيقي أو استضافة حدث رياضي ضخم، فالغالب أن الناس سيقولون: رائع، هذا عمدة يجلب الثقافة والترفيه إلى مواطنيه. فما الذي يجعل الأمر مختلفاً حين تقوم السعودية بالشيء نفسه؟! بحيث يُفترض فوراً وجود أجندة خفية. أرى أن في ذلك قدراً كبيراً من الإجحاف، وهذا تحديداً ما دفعني إلى كتابة ذلك المقال".

وشدد راتني على أهمية أن يفهم الديمقراطيون والجمهوريون قيمة العلاقة مع السعودية، مشيراً إلى أن فرصة مأسسة العلاقة تبدت ملامحها في عهد إدارة بايدن، ويبدو أنها استمرت في عهد إدارة ترمب، إذ هناك حديث عن إضفاء طابع رسمي على الشراكة العسكرية، وقد دارت مناقشات حول إمكانية توقيع معاهدة بين البلدين.ومثل هذه الخطوة ستكون ذات قيمة كبيرة، لأنها ستتجاوز حدود الإدارات المتعاقبة، وتستمر إلى ما بعد فترة رئيس واحد، غير أن تحقيق ذلك يتطلب فهماً متبادلاً لدى الطرفين لقيمة الشراكة طويلة الأمد.

ما حقيقة إسرائيل الكبرى؟

عمل راتني قنصلاً في القدس من 2012 إلى 2015، وهو أحد الضليعين بالشأن الفلسطيني – الإسرائيلي. لدى سؤاله عما يُعرف بـ"إسرائيل الكبرى"، وما إذا كان هناك مخطط توسعي حقيقي، أجاب، "في الماضي كان يُنظر إليها بوصفها طرحاً غير واقعي إطلاقاً، بل بعيداً من أي تصور قابل للتطبيق. اليوم، المشهد تغير إلى حد ما. هناك جمهور إسرائيلي وناخبون اتجهوا أكثر نحو اليمين. كما أن الحكومة الإسرائيلية نفسها تميل بوضوح إلى اليمين، وبدأت تتبنى أو على الأقل تتسامح مع أفكار كان يُنظر إليها سابقاً على أنها أقرب إلى الخيال.

يحذر راتني من أن "بعض شرائح المجتمع الإسرائيلي باتت ترى فكرة إسرائيل الكبرى هدفاً واقعياً، أو على الأقل قابلاً للنقاش، لكنه يشير إلى أن الأمر لا يشكل خطراً وشيكاً على المدى القصير، لكنه بالتأكيد مسألة تستحق المتابعة. والسؤال هو هل ستواصل إسرائيل السير في هذا الاتجاه، بحيث تتبنى قيادتها والرأي العام فكرة التوسع الإقليمي، أم إن حسابات العلاقات مع شركائها، مثل الولايات المتحدة، وإمكانية تحسين العلاقات مع العالم العربي، قد تدفعها إلى كبح بعض الطموحات الأكثر تطرفاً، والتركيز بدلاً من ذلك على تحسين أوضاع مجتمعها ضمن حدودها".

وعن كيف يمكن فهم التحول في الخطاب العام الأميركي، خصوصاً في برامج البودكاست التي تخطت خطوطاً حمراء تقليدية في انتقادها إسرائيل. قال السفير السابق، "أنا عادة متحفظ إزاء مساواة البودكاست بالرأي العام الفعلي، فهذه منصات ينشط فيها أشخاص لديهم الوقت والدافع للظهور والتعبير. لكن مع ذلك، لا يمكن إنكار أن المزاج الانتخابي الأميركي يتغير، على اليسار كما على اليمين، وخصوصاً في ما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل".

وأضاف، "في الماضي لم يكن من المعتاد أن نرى أعضاء في الكونغرس يوجّهون انتقادات صريحة لإسرائيل. كان هناك من لا يضعها في صدارة اهتمامه، وكان هناك من يؤيدها بحماسة، لكن نادراً ما وُجد من يتخذ موقفاً يبدو معارضاً لها بوضوح. اليوم تغيّر هذا الواقع إلى حد ما. جزء من ذلك يعكس قناعات شخصية لدى بعض النواب، لكنه يعكس أيضاً تطوراً في الرأي العام داخل شرائح معينة من المجتمع الأميركي. ولا شك أن الحرب في غزة كان لها تأثير ملموس، فالمشاهد القاسية تركت أثراً عاطفياً مباشراً في نظرة كثيرين إلى إسرائيل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفت إلى أن هناك اتجاهاً آخر لا سيما من اليمين قائم على النزعة الانكفائية، فعدد متزايد من الأميركيين باتوا يرون أن على الولايات المتحدة تقليص انخراطها الخارجي، وألا تلتزم بشركاء في الخارج بالطريقة التي اعتادت عليها تاريخياً، سواء مع إسرائيل أو غيرها. وهاتان الديناميكيتان، تزايد النقد لإسرائيل من جهة، وتصاعد النزعة الانعزالية من جهة أخرى، قد تفضيان إلى صيغة مختلفة تماماً للعلاقة الأميركية - الإسرائيلية مستقبلاً.

مأساة السودان 

حرب السودان تسببت بواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، ومع ذلك لم تلقِ الدبلوماسية الأميركية بثقلها لإنهاء الحرب وهو ما يفسر راتني بقوله، "من أهم الأسباب المحزنة هو أن السودان يقع في أفريقيا، وتاريخياً لم تمنح الولايات المتحدة الأزمات الأفريقية القدر نفسه من الاهتمام الذي توليه مناطق أخرى من العالم. وأحياناً أذكّر الناس بأن الوضع الإنساني في السودان قد يكون الأسوأ عالمياً اليوم، فأعداد المتضررين من الحرب الأهلية مهولة، وأعداد القتلى والجوعى والنازحين لا تضاهيها أزمة، ومع ذلك، لا يحظى السودان بالاهتمام الذي يستحقه". وعن أول ما ينبغي فعله لتصحيح الوضع، فيقول، يجب تسليط الضوء على أن جزءاً من أسباب العنف يعود إلى تدخلات خارجية، فالحروب الأهلية، في كثير من الأحيان، تميل إلى الخفوت إذا غاب عنها الدعم الخارجي. لكن هذه الحرب استمرت، ويرجع ذلك جزئياً إلى استمرار أطراف خارجية في تمويل وتسليح بعض المتحاربين، وهو ما يضر بالشعب السوداني ويهدد بخلق بيئة خصبة للتطرف يمكن أن تمتد آثارها إلى المنطقة بأكملها.

المزيد من حوارات