ملخص
توجه المنظمات الحقوقية تهماً مباشرة لإسرائيل بأنها تتبع استراتيجية محددة لهندسة التجويع في غزة خلال الأزمة الإيرانية. وبحسب المركز الأورومتوسطي فإن الحال في غزة الآن تختصر في تراجع الإمدادات وهذا ليس نتاج صدفة تقنية أو ضرورة حربية عابرة، بل يظهر كعملية ممنهجة ومحسوبة تهدف إلى التحكم في حياة السكان.
تحت غطاء التصعيد العسكري المباشر بين إسرائيل وإيران، شهدت إمدادات المساعدات لغزة انهياراً حاداً وصف بأنه الأقسى منذ انتهاء المجاعة، إذ استغلت حكومة بنيامين نتنياهو الانشغال العالمي في القتال لتمرير قيود ميدانية مشددة، أبرزها تشديد الحصار وممارسة سياسة هندسة التجويع ضد المدنيين في القطاع.
فبعد ساعات من اندلاع حرب إيران في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، فرضت السلطات الإسرائيلية قيوداً مشددة على غزة، إذ أغلقت جميع المعابر، لكن بعد أيام أعادت فتح معبر كرم أبو سالم فقط وخصصته منفذاً وحيداً متاحاً بصورة متقطعة للمساعدات والبضائع التجارية، أما معبر رفح فأعادت فتحه لسفر الحالات الإنسانية فقط.
80 في المئة
بسرعة، ظهرت نتائج إغلاق المعابر على غزة، فتراجعت إمدادات المساعدات الإنسانية بصورة حادة بنسبة وصلت إلى 80 في المئة، وتزامن ذلك مع تصاعد التوترات الإقليمية والحرب الإسرائيلية على إيران، مما دفع المراقبين الغذائيين إلى التأكيد على أن حكومة نتنياهو تستغل الانشغال العالمي لتمارس سياسة هندسة التجويع ضد المدنيين في القطاع، حيث تستخدم الحرب كستار دخان لتنفيذ مرحلة جديدة من الضغط الغذائي على غزة.
وبحسب بيانات مركز التنسيق الأميركي في إسرائيل، فإن المعدل الأسبوعي لدخول المساعدات تراجع من نحو 4200 شاحنة قبل بدء التصعيد الإقليمي الأخير إلى 590 شاحنة فقط خلال الأسبوع الأول من الحرب، ثم انخفضت في الأسبوع الثالث إلى أقل من 400 شاحنة.
أيضاً أوقفت إسرائيل تزويد غزة بالوقود، إذ تدنّت كميات السولار التي تدخل إلى القطاع لتشغيل المخابز ومضخات المياه بنسبة تزيد على 90 في المئة، مما أدى إلى خروج معظم المخابز الباقية عن الخدمة، ومن بين الإجراءات الإسرائيلية الأخرى لهندسة التجويع كان استهداف لقوافل مساعدات كانت تحاول الوصول إلى شمال غزة مستغلة غياب الرقابة الدولية المركزة على الملف الإيراني.
استراتيجية التجويع
وتوجه المنظمات الحقوقية تهماً مباشرة لإسرائيل بأنها تتبع استراتيجية محددة لهندسة التجويع في غزة خلال الأزمة الإيرانية. وبحسب المركز الأورومتوسطي فإن الحال في غزة الآن تختصر في تراجع الإمدادات وهذا ليس نتاج صدفة تقنية أو ضرورة حربية عابرة، بل يظهر كعملية ممنهجة ومحسوبة تهدف إلى التحكم في حياة السكان عبر السعرات الحرارية.
وفي توضيح آليات هندسة التجويع، يقول الباحث في الاقتصاد الغذائي مهند خضري "الهندسة تعني الإدارة الدقيقة، فإسرائيل لا تمنع الطعام تماماً لتجنب إدانة دولية حاسمة بمجاعة شاملة، بل تسمح بدخول كميات دون حد الكفاف، مما يبقي السكان في حال جوع دائم واستنزاف بدني ونفسي، ويسهل الضغط العسكري والسياسي عليهم".
ويضيف أن "اختيار توقيت التصعيد مع إيران لتقليص المساعدات خطوة ذكية في الهندسة، إذ تستغل إسرائيل الانشغال العالمي بصواريخ إيران ومضيق هرمز بما يمنحها نافذة زمنية لتمرير سياسات تجويع قاسية في غزة من دون ضجيج إعلامي أو ضغط دبلوماسي مكثف".
ويوضح خضري أنه عبر تقليص الإمدادات يجري خلق واقع ميداني يجبر الحاضنة الشعبية والمفاوض الفلسطيني على تقديم تنازلات مقابل لقمة العيش، وهذا توظيف ممنهج للحاجة البيولوجية وهو جوهر عملية الهندسة الاجتماعية والعسكرية.
ويتجاوز مفهوم هندسة التجويع مجرد منع الشاحنات، وهنا يشرح خضري أنه "عبارة عن نظام متكامل يعتمد على التحكم الرياضي في حياة البشر، وأدوات إسرائيل في ذلك تكتيك التقطير بدلاً من القطع الكامل للإمدادات الذي قد يستدعي تدخلاً دولياً فورياً، فتعتمد إسرائيل سياسة التقطير، إذ تدخل 50 شاحنة في اليوم بدلاً من 500 شاحنة".
ومن أدوات هندسة التجويع الانتقائية المذلة تسمح تل أبيب بدخول مواد ثانوية مثل المنظفات أو بعض المعلبات وتمنع المواد الأساسية وأبرزها الطحين واللحوم والوقود، مما يخلق وفرة وهمية في الأسواق لسلع لا تسد الجوع.
صراع السعرات الحرارية
وأبرز ما يوضحه خضري في هندسة التجويع التلاعب بالسعرات الحرارية عن طريق إدخال الحد الأدنى من السعرات الحرارية اللازمة لمنع الوفاة الجماعية في غزة، والهدف من ذلك إبقاء السكان في حال وهن جسدي دائم ويجعل الهم الوحيد للغزي تأمين الوجبة التالية.
في الواقع، تُعد سياسة إحصاء السعرات الحرارية واحدة من أكثر الأدوات الصادمة في هندسة التجويع، إذ حددت إسرائيل حصة الغزي اليومية بنحو 2279 سعرة حرارية، لكن يخصم منها الإنتاج المحلي والسلع الممنوعة لأسباب أمنية لينتهي الأمر بالفرد بحصة فعلية أقل بكثير من حاجته الحيوية.
ويبيّن الباحث في الاقتصاد الغذائي أن إسرائيل تمنع الرفاهية الغذائية، فتقيّد دخول البروتين والفيتامينات واللحوم الطازجة والفواكه والحلويات، وتسمح فقط بالنشويات من الطحين والرز، ونتيجة لذلك يحصل الجسم على سعرات فارغة تسد الجوع موقتاً لكنها تسبب فقر الدم وهشاشة العظام وتوقف النمو عند الأطفال.
وتضع كذلك قوائم مسموح وممنوع من دون أية مبررات، وحالياً تسمح بدخول الحمص وتمنع المربى، وتسمح بالأحذية وتمنع البسكويت، ليشير خضري إلى أن هذا التلاعب يهدف لكسر النمط الغذائي المتوازن ويجعل الحصول على وجبة متكاملة من البروتين والكربوهيدرات والفيتامينات أمراً مستحيلاً هندسياً، مؤكداً أن الهدف من هذا التلاعب ليس القتل السريع، بل الإضعاف المنهجي وخلق صراعات داخلية بين الناس على السلع القليلة الموجودة، بما يسمى "صراع السعرات".
في الواقع، توظف إسرائيل ستار الدخان الإيراني سياسياً لعقاب غزة، وهذه الهندسة تهدف إلى تحويل القطاع إلى مختبر للجوع حيث يجري اختبار أقصى درجات التحمل البشري للضغط البيولوجي، لتحقيق مكاسب سياسية.
مقارنة أسعار
وتركت استراتيجية هندسة التجويع تداعيات معيشية قاسية على غزة، إذ تسبب انخفاض الإمدادات بنسبة 80 في المئة بقفزة في الأسعار، فارتفع سعر كيس الطحين إلى 100 شيكل أي 35 دولاراً، مما يشكل ثلاثة أضعاف سعره السابق، وزاد سعر كيلو الطماطم من دولار إلى 10 دولارات، واختفت سلع أساسية أبرزها زيت الطهي والمعلبات من الأسواق.
وقبل الحرب على إيران، كان سعر كيس الطحين وزن 25 كيلوغراماً يقدر بنحو 10 دولارات، لكن بعد الحرب ارتفع 300 في المئة ووصل إلى 32 دولاراً وبات وجوده شحيحاً جداً، وكذلك كيلوغرام السكر كان قبل الحرب الإيرانية بدولار ونصف الدولار، لكنه اليوم بقيمة 11 دولاراً وشبه مفقود، أما ليتر زيت الطهي فوصل سعره قبل التوتر الإقليمي إلى دولارين واليوم 25 دولاراً ووجوده نادر، وطبق البيض كان بقيمة تسعة دولارات واليوم 65 دولاراً وبات رفاهية مستحيلة، أما كيلو لحم العجل المجمد فبلغ سعره 15 دولاراً، وارتفع 500 في المئة وغير متوافر تقريباً، وعلبة حليب الأطفال تضاعف سعرها 300 في المئة وتوافرها يمر بأزمة حادة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتسبب التراجع الحاد في الإمدادات بزلزال معيشي داخل غزة، إذ يقول الباحث الاقتصادي محمد أبو جياب "هذا الغلاء الفاحش هو الأداة المباشرة التي تترجم بها إسرائيل سياسة هندسة التجويع ميدانياً، فيصبح الحصول على وجبة واحدة يتطلب موازنة شهر كامل لعائلة متوسطة".
وعن الأثر المباشر لتراجع الإمدادات، يوضح أبو جياب أن "السلع الأساسية اختفت وفرغت الأسواق من الطحين والزيت والسكر وتضاعفت الأسعار وأصبح الجوع لا يهدد الراشدين وحسب، بل يفتك بالفئات الأضعف، مما يؤدي إلى طريق نمو مجاعة صامتة، والآن يشعر الغزيون بأن حياتهم أصبحت ورقة مساومة ضمن صراع إقليمي أكبر".
أثر نقص البروتين
ومن أكثر الإمدادات التي بها نقص المصادر البروتينية وغيابها له أثر سيئ على أطفال غزة، إذ تعد أخطر جوانب هندسة التجويع، ويقول مدير عام مستشفيات غزة محمد زقوت "نقص البروتين ليس مجرد غياب للحوم، بل هو غياب للأحماض الأمينية الأساسية التي تمنع انهيار الأجهزة الحيوية للأطفال، وأضرار ذلك غالباً ما تكون دائمة ولا يمكن تعويضها بمجرد توافر الطعام لاحقاً".
ويوضح أن "البروتين هو حجر الأساس لبناء العظام والعضلات، وما يحدث في غزة بسبب الاعتماد الكلي على الخبز يجعل آلاف الأطفال يعانون فشلاً في النمو الطولي. وتظهر التقارير الطبية أن أطفالاً في سن الخامسة يبدون وكأنهم في سن الثالثة، وبات التقزم يجتاح غزة وهو ليس مجرد قصر قامة، بل يرتبط بتأخر دائم في تطور الدماغ والقدرات الإدراكية".
ويشرح زقوت أن "غياب البروتين يؤدي إلى الهزال الحاد وفقدان الكتلة العضلية وانتفاخ البطن والانهيار المناعي، لذلك رصدنا أرقاماً طبية مفزعة، إذ يعاني 31 في المئة من الأطفال سوء تغذية حاداً ويعاني واحد من كل 25 طفلاً الهزال الشديد، وأكثر من 90 في المئة من الأطفال دون سن الثانية يعانون فقراً غذائياً حاداً، إذ لا يحصلون إلا على نوعين أو أقل من المجموعات الغذائية، غالباً الخبز والماء".
وتنفي إسرائيل التذرع بالاستنفار العسكري على الجبهة الإيرانية لتعطيل سلاسل الإمداد وتأخير عمليات التفتيش على المعابر الحدودية، ويقول منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية يورام هليفي إن "غزة تمتلك إمدادات كافية من الغذاء والكساء لفترات طويلة، والبيانات التي تتحدث عن وجود مجاعة في قطاع غزة هي مضللة وغير دقيقة، إسرائيل تفي بالتزاماتها بفتح المعابر وإدخال الشاحنات، التنسيق مستمر لزيادة تدفق السلع التجارية والطبية".