ملخص
في حلقة جديدة من "حوارات أميركية"، تحدث براين كاتوليس الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن عن مستقبل العلاقات السعودية – الأميركية، مشيراً إلى أن الزيارة الأخيرة أرست مساراً لعلاقة طويلة الأمد تعمق الروابط بين البلدين في المجالات المشتركة
شكلت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة الشهر الماضي مرحلة مفصلية في تاريخ العلاقات السعودية – الأميركية، إذ تجلت وراء الحفاوة الأميركية رؤية استراتيجية لاستمالة السعودية نحو واشنطن لا بكين، وتجلّى وراء الحرص السعودي، رؤية استراتيجية للاستفادة من كل الفرص، من المعادن الحيوية، والطاقة النووية، وصولاً إلى صفقات التسلح، وأشباه الموصلات.
في حلقة جديدة من "حوارات أميركية"، تحدث براين كاتوليس الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن عن مستقبل العلاقات السعودية – الأميركية، مشيراً إلى أن الزيارة الأخيرة أرست مساراً لعلاقة طويلة الأمد تعمق الروابط بين البلدين في المجالات المشتركة، لكن التحدي سيكون في حجم العمل المطلوب إنجازه للتقدم في كل ملف. وقال، "هناك قضايا كبرى لم تُحل بعد مثل قضيتي فلسطين وإيران، لكن الخلاصة أن هذه الزيارة نقلت العلاقة الثنائية إلى مستوى جديد، ووضعت تصوراً لمسار قد يمتد ليس لأعوام قليلة فحسب، بل لعقود مقبلة".
البعد الاجتماعي
تأطير العلاقة بين البلدين من خلال نموذج الأمن والنفط ساهم على مدى العقود الماضية في تهميش البعد الاجتماعي الذي يشدد كاتوليس على أهميته، بدءاً من المهندسين الأميركيين الذين ساعدوا في اكتشاف النفط في المنطقة الشرقية، وصولاً إلى أكثر من 80 ألف أميركي يعيشون حاليا في المملكة، وذروة وجود أكثر من 100 ألف طالب سعودي داخل الولايات المتحدة. يقول كاتوليس إن "البعد الاجتماعي مؤثر، ولا سيما لدى الجيل الحالي من القادة السعوديين، وكذلك لدى كثير ممن يعملون معهم، ممن عاشوا وعملوا وتلقوا تعليمهم داخل الولايات المتحدة. من الضروري توسيع نطاق العلاقة إلى ما هو أبعد من ركائزها التقليدية المقتصرة على رغم أهميتها على الطاقة والدفاع والتعاون الأمني ومكافحة الإرهاب".
ويعتبر كاتوليس أن البعد الاجتماعي قوة ناعمة والروابط الاجتماعية صمام أمام يربط البلدين بطرق عميقة، تتجاوز أنظمة السلاح والبرامج النووية. وقال، "أنا شخصياً استفدت من صداقات وعلاقات مع أشخاص داخل السعودية من خلال عملي في معهد الشرق الأوسط ومؤسسات أخرى، ونحن في حاجة إلى مزيد من ذلك. وما وُقِّع خلال هذه الزيارة يفتح الباب مجدداً أمام هذا المسار، لكن هناك أشياء كثيرة يجب أن تُدار بصورة مختلفة في أميركا للاستفادة الكاملة من هذه العلاقة"، وأضاف، "عندما أنظر إلى رؤية 2030 التي تبنتها السعودية لتنويع اقتصادها وتوسيع علاقاتها، أدرك أن هناك رؤية استراتيجية أيضاً للعلاقة الثنائية بين أميركا والسعودية. والبعد الاجتماعي فيها مهم، لأن الروابط بين شعبي البلدين هي التي تمتص الصدمات عندما تطرأ تحديات في العلاقات الرسمية بين الحكومتين.
واسترسل كاتوليس، "زرت السعودية وخلال الأعوام الخمسة الماضية تحديداً ولاحظت تحولاً اجتماعياً هائلاً داخل المجتمع، وتوسعاً كبيراً في التواصل المباشر بين الناس عبر مجالات وفرص متعددة من خلال السياحة أو فعاليات مثل نزالات الملاكمة والمصارعة. قد تبدو هذه الأمور سطحية للبعض لكنها في الحقيقة تفتح باباً للحوار بين الأميركيين والسعوديين حول أشياء بسيطة، إذ يرغب الناس فقط في الاستمتاع بوقتهم أو اصطحاب عائلاتهم للترفيه. سأشارك قصة صغيرة، ابني متحمس جداً لزيارة السعودية خلال رحلتي المقبلة، لأنه شاهد مدينة ملاهٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو يعشق لعبة الأفعوانية، قال لي "أبي، هل يمكن أن نذهب؟" تخيل فقط كيف تبدو رؤيته للعالم. عمره 15 عاماً وعندما كنت في سنه كانت صورتنا عن السعودية مختلفة تماماً، لم تكن بالضرورة سلبية لكنها كانت محايدة وغامضة. عندما يزور ابني السعودية، لأننا ننوي زيارتها، لن يكتفي بتجربة الألعاب في مدينة الملاهي، بل الأهم أنه سيقضي وقتاً مع أبناء بعض أصدقائي من المسؤولين السعوديين أو رجال الأعمال وغيرهم. هذا النوع من التجارب يصنع علاقات شبيهة بتلك التي كونتها خلال عشرينياتي عندما عشت في فلسطين ومصر والأردن، وهي علاقات لا تزال ترافقني بعد 30 عاماً، ولها أثر مهم في عملي المهني".
الطاقة النووية والمعادن
سياسياً، اعتبر الباحث الأميركي أن الاتفاق حول التعاون النووي بالغ الأهمية، وقال إذا نظرنا، "إلى اتجاهات الطلب العالمي على الطاقة وخصوصاً في دولة مثل السعودية تضع التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي في صميم استراتيجيتها، الذكاء الاصطناعي يتطلب كميات هائلة من الطاقة وهذا يفرض تحديات كبيرة، حتى هنا في الولايات المتحدة حيث يدور نقاش واسع حول مصادر الطاقة المستقبلية. سنحتاج إلى كل أنواع الطاقة، ليس الوقود الأحفوري فقط أو الطاقة المتجددة وحدها، بل الاثنين معاً، والطاقة النووية تمثل عنصراً أساساً ضمن هذا المزيج. الملف النووي داخل الشرق الأوسط كان دائماً مصدر تحديات وفرص في آنٍ واحد، ولا تزال الأسئلة قائمة حول نشاط إيران النووي".
أما فيما يخص اتفاق المعادن، فقال كاتوليس إن المعادن الحيوية تقع حالياً في صلب ما يمكن تسميته "اللعبة الجيوسياسية الكبرى"، إذ تمكنت الصين من السيطرة على سوق كثير من المعادن الحيوية الضرورية للتقنيات المتقدمة، والكثير من الصناعات بما في ذلك مقاتلات F-35 والمعالجات الإلكترونية التي نحتاج إليها. وما نعرفه أيضاً أن السعودية تمتلك احتياطات كبيرة من هذه المعادن. لذلك جرى تطوير ترتيبات فريدة، شاركت فيها وزارة الدفاع الأميركية كشريك مع السعودية في كيان استثماري، في إشارة واضحة إلى أن البلدين سيتعاونان لتنويع سلاسل الإمداد العالمية وتقليل الاعتماد المفرط على الهيمنة الصينية في هذا القطاع. وأنا أرى أن التقدم في هذا المسار بالغ الأهمية. بطبيعة الحال، سيستغرق الأمر أعواماً طويلة لأن عمليات التعدين ثم المعالجة تحتاج وقتاً كبيراً".
وتطرق الباحث الأميركي إلى صفقة مقاتلات F-35، قائلاً إن إعلان ترمب لها رغم اعتراضات إسرائيل يؤكد أن الرئيس ترمب أعطى أولوية واضحة للعلاقة مع السعودية في مقاربته للشرق الأوسط وللعالم فهو يرى في السعودية شريكاً محورياً، كانت أول دولة يزورها خلال ولايته الأولى وأيضاً المحطة الأولى في جولته الشرق أوسطية خلال مايو (أيار) الماضي ضمن ولايته الثانية، لكنه أشار إلى أن "التعقيدات لن تنتهي والتفاصيل لم تحسم بعد بصورة كاملة. وليس موقف إسرائيل وحدها، ولا أصوات داعميها داخل الولايات المتحدة، هو العامل الوحيد، فمن المحتمل أن يلعب الانقسام الحزبي في الداخل الأميركي دوراً في تسييس القضية".
وأضاف، "إعلان ترمب نياته كان إشارة سياسية مهمة، لكن القدرة الفعلية على إتمام الصفقة تتطلب جهداً سياسياً كبيراً، ليس فقط على مستوى العلاقة الأميركية - الإسرائيلية وطمأنة إسرائيل، بل كذلك على مستوى الدور الحاسم الذي سيؤديه الكونغرس في الموافقة على الصفقة. وهذه الملفات، مثل المعادن الحيوية والتعاون في الطاقة النووية السلمية ستستغرق أعواماً، وربما تمتد إلى ما بعد إدارة ترمب الحالية. ولذلك أرى أن من المهم أن تحافظ السعودية في تعاملها مع الولايات المتحدة على مقاربة تدرك طبيعة النظام السياسي الأميركي القائم على حزبين وتعدد الأصوات، وأن تعمل على بناء علاقات إيجابية مع الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء".