ملخص
ما هو الخط البرتقالي في غزة؟ ولماذا لا يظهر في خرائط خطة السلام والازدهار؟ في هذا التقرير تكشف "اندبندنت عربية" خفايا هندسة الألوان الإسرائيلية في قطاع غزة.
بعد يومين من العطش حمل شادي غالوناً فارغاً وخرج من مركز الإيواء ليجلب ماء يطفئ به ظمأ عائلته، بحذر وهدوء كان يتحرك، إذ يعيش الرجل قرب الخط الأصفر ويخشى المغامرة في نشاطه، فتجاوز ممر الهدنة يعني الموت فوراً، وفي ظنه أن شارعه آمن لأنه يبعد 400 متر عن الحجارة الصفراء المعلنة التي ترسم الحدود بين غزة الشرقية الخاضعة لسيطرة إسرائيل، والغربية التي تسيطر عليها "حماس".
بمجرد أن وصل شادي إلى رأس الشارع أطلقت طائرة "كواد كابتر" المسيرة رصاصة تحذيرية تحت قدميه، توقف الرجل وتراجع خطوتين، لكنه نظر إلى الغالون الفارغ وتذكر شكاوى أطفاله من العطش، خاطر بحياته وتقدم خطوة واحدة فقط، كانت تلك الخطوة هي "الحد البرتقالي" ذلك اليوم.
خط يتغير باستمرار
بحسب الخرائط المرفقة مع اتفاق وقف إطلاق النار بين "حماس" وإسرائيل في غزة، فإنها تضمنت خطاً أصفر وعرفته بأنه خط الانسحاب الأول المنصوص عليه في المرحلة الأولى من خطة السلام والازدهار، ويمنح الجيش الإسرائيلي السيطرة على نحو 58 في المئة من مساحة القطاع، ويتم تمييزه بكتل أسمنتية صفراء، ويطبق الجيش سياسة إطلاق النار بهدف القتل ضد أي فلسطيني يقترب منه أو يحاول تجاوزه.
لا يوجد في خرائط خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أية حدود لونها برتقالي قبل أو بعد الخط الأصفر، لكن إسرائيل ابتكرت حدوداً جديدة وهمية لترسيخ واقع ميداني جديد من خلال تقسيم القطاع وفرض مناطق سيطرة عسكرية دائمة تحت مسميات ألوان مختلفة ضمن سياسة "هندسة الألوان".
يعرف شادي الخط البرتقالي ويدرك أنه وهمي ويتغير باستمرار إذ لا حدود ثابتة له، ولكنه لا يعرف مداه الحقيقي الذي يتغير كل يوم، لذلك توجه نحو بئر الماء ليجلب غالوناً يسقي به أطفاله، ولم يستدل على الحدود البرتقالية إلا من إطلاق الرصاص الذي يعد الطريقة الوحيدة لذلك، لكن هذه المرة الرصاصة التي أطلقت صوب شادي أصابت قدمه وبقي ينزف ساعات من دون أن يجرؤ أحد على سحبه.
حد عسكري بأهداف
في الواقع، يعد الخط البرتقالي امتداداً لخط الهدنة الأصفر، ويتموضع على بعد مئات الأمتار إلى الغرب منه، متوغلاً في أحياء شرق مدينة غزة، وهو بمثابة حدود صامتة غير رسمية تهدف إلى قضم مزيد من الأراضي وتقليص المساحات المتاحة للغزيين، ويستخدم كأداة استراتيجية إسرائيلية غير معلنة لتوسيع السيطرة العسكرية وتغيير معالم الحدود داخل القطاع.
يستخدم الخط البرتقالي كحدود عسكرية إضافية لتوسيع المنطقة العازلة، حيث تفرض السلطات الإسرائيلية في هذه المنطقة ضرورة التنسيق المسبق لأية تحركات إنسانية أو عمليات إغاثة، ويختلف عن الخط الأصفر بأن الأخير واضح عن طريق كتل أسمنتية وخرائط منشورة، لكن حدود البرتقالي متحركة وغير معلنة رسمياً.
يصنف الخط البرتقالي كحدود خفية، لذلك لا توجد مساحة رسمية محددة بدقة له، لكن من خلال المعايشة الميدانية فإن عمقه يمتد بين 300 و500 متر إضافية غرب الخط الأصفر، وباستحداث هذه الحدود فإن إسرائيل تضم مساحات إضافية من الأراضي المتبقية للغزيين، لذلك لا مساحة ثابتة له بل هو نطاق زاحف حيث يتم تحويل كتل سكنية كاملة في أحياء غزة إلى مناطق عسكرية بمجرد تقدم الآليات لتثبيت نقاط رؤية جديدة.
يقلص مساحات غزة
يهدف الخط البرتقالي إلى توسيع المنطقة العازلة وتأمين القوات الإسرائيلية مما يجعل المساحة الفعلية المتاحة لسكن الغزيين تتقلص باستمرار، يقول أستاذ الجغرافيا السياسية مهند الطويل "توسيع السيطرة العسكرية من خلال استراتيجية الزحف الميداني تعني قضم الأراضي في غزة، وهذا يعني توسيع المنطقة العازلة، وخلق واقع جديد بدلاً من الالتزام بحدود ثابتة، يتحرك الجيش لمسافة مئات الأمتار إضافية داخل الأحياء السكنية مما يحول هذه المساحات الجديدة إلى مناطق عسكرية مغلقة".
ويضيف الطويل "النتيجة المباشرة هي تقليص المساحة المعيشية فالعائلات التي كانت تظن أنها بعيدة من الخط الأصفر أصبحت الآن خلف أو ضمن نطاق الخط البرتقالي، مما يجبرها على النزوح مجدداً ويفقدها الوصول إلى منازلها أو أراضيها الزراعية".
ويوضح الطويل أن توسيع الخط البرتقالي أدى إلى شمول منشآت إضافية تابعة لـ"الأونروا" ومراكز إيواء للنازحين، مما يعيق وصول المساعدات ويزيد من أخطار الاستهداف، إذ تهدف إسرائيل من الخط البرتقالي إلى تأمين قواتها المتمركزة في الخط الأصفر ولحمايتها تطلق النار في الحدود الزاحفة.
ماهية "هندسة الألوان"
تعتمد إسرائيل منذ الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار استراتيجية هندسة ألوان لترسيم حدود غير معلنة تتوسع تدريجاً لتعزيز الواقع الميداني الدائم بعيداً من ضغوط الاتفاقات الدولية، وتعتمد هذه الاستراتيجية على تقسيم القطاع في الخرائط العسكرية إلى مناطق ملونة تفرض واقعاً أمنياً جديداً يتجاوز الحدود الجغرافية القديمة.
يقول الباحث العسكري قاسم دغمش "لهذه السياسة أهداف جوهرية، أبرزها القضم التدرجي بدلاً من إعلان ضم أراضٍ بصورة رسمية، ويتم ترسيم خطوط ملونة تتزحزح تدريجاً لزيادة مساحة المناطق العازلة، ومن ثم نصل لهدف شرعنة إطلاق النار من تحديد قواعد اشتباك مختلفة لكل لون، فالمناطق خلف الخط الأصفر تعتبر مناطق عسكرية مغلقة يطبق فيها بروتوكول إطلاق النار بهدف القتل لأي متحرك"، ويضيف "هندسة الألوان تعد أداة التحكم في النزوح إذ تستخدم هذه الخطوط كأداة للضغط الديموغرافي، إذ يجبر السكان على النزوح من المنطقة البرتقالية لتوسيع المدى الأمني للجيش المتمركز عند الخط الأصفر، بينما يمثل الخط البرتقالي منطقة المناورة أو التنسيق، ويستخدم لتعميق المنطقة العازلة ومنع المدنيين من الاقتراب من التحصينات الإسرائيلية".
ويوضح دغمش أن نتائج الألوان الميدانية كانت لإعادة هندسة القطاع جغرافياً، إذ تم عزل أحياء كاملة في شرق مدينة غزة مثل الشجاعية والزيتون وتحويلها إلى مناطق ميتة لا يسمح فيها بالحياة أو الإعمار، مما يعزز فرضية إنشاء نظام سيطرة أمني طويل الأمد.
آثار إنسانية كارثية
ترك الخط البرتقالي آثاراً مباشرة مؤلمة في حياة الغزيين، وكان ضربة قاضية لفكرة الاستقرار التي كان يأملها السكان بعد تحديد الخط الأصفر، فهو لم يأت كبديل له بل توسعة تلتهم ما تبقى من أحياء.
يقول الباحث في القضايا الإنسانية، قصي الشوا "بعدما عزل الخط الأصفر 55 في المئة من مساحة القطاع، جاء الخط البرتقالي ليزحف مئات الأمتار الإضافية داخل الأحياء السكنية المكتظة في عمق مدينة غزة، مما يعني تحويل مناطق كانت تعتبر آمنة نسبياً إلى مناطق مواجهة دموية"، ويضيف "خلق الخط البرتقالي حالاً من عدم اليقين، العائلات التي نزحت من شرق الخط الأصفر واستقرت في مراكز إيواء قريبة، وجدت نفسها فجأة ضمن الخط البرتقالي الجديد، مما أدى إلى موجات نزوح قسرية جديدة تحت القصف، ومنع أية محاولة لإعادة الاستقرار أو ترميم المنازل".
ويوضح الشوا أن الخط البرتقالي خنق العمليات الإغاثية، وكان تأثيره في المساعدات كارثياً، لأن الجيش الإسرائيلي يشترط الآن تنسيقاً خاصاً ومعقداً للدخول إلى المنطقة الواقعة بين الخطين الأصفر والبرتقالي، بينما هذا النطاق يضم مخازن ومراكز توزيع تابعة للأمم المتحدة، مما أدى إلى توقف وصول الطرود الغذائية لأحياء كاملة ومنع طواقم الدفاع المدني من انتشال الجثامين أو إسعاف المصابين في هذه المنطقة العازلة الجديدة.
جغرافيا الألم والدماء
تقيم إسرائيل الخط البرتقالي كإجراء ميداني أحادي الجانب، فهذه الحدود الجديدة غير منصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتمد الخط الأصفر كحد فاصل للمرحلة الأولى من الانسحاب والتموضع.
كذلك يعتبر الخط البرتقالي خرقاً صامتاً يتجاوز التفاهمات، فهو لا يظهر في الخرائط السياسية الدولية بل هو خريطة عملياتية داخلية للجيش الإسرائيلي لتوسيع نطاق الأمان حول قواته المتمركزة، وفرض قيود حركية وتنسيقية إضافية على المدنيين والمنظمات الدولية.
في الخط البرتقالي قواعد اشتباك مختلفة، فبدلاً من إطلاق النار بهدف القتل المباشر لكل من يتجاوز الخط الأصفر، فإن الأمر في الحدود البرتقالية يقضي بالتدرج: تحذير، ثم إطلاق نار في الهواء، ثم الأطراف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبما أن الخط البرتقالي وهمي، فإن الغزيين يتعرفون إليه بطريقة قاسية وميدانية، وعندما سألنا المواطن عزيز كيف يرسمه الناس في وعيهم لتجنب الموت، أجاب "عن طريق المشاهدة البصرية، فرؤية تجريف المنازل أو تسوية الأرض يجعلنا ندرك أن هذا هو الحد الجديد، كذلك فإن وجود دبابة متمركزة بشكل دائم في نقطة معينة، أو اعتلاء قناصة بناية مرتفعة، يرسم خطاً غير مرئي في ذهن السكان لا يجرؤ أحد على تجاوزه"، ويضيف "سلوك المسيرات يعد المترجم الفعلي لهذا الخط، فبمجرد اقتراب أي مواطن من هذا النطاق، تبدأ الطائرة بإطلاق النار التحذيري أو الاستهداف المباشر، هذا النطاق الذي يبدأ فيه الرصاص هو ما يسميه الناس الخط البرتقالي، وأحياناً يلقي الجيش منشورات ورقية أو يرسل رسائل نصية لسكان أحياء معينة يخبرهم فيها بأن الوجود شرق شارع كذا يعرض حياتهم للخطر، على رغم أن هذا الشارع يقع غرب الخط الأصفر المتفق عليه".
يبين عزيز أن كثيراً من الغزيين يتعرفون إلى الخط البرتقالي بالدم، فعندما تحاول عائلة العودة لتفقد منزلها وتتعرض للقصف في منطقة كانت تعتبر خارج السيطرة الإسرائيلية، ينتشر الخبر بين الناس بأن الخط تقدم وصار عند النقطة الجديدة، مشيراً إلى أن الغزيين يتعرفون إليه عبر "جغرافيا الألم"، فكل شارع يسقط فيه قتيل بنيران القناصة يصبح هو الخط البرتقالي الجديد في نظرهم.
مواقف إسرائيل و"حماس"
لا تستخدم إسرائيل مصطلح الخط البرتقالي في خطابها الرسمي، بل تسوق مبررات وسياقات أخرى لشرعنة وجود هذه المساحات الفاصلة، يقول متحدث الجيش، إيفي ديفرين "عمليات التقدم غرب الخط الأصفر نتيجة الحاجة لحماية جنودنا، لذا فإن خلق مساحة رؤية فارغة هو ضرورة عملياتية، كذلك فإن هذا التقدم يمنع الفصائل من استغلال اتفاق وقف إطلاق النار لترميم الأنفاق".
أما في "حماس"، فإن رئيس وفدها المفاوض خليل الحية، يقول "إسرائيل تحاول فرض واقع جغرافي جديد عبر استقطاع أجزاء من قطاع غزة وتحويلها لمناطق أمنية، ولكننا لن نقبل بأية منطقة عازلة أو وجود عسكري فوق أي شبر من أرض غزة، وما يفعله العدو من تجريف وتثبيت نقاط عسكرية هو خرق للتفاهمات ولن يمنحه الأمن، والخطوط الأمنية محاولة لشرعنة القتل وتبرير استهداف المدنيين والنازحين العائدين إلى بيوتهم".