ملخص
في غياب خطط إعمار واضحة للعاصمة السودانية الخرطوم تتحول إعادة البناء إلى جهد فردي قائم على الإمكانات المحدودة.
لم يتوقع أحمد سعد، وهو موظف حكومي في الـ40 من عمره، أن تكون عودته إلى الخرطوم بهذه القسوة، إذ يقول "غادرت العاصمة على عجل مع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات ’الدعم السريع‘، حاملاً حقيبة صغيرة وبعض الوثائق. كنت أظن أن الغياب لن يطول، لكن بعد أشهر، قررت العودة مدفوعاً برغبة من أجل الاطمئنان على المنزل".
ويروي سعد، "كان الطريق إلى الحي مليئاً بالحواجز وآثار الاشتباكات، وعندما وصلت، لم أتعرف على الشارع، فالمباني التي كنت أعرفها تغيرت، وبعضها اختفى، فتحت باب المنزل بصعوبة، كان مكسوراً، ولم أتفاجأ عند دخولي بخلوه من الأثاث والأجهزة، حتى الأشياء الصغيرة التي لا تذكر، لم يكن المشهد صادماً فحسب، بل مربكاً، إذ لم أعرف من أين أبدأ، هل أقيم الخسارة، أم أفكر في البقاء، أم أعود أدراجي؟ في تلك اللحظة، أدركت أن العودة ليست نهاية الرحلة، بل بدايتها".
تأمين المنزل
في المنحى ذاته، تقول آمنة حسن، وهي أم لثلاثة أطفال، "لم أتخيل أن أعود إلى منزلي في بحري وأجده فارغاً حتى من الذاكرة. فعندما دخلت، لم يكن هناك شيء، حتى السجاد القديم البسيط قد سرق. شعرت وكأن المنزل لم يعد منزلي".
هكذا تصف آمنة لحظة عودتها، قبل أن تضيف بنبرة أكثر تماسكاً، "لكنني قلت لنفسي: إن لم نبدأ الآن، فسنظل عالقين في المكان ذاته".
بدأت آمنة وزوجها بخطوة بسيطة، وهي تنظيف المنزل الذي استغرق يومين كاملين لإزالة آثار الغبار والزجاج المكسور. بعد ذلك، قام زوجها بإصلاح الباب باستخدام ألواح خشبية موقتة، بينما استعانت هي بجارات عائدات مثلها لتأمين المياه اللازمة للتنظيف والطهي.
وتمضي في حديثها، "أول ما اشتريناه كان مرتبة واحدة، كنا ننام عليها جميعاً. ثم أحضرنا موقداً صغيراً للطبخ. فالأمور تسير خطوة خطوة". واستطردت "نعتمد حالياً على تحويلات مالية متقطعة تصل إلينا من شقيقي المقيم في الخارج، إلى جانب عمل زوجي في وظائف يومية غير مستقرة. وعلى رغم ذلك، وضعنا خطة واضحة للمرحلة المقبلة". وزادت "صحيح لن نتمكن من إعادة كل شيء كما كان بسرعة، لكننا نريد أن نثبت أنفسنا. فالخطوة الأولى هي تأمين المنزل، ثم شراء أساسات الحياة المعيشية، وبعدها يمكن التفكير في تحسين أوضاعنا". وأضافت، "عاد أطفالي تدريجاً إلى الدراسة عبر دروس غير منتظمة داخل الحي، وأحاول استعادة نشاطي السابق في إعداد المخبوزات وبيعها للجيران".
دوافع العودة
على رغم الأخطار الأمنية وغياب الخدمات، تتزايد وتيرة العودة الفردية إلى الخرطوم، مدفوعة بعوامل تتجاوز مجرد الحنين. يقول المسؤول في وزارة التنمية الاجتماعية حاتم خليفة، "ما نشهده الآن ليس عودة منظمة بقدر ما هو قرار فردي مدفوع بالضغط. كثير من الأسر استنفدت مدخراتها خلال أشهر النزوح، خصوصاً في المدن التي استقبلتهم، حيث تضاعفت كلفة المعيشة بصورة غير مسبوقة. فالإيجارات، على سبيل المثال، ارتفعت بنسب كبيرة، في حين أن مصادر الدخل إما توقفت أو تقلصت. هذا الواقع يدفع الناس إلى المقارنة بين البقاء في نزوح مكلف وغير مستقر، وبين العودة إلى منازلهم، حتى لو كانت متضررة".
وتابع خليفة، "هناك أيضاً عامل نفسي لا يمكن تجاهله. فالمنزل بالنسبة إلى كثير من السودانيين ليس مجرد مكان للسكن، بل رمز للاستقرار والهوية. إن فكرة تركه لفترة طويلة تخلق شعوراً بالقلق من فقدانه بالكامل، سواء من خلال النهب أو التعدي. فبعض الأسر تخبرنا صراحة بأنها عادت فقط لحراسة ما تبقى في منزلها".
ويضيف خليفة، "في الوقت ذاته، نلاحظ أن قرار العودة لا يعني بالضرورة الاستقرار الكامل. فكثر يعتمدون نموذج العودة الجزئية، حيث يعود أحد أفراد الأسرة لتفقد المنزل أو بدء إصلاحات أولية، بينما تبقى بقية الأسرة في مناطق أكثر أماناً. هذه الاستراتيجية تعكس إدراكاً للأخطار، لكنها أيضاً تعكس غياب بدائل حقيقية، لذلك يمكن القول إن العودة هنا ليست خياراً حراً بالكامل، بل نتيجة مباشرة لضيق الخيارات".
صدمة الواقع
يصطدم العائدون بواقع مختلف، حيث تتحول الذاكرة إلى مقارنة قاسية مع حاضر مدمر. فيقول المتخصص في إدارة الأزمات الحضرية طه كمال إن "العودة لمناطق النزاع بعد توقف أو تراجع العمليات العسكرية غالباً ما تكون لحظة صادمة، لكن في حال الخرطوم تكون الصدمة مضاعفة بسبب طبيعة المدينة نفسها. نحن نتحدث عن عاصمة كانت تمثل مركز الحياة الاقتصادية والإدارية، والآن يجد العائدون أنفسهم أمام بنية حضرية مختلة بصورة واضحة".
وأردف كمال، "الصدمة الأولى تكون بصرية من آثار الرصاص، والمباني المتضررة، والشوارع التي تغيرت معالمها، لكن الصدمة الأعمق تظهر عند دخول المنازل. فكثير من الحالات التي وثقناها تشير إلى نهب شبه كامل، ليس فقط للأجهزة والأثاث، بل حتى للأبواب والنوافذ، وأحياناً الأسلاك الكهربائية. هذا النوع من التفريغ الكامل للمكان يخلق شعوراً بأن المنزل فقد معناه الأصلي".
وزاد، "من الناحية النفسية، هذا يندرج ضمن ما يمكن تسميته صدمة العودة وهي حال يعيش فيها الفرد تناقضاً حاداً بين الذاكرة والواقع. فالشخص يعود إلى مكان مرتبط بالأمان، لكنه يكتشف أنه لم يعد كذلك. هذا قد يؤدي إلى مشاعر قلق، وارتباك، وأحياناً رفض للبقاء، لكن الأخطر أن هذه الصدمة لا تعالج عادة، لأن الأولويات تكون مادية من إصلاح، وتنظيف، وتأمين. وفي غياب دعم نفسي منظم، تتحول هذه التجارب إلى عبء طويل الأمد، قد يؤثر في قدرة الأفراد على إعادة الاندماج والاستقرار. لذلك، فإن التعامل مع العودة يجب أن يتجاوز إعادة البناء المادي، ليشمل أيضاً إعادة التأهيل النفسي".
إعادة البناء
في غياب خطط إعمار واضحة تتحول إعادة البناء إلى جهد فردي قائم على الإمكانات المحدودة، إذ يقول المهندس الفاضل أحمد الذي يعمل مع إحدى المنظمات الإنسانية إن "ما نراه على الأرض هو عملية إعادة بناء عفوية وغير منظمة إلى حد كبير. فالأسر التي تعود تبدأ بما يمكن تسميته إعادة التأهيل الأولي، وهو يركز على جعل المنزل صالحاً للسكن، حتى لو بصورة جزئية. هذا يشمل تنظيف الركام، وإصلاح الأبواب، وتأمين النوافذ، ومحاولة إعادة توصيل الكهرباء أو المياه بطرق بدائية".
وأكد الفاضل أن "التحدي الأكبر هنا هو الموارد. فأسعار مواد البناء ارتفعت بصورة ملحوظة، وسلاسل الإمداد لا تزال غير مستقرة. وكثير من الأسر تعتمد على مدخرات محدودة أو تحويلات من أقارب في الخارج، لكن هذه المصادر لا تكفي لإعادة البناء الكامل. لذلك، نلاحظ أن العملية تجري على مراحل طويلة، وقد تستغرق أشهراً أو حتى أعواماً".
ونوه بأن "هناك أيضاً غياب شبه كامل للتنسيق على مستوى الأحياء فكل أسرة تعمل بصورة منفصلة، مما يعني أن البيئة المحيطة تظل غير مهيأة، حتى لو جرى إصلاح بعض المنازل. وفي نظري فإن إعادة الإعمار الفعالة تحتاج إلى تدخل على مستوى البنية التحتية مثل الطرق والمياه والكهرباء والصرف الصحي، فهناك حاجة ملحة لبرامج دعم تجمع بين المساعدات المباشرة، مثل توفير مواد البناء وأدوات التمويل الصغير التي تساعد الأسر على الاستمرار. من دون ذلك، ستظل إعادة البناء بطيئة ومجزأة، وقد لا تحقق الاستقرار المطلوب".
خطط الاستقرار
على رغم الهشاشة يحاول العائدون رسم مسارات تدريجية للحياة من جديد، فيقول مسؤول في قطاع التخطيط العمراني هيثم سالم إن "الاستقرار في هذه المرحلة لا يمكن فهمه كحال مكتملة، بل كعملية تدريجية ومعقدة. فالعائدون لا ينتظرون تحسناً شاملاً في الأوضاع، بل يحاولون التكيف مع الواقع كما هو. هذا يظهر في الخطط التي يضعونها لأنفسهم، والتي غالباً ما تبدأ بالأساسات، وتأمين السكن، ثم البحث عن مصدر دخل، وبعدها التفكير في التعليم والخدمات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف "نلاحظ أن كثيراً من الأنشطة الاقتصادية التي تعود هي أنشطة صغيرة أو غير رسمية تتمثل في محال محدودة، وخدمات بسيطة، وأعمال منزلية. فهذه الأنشطة تعكس محاولة لإعادة تدوير الاقتصاد المحلي، لكنها أيضاً مؤشر إلى غياب بيئة اقتصادية مستقرة".
ويرى سالم أن "التحدي كبير. فإعادة الاستقرار تتطلب إعادة تشغيل الخدمات الأساسية بصورة متزامنة مع عودة السكان. إذا عاد الناس من دون توفر المياه أو الكهرباء أو الأمن، فإن ذلك قد يؤدي إلى موجة نزوح جديدة. لذلك، نحن في حاجة إلى رؤية متكاملة، تربط بين عودة السكان وإعادة تأهيل البنية التحتية. فالعودة بحد ذاتها مؤشر إيجابي، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا لم تدعم بسياسات واضحة باختصار، ما يحدث الآن هو مبادرة من الناس لإعادة الحياة، لكن استدامتها تعتمد على ما إذا كانت ستجد دعماً مؤسسياً حقيقياً في المرحلة المقبلة".