Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عودة مصانع الخرطوم تصطدم بهجرة العمالة وتعثر التمويل

قطاع الصناعات الدوائية وحده أكثر من 50٪ من كوادره

تبلغ خسائر القطاع الصناعي في السودان من 50 إلى 58 مليار دولار (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ملخص

قدر باحثون اقتصاديون أن تبلغ خسائر القطاع الصناعي من 50 إلى 58 مليار دولار، لا سيما عقب تدمير البنية التحتية لتلك المصانع، لذلك يحتاج القطاع إلى أكثر من 80 ملياراً لإعادة إعماره، بناءً على معطيات تفيد بأن الكلفة الإجمالية لإعادة إعمار كل القطاعات تتجاور 150 مليار دولار.

في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى العودة الطوعية لسكان الخرطوم الذين لا يزال معظمهم موجوداً في مناطق النزوح داخل البلاد وخارجها، إلا أن كثيرين يرون أن ازدهار العاصمة وإعادة الحياة إليها مرهون باستعادة القطاع الصناعي نشاطه من جديد، بعد الدمار الكبير الذي لحق به بسبب الحرب المشتعلة بين الجيش وقوات "الدعم السريع" منذ قرابة ثلاثة أعوام باعتباره المشغل الرئيس لمواطني الخرطوم.

فهل بإمكان مصانع العاصمة التي تشكل أكثر من 70 في المئة من المصانع العاملة في البلاد، استئناف عملية الإنتاج بعد الدمار الذي أصابها؟ وما أهم العقبات والتحديات التي تواجهها؟

مخاطرة انتحارية

يقول أحد العاملين في القطاع الصناعي السوداني مختار أبو قصيصة "يمر السودان اليوم بمخاض اقتصادي عسير يتجاوز كونه أزمة عابرة، فهو واقع يتطلب قرارات شجاعة تعيد هندسة الهيكل الإنتاجي للدولة. فالصناعة لا تبرز كقطاع اقتصادي فحسب، بل كحجر زاوية لاستقرار الدولة واستدامة أمنها القومي، فضلاً عن كونها القوة القادرة على خلق القيمة المضافة وكبح جماح البطالة وإعادة التوازن للميزان التجاري، الذي يترنح تحت وطأة التضخم المتسارع وضعف العملة المحلية".

ولفت إلى أن مطالبة السلطات المتخصصة المصانع التي تعرضت للنهب والتعطيل بالمشاركة في إعادة تأهيل محطات الكهرباء وشبكات الإمداد، يعد خللاً كبيراً، وقد يبدو حلاً محاسبياً سريعاً، لأنها وظيفة أصيلة من وظائف الدولة وبنيتها التحتية السيادية، إذ إن الطاقة المستقرة تعد شرطاً لازماً لأي نهضة صناعية، فهي الشريان الذي يضخ الحياة في خطوط الإنتاج. وبالتالي فإن أي انقطاع في الامداد الكهربائي يترجم فوراً إلى نزيف في الناتج المحلي وضياع لفرص العمل، بخاصة في ظل انخفاض القوى العاملة نتيجة النزوح وعدم الاستقرار الأمني.

ورأى أبو قصيصة أن استئناف المصانع عملية الإنتاج بالمعيار التقني والهندسي ممكنة، لكنها مكلفة، إذ أن كثيراً من المصانع تعرضت لنهب الآلات أو تدمير خطوط الإنتاج، مما يعني إعادة تأسيس وليس مجرد صيانة.

وعد أبرز التحديات التي تواجه هذه المصانع في فقدان المخزون من المواد الخام ودمار المستودعات وهجرة ونزوح الكفاءات والعمالة الفنية الماهرة وتدمير محطات الكهرباء وشبكات المياه الصناعية وهو العائق الأكبر، فضلاً عن معضلة التمويل وتعثر البنوك، إذ إنه في ظل سيولة البنوك المفقودة وتعثرها، لا يمكن الرهان على النظام المصرفي التقليدي الحالي، فلا بد من إيجاد تمويل دولي وإقليمي عبر صناديق إعادة الإعمار والمنظمات الدولية مثل "اليونيدو"، إضافة إلى دخول شركات لتأهيل المصانع مقابل نسبة من الأرباح لفترة محددة، بجانب تجمع أصحاب المصانع في تكتلات لتقليل الأخطار.

ونوه بأن الاستثمار الصناعي، في ظل ضرائب باهظة وعملة منهارة، هو مخاطرة انتحارية ما لم تتدخل الدولة بمنح إعفاءات ضريبية استثنائية لفترة لا تقل عن خمسة أعوام لمصانع الخرطوم المتضررة، وربط الجبايات بالإنتاج الفعلي وليس من خلال تقديرات جزافية ترهق المنتج، وتحفيز التصدير لضمان الحصول على عملة صعبة تعوض انهيار الجنيه.

بصيص أمل

وشدد أبو قصيصة على أهمية وجود رؤية جديدة للنهوض بهذا القطاع حتى يكون مجدياً اقتصادياً وأمنياً، وذلك بتوزيع المصانع لتكون قريبة من المادة الخام. فمثلاً لا بد أن تكون مصانع الزيوت والجلود في مناطق الإنتاج الحيواني والزراعي أي في غرب البلاد ووسطها، مما يقلل كلفة الترحيل، ويخلق تنمية متوازنة، ويحمي الصناعة من الشلل التام في حال حدوث اضطراب في العاصمة.

واعتبر تجارب إقامة مصانع في المدن الآمنة كعطبرة وبورتسودان وود مدني بعد اندلاع الحرب لسد فجوة نقص الانتاج بصيص أمل، لكن نجاحها رهن بتطوير عاجل للبنية التحتية في تلك المدن لتتحمل ضغط التصنيع، وعدم اعتبارها حلولاً مؤقتة، بل نواة لمناطق صناعية دائمة.

ويعتقد أن دخول شراكات أجنبية أمر صعب كاستثمار مباشر في هذا القطاع، من منطلق أن رأس المال الأجنبي جبان ويبحث عن الاستقرار، لكنه ممكن عبر شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص الوطني الذي يمتلك الأرض والخبرة، مقابل تأمين التكنولوجيا والتمويل من الشريك الأجنبي بضمانات دولية.

وطالب الحكومة السودانية بالتوقف عن دور الجابي والتحول لدور المحفز عبر إعلان المناطق الصناعية مناطق طوارئ تنموية تُمنح امتيازات خاصة في الكهرباء والضرائب، وإنشاء صندوق وطني لتأمين المصانع ضد الأخطار السياسية والحروب لجذب المستثمرين، والعمل على توطين الصناعات التحويلية من خلال منع تصدير المواد الخام مثل الصمغ والقطن والحبوب الزيتية إلا بعد تصنيعها جزئياً لزيادة قيمتها، فضلاً عن تسهيل الإجراءات باعتماد النافذة الواحدة لإنهاء البيروقراطية التي تقتل المبادرات الوطنية.

وخلص أبو قصيصة إلى أن عودة الحياة للخرطوم تمر عبر بوابة المصنع، فإذا لم تتبنّ الدولة مبادرة تحسين الكهرباء والتمويل والعدالة الضريبية واعتبارها قضايا أمن قومي، فإن العودة الطوعية للسكان ستظل حلماً، لأن الناس سيعودون حيث تتوفر فرص العمل والكرامة الاقتصادية.

أخطاء سابقة

من جانبه أوضح المحلل الاقتصادي محمد الناير أن "عودة مواطني الخرطوم تشكل أهمية استراتيجية كبيرة، كذلك مباشرة الحكومة المركزية أعمالها من العاصمة هي بمثابة رسالة قوية بأنه يمكن أن تعود أفضل مما كانت عليه قبل الحرب، وهو أمر يساعد في عملية التطور الذي يمكن أن يحدث، فضلاً عن تحسين الخدمات وتحقيق الأمن بصورة عامة".

وتابع "صحيح أن كثيراً من المواطنين بخاصة العاملين في القطاع الخاص فقدوا وظائفهم، وبالتأكيد أن استئناف القطاع الصناعي نشاطه مسألة مهمة، علاوة على زيادة الإنتاج والإنتاجية وتقليل الواردات وزيادة الصادرات، وكل ذلك يساعد في تقليل معدل البطالة بصورة كبيرة".

واستطرد الناير "هناك عدد من المستثمرين نقل نشاطه الصناعي بعد اندلاع الحرب إلى ولايات أمنة داخل البلاد، وآخرون اتجهوا للاستثمار خارج السودان، لكن أتوقع خلال المرحلة المقبلة عودة كبيرة للمستثمرين في مجال الصناعة، ويجب ألا يقعوا في الأخطاء السابقة بتمركز صناعتهم في ولاية الخرطوم فقط، وعلى الدولة وضع خطة واضحة المعالم تعتمد على أن يكون هناك توزيع للمصانع في الولايات المختلفة حسب المواقع الانتاجية وما ينتج من مواد خام. وهناك تجارب متميزة وناجحة بإقامة صناعة السكر في ولاية النيل الأبيض وغيرها من الصناعات، وبالتالي يجب الاستدلال بهذه التجارب والتركيز في هذا المجال على الميزة النسبية لكل ولاية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وواصل "لكن مع ذلك يجب على الدولة تذليل العقبات التي تواجه القطاع الصناعي، كتقليل معدلات الرسوم الباهظة التي تفرض على المصانع ومساندة هذا القطاع حتى ينهض مرة أخرى. فلا يعقل مثلاً أن تدفع مصانع الأسمنت رسوماً تفوق 40 في المئة من سعر المنتج، فهذا معوق كبير له عواقب وخيمة. فلا بد أن تنظر الدولة للقطاع بعين الاعتبار وليس نظرة جبايات وموارد، بل يجب أن تنظر له من ناحية توطين الصناعات وأن تكون حصيلة الصادر أعلى، فضلاً عن أنه مشغل رئيس للعمالة، فاذا حدث ذلك يمكن تسريع الخطى في عودة القطاع خلال الفترة القادمة".

وزاد المحلل الاقتصادي "في تقديري أن البنك المركزي اتخذ قرارات جريئة لم يسبق أن اتخذت من قبل، إذ كانت تقر في السياسات النقدية، لكنها لا تطبق، من أهمها إعادة هيكلة النظام المصرفي، ما يؤدي إلى رفع رؤوس أموالها إلى معدلات معقولة قد تصل في المرحلة المقبلة إلى نحو 140 مليار جنيه سوداني (37.8 مليون دولار)، فهي خطوة ممتازة تجعل البنوك أكثر قدرة على التمويل بخاصة المتوسط وبعيد المدى الذي يحتاج إليه القطاع الصناعي".

لجنة مشتركة

في السياق أفاد الباحث الاقتصادي عمر محجوب الحسن بأنه "حسب التقديرات، تبلغ خسائر القطاع الصناعي من 50 إلى 58 مليار دولار لاسيما عقب تدمير البنية التحتية لتلك المصانع، لذلك يحتاج القطاع إلى أكثر من 80 ملياراً لإعادة إعماره، بناءً على معطيات تفيد بأن الكلفة الإجمالية لإعادة إعمار كل القطاعات تتجاور 150 مليار دولار".

وأضاف "تتمثل أهم التحديات التي تواجه إعادة تشغيل القطاع الصناعي في التمويل نظراً إلى أنه دمر وفقد الكثير من أصوله، فضلاً عن فقدان المستثمرين الكثير من أموالهم، وفي الوقت نفسه لن تستطيع الحكومة تقديم أكثر من الإعفاءات الضريبية والجمركية".

وأردف الحسن "أيضاً عدم عودة الكفاءات المهنية التي كانت تعمل في القطاع الصناعي يشكل تحدياً، بخاصة إذا علمنا أن عدداً من تلك الكفاءات استقر خارج البلاد وحصل على فرص وظيفية مغرية. على سبيل المثال، فقد قطاع الصناعات الدوائية وحده أكثر من 50 في المئة من كوادره، كذلك تواجه هذا القطاع تحديات تشغيلية في قطاع الكهرباء، علماً بأنه لم يكن قبل الحرب في حالة جيدة وكانت المصانع تعتمد في التشغيل على المولدات الكهربائية في كثير من الأوقات".

واستبعد أن يكون انخفاض قيمة الجنيه أو الرسوم الضريبية الباهظة معوقاً ذا أثر كبير في استئناف المصانع عملية الإنتاج، كذلك بين أن إعادة توزيع القطاع الصناعي نحو مناطق الإنتاج لن يكون مجدياً بسبب انعدام البنية التحية من طرق وجسور وكهرباء، وربما عدم رغبة المهنيين بالانتقال إلى مناطق الإنتاج، إضافة إلى أن العاصمة تشكل ثقلاً سكانياً كبيراً يستوعب معظم إنتاج تلك المصانع.

ورأى الباحث الاقتصادي أنه من الناحية الاستراتيجية لا بد من إنشاء لجنة مشتركة مع القطاع الخاص والقطاع المصرفي لبناء استراتيجية إعادة الإعمار وتلافي أخطاء الماضي ومعالجتها، وطرح فرص الاستثمار لجهات التمويل خارج السودان.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير